fbpx

“أنا الفتاة السعوديّة التي هربت دفاعاً عن أحوالها الشخصيّة”

حُكم على لجين بتهمٍ كالتحريض على تغيير النظام الأساسي للحكم والسعي إلى خدمة أجندة خارجيّة، وستظلّ مُلاحقة ومُراقبة، هي وعشرات غيرها لأنّهنّ رفضن الوقوف مكتوفات الأيدي أمام عذابات نساء بلادهنّ وحرمانهنّ أبسط حقوقهنّ...

حُكم على الناشطة السعوديّة لجين الهذلول بالسجن لمدّة 5 سنوات و8 أشهر بموجب نظام “مكافحة الإرهاب وتمويله”، أو بالأحرى، بموجب عجز المملكة السعوديّة عن تحمّل ثمن إقرارها بالظلم الذي ألحقته بلُجين المُعتقلة منذ عام 2018 ودفاعها وغيرها من الناشطات عن حقوق النساء الإنسانيّة وضرورة إسقاط نظام الولاية المُطبّق عليهنّ.

يوم 28 كانون الأوّل/ ديسمبر 2020، قرّرت المحكمة الجزائيّة المتخصّصة التي نُقلت إليها قضيّة لجين الهذلول الشهر الماضي- مع العلم أنّها محكمة تنظر عادةً في ملفّات الإرهاب- سجنَ لجين لمدّة 5 سنوات و8 أشهر من تاريخ إيقافها، بحسب صحيفة “سبق” السعوديّة التي حضرت الجلسة. 

تضمّن الحكم مدّة توقيف لجين ووقف تنفيذ عامين و10 أشهر من العقوبة “استصلاحاً لحالها ولتمهيد السبل لعدم عودتها إلى ارتكاب الجرائم”، ممّا يعني أنّ لجين تعود قريباً إلى الحريّة، ومن المرتقب أن تغادر السجن في آذار/ مارس 2021، شرط ألا ترتكب “جريمة” أخرى خلال السنوات الثلاث المقبلة. بمعنى آخر، شرط ألا ترفع صوتها دفاعاً عن حقوق الإنسان أو تتعاون مع جهات حقوقيّة خارجيّة أو تتكلّم عن التعذيب الذي تعرّضت له أو عن العيوب التي شابت ملفّها، وكان آخرها عدم ردّ الادّعاء على دفوع لجين، والتعديل على مستند الدعاوى الموجّهة ضدّها، من دون علمها وإخطار ممثّليها القانونيّين بذلك، وكان من أهم هذه التغييرات إزالة كل ما يشير إلى الحكومات البريطانيّة والهولنديّة والاتحاد الأوروبي، وفق ما ذكرته منظّمة “القسط” في بيانها حول القضيّة.

حُكم على لجين بتهمٍ كالتحريض على تغيير النظام الأساسي للحكم والسعي إلى خدمة أجندة خارجيّة، وستظلّ مُلاحقة ومُراقبة، هي وعشرات غيرها لأنّهنّ رفضن الوقوف مكتوفات الأيدي أمام عذابات نساء بلادهنّ وحرمانهنّ أبسط حقوقهنّ، ولتلقينهنّ درساً مفاده أن ليس من تغيير قاعديّ، إنّما التغيير يأتي فقط من فوق، وعلى شكل “هديّة” من ولي العهد فقط. وكانت سبقت الحكم الجائر بحقّ لجين سلسلةٌ من المآسي وحوادث الهرب والخطف التي تعرّضت لها نساء خلال السنوات الماضية بسبب منظومة الأحوال الشخصيّة الأبويّة السائدة في المملكة، نتناولها بالتفصيل في هذا التحقيق. 

أنا حقيقية …

“أُسجّل هذا الفيديو اليوم لأنَّه من الممكن أن يكون آخر فيديو بحياتي، وأيضاً حتى تتأكّدوا من أنّني حقيقيّة وموجودة”، قالتها الشابة آمنة الجعيد قبل اختفائها أواخر عام 2017 وتقديم عائلتها بلاغ تغيّبٍ يصفه حقوقيّون/ات سعوديّون بالبلاغ الكيدي الذي غالباً ما يتقدّم به أهل الفتاة بهدف إخضاعها وإرغامها على العودة إلى منزل الأرجح أنّها هجرته هرباً من عنف أولياء أمرها وسلطتهم عليها.

“أنا الفتاة التي هربت. أواجه الآن خطراً كبيراً لأن السفارة السعوديّة تحاول إجباري على العودة. أشعرُ بالخوف. أخشى أن تقتلني عائلتي”، قالتها الشابة السعوديّة رهف محمّد القنون من مطار بانكوك قبل وصولها إلى كندا في كانون الثاني/ يناير 2019، بعد أيّام من مغادرتها المملكة العربيّة السعوديّة ومرورها من الكويت ثمّ تاينلاندا، آملةً الوصول إلى أستراليا، وجهة اللجوء الأخيرة.

عام 2020، لم تتوقّف أخبار اختفاء النساء، أو خطفهنّ، أو استبقائهنّ في “دار الرعاية” ومراكز احتجاز لا يُسمح لهنّ بمغادرتها إلا بإذنٍ من ولي أمرهنّ وحضوره. عام 2020، لم يتوقّف لجوء الفتيات إلى المخاطرة من أجل الهرب من سجونهنّ العائليّة، ولا لجوء الأهل إلى بلاغات “التغيّب” و”العقوق” (أي كسر الطاعة الوالديّة)، على رغم الإعلان عمّا عُرف بسلّة “الإصلاحات” والإيحاء ببدء تنفيذها على أراضي المملكة. وسلّة “الإصلاحات” هذه هي عبارة عن أحكام وتعديلات قانونيّة تشهد المملكة تسلسلَها منذ عام 2017 بقيادة ولي العهد محمّد بن سلمان، ارتبط معظمها بمشروع “رؤية 2030” وما صاحبه من موجة “لَبْرلة” حقوقيّة ستطاول حتماً أوضاع النساء، ولم تعد المملكة قادرة على تلافيها، فوجدت فيها مدخلاً يمكن أن يُنعش اقتصادها وينوّع مواردها ومنابع ثرواتها بما هو أبعد من اقتصاد النفط.   

على ضوء هذه المستجدّات، تحدّث “درج” مع نساء سعوديّات، بينهنّ صفاء الأحمد، ناشطة وصحافيّة وصانعة الأفلام (والمديرة السابقة لمنظّمة “القسط” الحقوقيّة) للوقوف معها عند المستجدّات الأخيرة على ملفّ نظام الولاية في السعوديّة وأوضاع النساء المخفيّات والمعتقلات وأعدادهنّ الحقيقيّة. 

في سياق الحديث، كرّرت صفاء الأحمد إجابة هي لسان حال متابعي/ات الأوضاع في المملكة إذ تشكّل فحوى المشكلة التي يواجهها معظمهم، فقالت: “سنُرفق أي إجابة دوماً بـ”الله أعلم!”. وأضافت، “يجب أن نحفظ مسار متابعة حثيثة للقضايا، لكن هذا جزء من الوضع الضبابي في السعوديّة، والسبب الأساسي لذلك هو صعوبة الحصول على المعلومات. شهور تمرّ ولا نسمع شيئاً. وقاحة الحكومة هي السبب”.

عن أيّ تعديلات على نظام الولاية نتحدّث؟ 

في السنوات والشهور القليلة الماضية، تصدّرت لائحة “الإصلاحات” في مجالات السفر والحركة داخل السعوديّة قراراتٌ قضت بالسماح للمرأة بقيادة السيّارة، وإصدار جواز سفر، والسفر إلى الخارج، من دون إذن ولي أمرها. وفي ما يتّصل بالتعديلات الخاصّة بنظام الأحوال المدنيّة الذي يشتمل على تنظيم الشؤون الأسريّة، أدّت التغييرات إلى تخفيف بعض قيود نظام ولاية الرجل على المرأة المُتّبع في السعوديّة، وذلك عبر السماح لها ولأقاربها مثلاً بالتبليغ الرسمي عن المواليد وحالات الزواج والطلاق والوفاة وطلب الاستحصال على سجلّ أسرة، علماً أن هذه المعاملات كانت محصورة بالذكور، إضافة إلى فصل إقامة المرأة عن محل إقامة زوجها كما هي الحال بالنسبة إلى القاصرين، وصولاً إلى قرار فرض إلزاميّة توثيق الطلاق بحضور الطرفين مطلع عام 2020 وعدم الاكتفاء بالطلاق الشفهي والتعسّفي. 

ولعلّ التعديل الأخير من أهم التحديثات التي أُقرّت بعد التعديل الأبرز الذي سجّله القضاء السعودي عام 2014 الذي قضى آنذاك بالاعتراف بحقّ المرأة المُطلّقة بحضانة أطفالها أو رؤيتهم. فقد شكّلت إلزاميّة إبلاغ الطرف الآخر بالطلاق وتوثيقه في المحكمة بحضور الطرفين متنفّساً للكثير من النساء اللواتي عانين بفعل الطلاق التعسّفي وغير الموثّق من مماطلة الأزواج في إثبات الطلاق، ما حال دون تمكّنهنّ من الزواج مرّة أخرى أو مواصلة حياتهنّ بشكل طبيعي. فضلاً عن أنّ هذا النمط من الطلاق كان يُعيق حصول كثيرات على حقوقهنّ المادّية كزوجات “لا معلّقات ولا مُطلّقات” ويعرقل إنجازهنّ معاملاتٍ يوميّة بسيطة، فيصبحن “كمَن يعشن في صندوق”، على حدّ وصف منظّمة “هيومن رايتس ووتش” لأحوال النساء السعوديّات في تقريرها حول نظام ولاية الرجل على المرأة.

ولكن، وعلى رغم محدوديّاتها، بالإمكان القول إنّ عدداً من “الإصلاحات” الأخيرة سهّل من الناحية العمليّة حياةَ آلاف النساء اللواتي كُبّلت أيديهنّ بأصفاد نظم الولاية والتبعيّة. إلا أنّ تلك التعديلات تبقى إمّا طفيفة أو شكليّة، أوّلاً لناحية بداهتها، وثانيّاً لما حرّكها من حوافز سياسيّة داخليّة وخارجيّة أكثر منها حقوقيّة، ناهيك بأنّها لم تمسّ فعليّاً بجوهر نظام الولاية، كما تؤكّد الحقوقيّات والخبيرات اللواتي تحدّث إليهنّ “درج”، واللواتي شكّكن بوجود أي نيّة إصلاحيّة حقيقيّة خلف تعديلاتٍ لا يُسمح بتحقيقها إلا حين تأتي من علُ، على عكس ما روّج له بعض الإعلام الغربي من سرديّات أظهرت أنّ المجتمع هو الوهّابي المنغلق والعائلة المالكة هي الأسرة المنفتحة التي تحاول الارتقاء به.

والمثال الفادح الذي عزّز التشكيك بالنيّة الحقيقيّة للإصلاح، كان رؤية أنّ المُطالبات به، كلجين الهذلول وسمر بدوي ونوف عبد العزيز ومياء الزهراني ونسيمة السادة، مرميّات خلف القضبان أو معرّضات للملاحقة والقهر وسوء المعاملة. 

في السعوديّة لا قانون للأحوال الشخصيّة

يشكّل في السعوديّة نظامُ ولاية الرجل على المرأة القاعدة الصلبة للأحوال المدنيّة المتّصلة بالأسرة والمرهونة حاليّاً برؤية دينيّة ضيّقة ينظر بها قضاةٌ شرعيّون إلى ملفّاتهم بالقدر الذي يشاؤونه من الاستنسابيّة والمزاجيّة، ذلك أنه حتّى الآن لا قانون موحّداً للأحوال الشخصيّة في المنظومة القضائيّة داخل المملكة. بمعنى آخر، وحتّى الساعة، لا قانون ينظّم شؤون الأسرة ولا تواتر لقرارات تُبنى على سوابق أو اجتهادات أتت لمصلحة تعزيز حقّ المرأة مثلاً، كما تشرح لـ”درج” الناشطة السعوديّة “مهى”، وهي طالبة سعوديّة متخصّصة بالشؤون القانونيّة.

“قانون الأحوال الشخصيّة في السعوديّة ليس مُدوَّناً، وهو يخضع لتفسيرات قضاة وعلماء مُستقاة من الشريعة الإسلاميّة. وهنا الثغرة الكبرى في النظام السعودي، أن لا قانون مكتوب، وكلّ قاضٍ يفسّر على كيفه، ولا شيء يلزمه اتّباع قرار قاضٍ سبقه”، بحسب مهى.

استبعدت مهى أن ينشأ عن التغييرات الراهنة تبدّل جوهري أو إلغاء نهائي للممارسات التقييديّة العميقة التي سبق أن اقترحت تجاوزها عضواتٌ في مجلس شورى الدولة من موقعهنّ الاستشاري البحت، كمسألة إلزاميّة إذن الولي لزواج المرأة، وتحكّمه بخيارها، والولاية على الأطفال، وتجريم الاغتصاب الزوجي، والمساواة في الأسرة. فتلك الأمور تبقى بنظر الحكومة والنظام مسألة شرعيّة ثابتة، وفق تفسيرات رجالها السائدة طبعاً. أمّا العناوين التي تتعلّق بتحديد سنّ الزواج، وبلاغات “التغّيب والعقوق”، فتأمل “مهى” أن يؤدّي الضغط الخارجي الحاصل حاليّاً إلى إحداث بعض الخروقات وإنجاز التعديلات، لكن مع الإيحاء دوماً بأنّ السلطة هي التي تقرّر إنجازها، وليس الشعب من يدفع السلطة إلى إحداثها. 

إلى أي مدى تُطبّق “الإصلاحات” الجديدة؟

إقبال” شابّة سعوديّة أخبرت “درج” كيف أنّها فهمت، منذ صغرها، أنّ شوارعَ المملكة لن تكون يوماً لها، وأنّها حتّى لو تحرّكت بحريّة بالنقاب أو بدونه، سيبقى تعرّضها المحتمل للتحرّش ذنباً يُحتسب عليها، وأنّها لن تلقى المعاملة المميّزة التي يحظى بها شقيقاها داخل عائلتها، وهي عائلة منفتحة بعض الشيء. 

تحمّلت إقبال العيش في السعوديّة إلى أن حصلت على شهادة جامعيّة، لتبدأ مع شهادتها رحلة السفر إلى كندا لاستكمال دراساتها العليا. لم تستطع “إقبال” الالتحاق ببرنامج الابتعاث الخاص بدعم الطلّاب السعوديّين للدراسة في الخارج من دون إذن والدها، أي ولي أمرها. لكن من حسن حظّها أنّ والدها وقف إلى جانبها، ودعم طموحها، وأجاز لها السفر، بيد أنّ المفاجأة الكبرى كانت أنّها عادت واحتاجت إلى موافقته -والتي تأتي عادةً على شكل إخطارات خاصّة بأذونات السفر على هاتف ولي الأمر- لتتمكّن من تجديد جوازها، وذلك عقب مرور أشهر على الإعلان عن إقرار التعديلات الأخيرة. وبالفعل، تلقّى والدها إخطاراً من وزارة الداخليّة بالأمر على هاتفه المحمول، على حدّ قولها، ما يطرح علامات استفهام حول مدى تطبيق التعديلات الأخيرة واستفادة جميع النساء منها، وتحديداً المستفيدات من برنامج الابتعاث. 

إقرأوا أيضاً:

“لا أعرف الغرض من إعلان شيء وعدم تطبيقه على الجميع… لكنني اليوم مستقلّة أكثر، وكنتُ من المحظوظات اللواتي استطعن إكمال تعليمهنّ في كندا حتّى بعد الأزمة الدبلوماسيّة التي نشبت بين كندا والسعوديّة خلال صيف 2018 (إثر تغريدة وزيرة الخارجيّة الكنديّة الداعمة للناشطة المُعتقلة سمر بدوي)، على أساس أنني شارفتُ على إنهاء رحلتي التعليميّة”. 

وتتابع “إقبال”، “أثّر ذلك كثيراً في علاقتي بوالدي الذي بات من الأصعب عليه تحدّي قراراتي وأنا في بلد غريب، أتابع تعليمي لوحدي، وأنا في الثلاثين من عمري.”

في الواقع، ما من إجابة واحدة حول جديّة تنفيذ التعديلات الأخيرة على نظام الولاية ومدى فاعليّتها على الأرض، تحديداً لعدم توفّر معطيات واضحة ومحاربة المملكة لحقّ الناس في الوصول إلى المعلومات، الأمر الذي أكّدته صفاء الأحمد لـ”درج”. 

“موضوع التواصل مع الداخل حسّاس جدّاً، ونحن نعتمد شفافيّة مُطلقة على أن لا تضرّ بالأهالي والمساجين. لكن لعبة التوازن هذه صعبة جدّاً”، كما تشرح صفاء.  وباستثناء ما يتعلّق بقيادة المرأة السيّارة وسفرها من دون إذن وارتفاع نسبة توظيف النساء في البلاد -وإن تفاوتت النسب بين القطاعات- فمن الصعب، حتّى على المُتابعات والراصدات، نفي التغيير أو تأكيد تنفيذه بالمطلق.

“في ما يتعلّق بالسفر، أظنّ أن بعض الإصلاحات دخل حيّز التنفيذ، وأعرف نساء يتنقّلن ويسافرن براحة. أنا متأكّدة من أنّ حياة بعض النساء اليوميّة في السعوديّة أصبحت أسهل لناحية القدرة على القيادة والعمل والحركة والخروج من المنزل والمشاركة في بعثات حكوميّة من دون وليّ أو مرافق”، بحسب مهى. 

وتتابع، “لا شكّ في أنّه أصبح للنساء قدرة أكبر على إجراء عددٍ من المعاملات لوحدهنّ، بخلاف الماضي غير البعيد، ما يدفعنا إلى الاعتراف بأنّ بعضَ الجوانب الحياتيّة تحسّنت، لكن الوضع العام في السعوديّة صار أسوأ على الصعيد السياسي والحقوقي الأوسع، والمثال الصارخ على ذلك هو القضاء على حريّة التعبير وكمّ الأفواه”.

بالنسبة إلى صفاء الأحمد، فالعبرة تكمن في انتظار أن تستخدم النساء، وجميع النساء من المناطق والطبقات كافّة وليس فقط “المحظوظات”، القوانين والتعديلات الجديدة “لنعرف إذا ما نُفّذت بالفعل واستطعن الاستفادة منها أم لا، قبل أن نقيّم أي شيء”. 

وتردف، “النساء اللواتي يعشن في كنف عائلات منفتحة أصلاً، تأثّرن إيجابياً إلى حدّ ما، وساعدتهنّ التعديلات. لكن ينبغي التفكير بالناس الذين لا يعيشون في بيئة منفتحة وميسورة، وهنا يُحكَم على درجة نجاح أي إصلاح، والسؤال الحقيقي يبقى: هل كل النساء مستفيدات؟ وعن أي إصلاح نتحدّث؟ فهل تؤهّل الحكومة مثلاً مؤسّساتها وسلطات إنفاذ القانون بشكل كافٍ؟ هل تأخذ شكاوى النساء على محمل الجد، وتحديداً اللواتي يعتدي عليهنّ أهلهنّ بسبب ممارستهنّ حقوقاً نصّت عليها التعديلات ولم يوافقوا هم عليها، بوصفهم أولياء أمرهنّ؟ وهل أنشأت الحكومة مدارس القيادة خارج المدن الرئيسية حيث تتمتّع النساء أصلاً بهامش ولو محدود من المرونة و… و…؟”

“تتباهى السعوديّة بأنّها وضعت قانوناً للقيادة، ولكنّها لم تحمِ النساء بعد في الشارع”، تقول صفاء. 

لا يختلف موقف منظّمة العفو الدوليّة ممّا يحصل داخل السعوديّة عن ملاحظات الكثير من الحقوقيّات/ين المتابعات للملفّات العالقة في الداخل. فالمنظّمة أيضاً قلقة من تفاوت تطبيق الإصلاحات بين المناطق والطبقات والأُسر، وعدم تسهيل الوصول إلى المعلومات، واحتمال تعريض الأشخاص في الداخل للخطر، انطلاقاً من التعنّت الواضح الذي تتمسّك به الحكومة إزاء أحد أبرز الملفّات الحقوقيّة التي فرضت نفسها على الساحة الدوليّة، وهو ملفّ الحقوقيّات المُطالِبات بإسقاط نظام الولاية واللواتي تعتقلهنّ السلطات بتهم خيانة الدولة والتعامل مع الخارج. 

“لم يعد بمقدور السعودية وتحديداً الملك وولي العهد تصوير أنفسهم كمُصلحين ومُحدّثين في الوقت الذي تقبع فيه الناشطات وقائدات المطالَبات بالحقوق والإصلاح في السجون”، بحسب ما أفاد به هاشم هاشم، مسؤول الحملات الإقليميّة في منظّمة العفو الدولية لـ”درج”.

ويقول هاشم، “على المجتمع الدولي الاستمرار بالضغط حتّى تبدأ السعودية بتفعيل كلامها ودعايتها عن تعزيز حقوق النساء على أرض الواقع، وذلك عبر إطلاق سراح جميع النشطاء فوراً ومن دون أي قيد أو شرط، لا سيّما الناشطات اللواتي ناضلن من أجل تعزيز حقوق النساء والإنسان، علماً أن لا إثبات أصلاً على أنهنّ اقترفن أكثر من ذلك”. 

سمر بدوي

رحلة سمر بدوي من سجن جدّة… إلى المحكمة الجزائيّة المتخصّصة؟

في 4 نيسان/ أبريل 2010، حين حضرت سمر بدوي إحدى جلسات المحكمة في قضيّة العضل (أي منعها ظلماً من الزواج) التي رفعتها ضد والدها الذي كان يعنّفها طيلة أعوام، اعتُقلت سمر تنفيذاً لمذكّرة الاعتقال الصادرة بحقّها في قضيّة العقوق (كسر الطاعة الوالديّة) التي كان رفعها ضدها والدها، واحتُجزت في سجن بريمان في جدّة. 

لم يمرّ على الاعتقال الأوّل مدّة طويلة حتّى استكملت سمر نضالها الشرس ضد استغلال والدها لسلطته عليها، وتعنيفه المُدمي لها، ووقوفه في وجه طموحها ورغبتها بالزواج، علماً أنّها عادت وتزوّجت وليد أبو الخير، محاميها وشريكها الذي سبقها إلى السجن، وكانت سمر ارتبطت به بعد كسبها قضيّة العضل وانتقال الوصاية عليها بقرار من المحكمة من أبيها إلى عمّها.

دفعت سمر بالسجن ثمنَ دفاعها عن حقّ النساء بالمشاركة في الحياة السياسيّة، وقيادة السيّارة، وتقديمها شكاوى أمام ديوان المظالم للمطالبة بحقّها في التصويت وإنهاء الحظر غير القانوني لقيادة النساء السيّارات مع مجموعة من الناشطات السعوديّات بين عامَي 2011 و2012، وإسقاط نظام الولاية، ودفاعها عن شقيقها المسجون رائف بدوي، الكاتب ومؤسّس الشبكة الليبراليّة السعوديّة الحرّة الذي حُكم عليه عام 2014 بـ10 سنوات سجن وألف جلدة بتهمة “الردّة”. 

انتهى المطاف بسمر إلى سجنها “الصامت” الذي لا يُسمع عنه الكثير، على غرار لغز سجن ناشطات أخريات لا يتجرأ أقرباؤهنّ على البوح، خوفاً من أي تداعيات سلبيّة. علاوةً على ذلك، فأحبّاء سمر الذي كانوا ليدافعوا عنها في الملأ، مسجونون أيضاً، ناهيك بأنّ السلطات سبق أن دمّرتها مرّتين وثلاث قبل أن تحيلها أخيراً إلى المحكمة الجزائيّة المتخصّصة، كما ترجّح مصادر متابعة لملفّها. 

دمّرَتْها مرّةً أولى حين تأخّرت في فصلها عن والدها المُعنّف ودفعتها إلى الاحتماء بدار رعاية، ومرّة ثانية حين اعتقلتها بقضيّة “عقوق”، ومرّة ثالثة عندما “أخفتها” بتهمة التعامل مع الخارج ولاحقتها بعد أن وصل صدى صوتها إلى أصقاع أقلقت راحة السلطات وسكينتها.

اليوم، لم يتبقَّ أمام المُدافعات (والمُدافعين) سوى الإضراب عن الطعام. لا بل حتّى الإضراب عن الطعام بات ممنوعاً، لأن كلّ أنواع الاحتجاجات، ببساطة، باتت محظورة في السعوديّة.

إقرأوا أيضاً:

الضغوط الدوليّة… أمل صنّاع التغيير

ربّما أضربت سمر بدوي، كلجين الهذلول، هي أيضاً عن الطعام، من زنزانتها المجهولة، وربّما كان الحرّاس يوقظونها من نومها لإرهاقها أو إرغامها على الطعام كل ساعتين، كما فعلوا مع لجين، مع فارق أن لا صديق أو قريب لسمر يوصل للعالم أخبارها، فتلقى قدرها وحيدةً، بانتظار حكم يتوقّع متابعون/ات أن يصدر بشكلٍ يحفظ للسعوديّة ماء وجهها وراية سيادتها القضائيّة وقاعدة أنّ السلطة تغيّر لا الشعب، من جهة، ويريحها من الضغوط الدوليّة وحملات مناصرة الناشطات المستمرّة من جهة أخرى، كما حصل مع لجين. وما تلميح سفير السعوديّة في لندن سوى إشارة إلى تفاقم الاختناق حين صرّح لصحيفة “الغارديان” قبيل استضافة السعوديّة مجموعة العشرين في تشرين الثاني/ نوفمبر المنصرم بأنّ “وزارة الخارجيّة السعوديّة تدرس ما إذا صار ملفّ المعتقلات يستبّب لها بتداعيات سياسيّة مُدمّرة لم يعد الملف يستحق أن تتحمّلها”. 

وعلى المنوال نفسه، قد يرشح عن بعض الملفّات والقضايا ردود دوليّة ضاغطة، يعوّل عليها النشطاء لإحداث المزيد من الخروقات في نظام الولاية وأحوال المواطنين/ات المدنيّة والحريّات داخل المملكة، بعد أن منعهم نظامهم من التفاوض معه، لا بل حتّى من الكلام معه أو عنه، ملوّحاً بالسجن لكلّ صوت معارض أو مُتسائل، لتبقى جريمة قتل جمال خاشقجي رمزاً صارخاً للجسد الناقد المُمزَّق الذي تُشهره المملكة في وجه كلّ من يتجرأ وينطق… وينطق فقط.

وعلى هذه النقطة، تعلّق صفاء الأحمد لـ”درج”، “منطقيّاً يجب أن نخاف… ما حصل في القنصليّة وما يحصل من محاولات هرب وخطف نساء و”تهكير” حسابات يدلّ على أنّ الحكومة تحارب كلّ من لا يتّفق معها. لكنّنا كسعوديّين في الخارج في مرحلة نضوج سياسي. نفكّر أكثر بكيف سنعمل سوياً وكيف سنختلف وكيف سنتعاون”. 

وتضيف، “أنا متفائلة جداً، فبعد مقتل الصحافي جمال خاشقجي، وُلد ردّ فعل عكسي لما توقّعته الحكومة. نحن اليوم أقوى”.  

نشرت هذه المادة بالتعاون مع National Endowment for Democracy

إقرأوا أيضاً:

المقالات العشرة الأكثر قراءة خلال عام 2020

مرفأ بيروت:
اختفى تحت الإهراء…!

“ظللتُ أقولُ له: ستذهب إلى المرفأ وتتركني هنا مع الأطفال، فماذا لو حدث شيء؟ وكان يقول لي: أقلقُ عليكم في المنزل، ولا أقلقُ على نفسي في المرفأ”…

تقصي ثروة رياض سلامة في أوروبا:
شركات وعقارات و”5 أبعاد من المتعة”

استثمرت شركات خارجية (أوفشور) مملوكة لحاكم المصرف المركزي اللبناني رياض سلامة بهدوء في أصول خارجية، بلغت قيمتها نحو 100 مليون دولار أميركي في السنوات الأخيرة، فيما كان سلامة يشجع الآخرين على الاستثمار في بلاده.

قصة “طبيب النظام السوري” الذي عذّب قريبي

كان يُمنع على أحد أن يقترب من غرفته باستثناء الحراس والمحققين وطبيب يعاينه لعشر دقائق صباحاً. أما الحراس الآتون من “الخطيب” ومن إدارة المخابرات الجوية، فكان “صفعهم إياي أمراً طبيعياً لهم”.

في حقيقة البحث عن علاج للكورونا

دخلت شركة سانوفي الفرنسية ومعهد باستور في سباق مع ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل للتوصّل إلى لقاح ضدّ الكورونا. المسألة لن تكون سهلة
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
آمال شحادة – صحافية فلسطينية
اللد، البلدة الفلسطينية التي تواجه منذ سنوات سياسة تمييز وقهر ، شهدت هبة غضب كبيرة لم تقتصر على الاحتجاج على غزة والاقصى او الشيخ جراح، بل اشتعلت في وجه سياسة اليمين الإسرائيلي ضد المجتمع الفلسطيني.
Play Video
معطى جديد دخل على التطورات الفلسطينية مع تحرّك فلسطينيي الداخل في مدينتي اللدّ ويافا، فكيف تُقرأ هذه التصعيدات وهل ستتحدث تغييراً على المستوى السياسي الفلسطيني؟ الكاتب الفلسطيني مصطفى إبراهيم يُجيب.

5:16

Play Video
مشهدية هجوم مستوطنين على منازل فلسطينيين والاعتداء عليهم في مخطط لإجلائهم وتغيير وجه القدس الديمغرافي، جعلت شخصيات عامة داخل إسرائيل وخارجها تنتقد إسرائيل علناً…

1:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني