fbpx

من قتل المهدي بن بركة؟

كيف مهدت احدى أكبر الجرائم السياسية للتطبيع المجاني الحاصل حالياً بين دول عربية واسرائيل ؟
المهدي بن بركة

لم يعد مقتل الزعيم المغربي المهدي بن بركة سراً غامضاً، فنحن نعرف القتلة، وخصوصا بعد كتاب الصحافي الاسرائيلي رونين برغمان: “انهض واقتل أولاً”، الصادر عام 2018، والذي كشف خيوط الجريمة وسمى أبطالها: الملك المغربي الحسن الثاني ووزير داخليته محمد أوفقير، الموساد الاسرائيلي، “السي أي ايه”، وتواطوء  الشرطة الفرنسية.

في 29 تشرين الأول-أكتوبر 1965، اختطف بن بركة من أمام مطعم “ليب” في بولفار سان جِرمان في باريس، وعُذب وقُتل في فيلّا تقع جنوبي العاصمة الفرنسية، وحتى الآن لم يُعثر على بقاياه.

لماذا نطرح سؤالاً نعرف جوابه؟

قُتل بن بركة في سياقين: 

الأول هو قيادته للمعارضة الراديكالية ضد الاستبداد في بلاده، ودعوته إلى الديموقراطية والعدالة الاجتماعية.

والثاني هو تحوله إلى أحد كبار رموز حركة التحرر الوطني في العالم، عبر دوره في الاعداد لمؤتمر القارات الثلاث الذي عُقد في كوبا عام 1966.

هذان السياقان واضحان، من هنا نفهم تواطوء الاستخبارات المركزية الأمريكية ومشاركتها في الاشراف على الاغتيال، لأنها أرادت التخلص من رفيق تشي غيفارا واميلكار كابرال ومالكوم اكس.

غير أن هذين السياقين ليسا كافيين لتفسير الجريمة، بل أنهما لم يكونا ممكنين لولا تدخل سياق ثالث شبه خفي، لعب دورا أساسياً في عملية الاغتيال.

هذا المناضل المغربي الكبير كان الشهيد الأول لتحالف الاستبداد- الاحتلال، الذي يعربد اليوم نازعا أقنعته، ومعلنا أن الاستبداد لم ولن يكون سوى أحد ادوات المشروع الكولونيالي الإسرائيلي.

شخصية بن بركة الكارزمية ودوره في النضال من أجل استقلال المغرب، ثم خروجه من حزب الاستقلال الذي لعب فيه دور “الدينامو”، كما كان يسميه رفاقه، وتأسيسه لحزب يساري هو “الاتحاد الوطني للقوى الشعبية”، ووزنه العربي والدولي، كلها كانت أسباباً كافية لاعدامه الوحشي على يد الملك الذي فرض على المغرب “سنوات الرصاص الطويلة”. استاذ الرياضيات، الذي قتله الملك الذي كان أحد طلابه، جسّد  في حياته وعمله حلم الحرية. والفيلم الرائع الذي أخرجته سيمون بيتون، يقدم لنا سجلاً لحياته القصيرة التي تلخّص بلاداً “مريضة بماضيها”، كما قالت بيتون في شريطها الصوتي في الفيلم.

ما هو هذا السياق الثالث وكيف نفهمه؟

حكاية هذا السياق لم تبدأ عام 1965 ولن تنتهي في عام 2020، حين أعلن رسميا عن “تطبيع” العلاقات بين اسرائيل والمغرب، برعاية ترامب وصهره جاريد كوشنير، وكان الثمن هو اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.

الحكاية بدأت بعد موت الملك محمد الخامس، وتسلم الحسن الثاني العرش عام 1961. ففي الفترة الممتدة بين تشرين الثاني -نوفمبر 1961، وربيع 1964، أنجزت العملية التي يطلق عليها الاسرائيليون اسم “عملية ياخين”. وعملية “ياخين” هي جزء من سلسلة عمليات كان هدفها تهجير اليهود العرب: “بساط الريح” في اليمن 1949-1950، و”عزرا ونحميا” في العراق 1950-1952, و”ياخين” في المغرب.  هذه العمليات الثلاث تمت بالتواطؤ والتعاون مع حكام هذه الدول.

كان لا بد من اليهود العرب لسد النقص الديموغرافي اليهودي في اسرائيل. هذه العمليات الثلاث كانت التطبيع الذي مهّد للتتبيع الحالي، لأنها كشفت أن الأنظمة الاستبدادية ساهمت في تأسيس دولة اسرائيل، وكانت شريكاً للصهيونية في طرد الفلسطينيين من أرضهم، وفي تأسيس ثنائية الاستبداد- الاحتلال التي تهيمن على العالم العربي.

لقد تم بيع اليهود العرب بيعاً، وقبض ثمنهم نقداً وعداً. الحسن الثاني الذي باع يهود المغرب بالمفرق والجملة، وصل به التعامل مع الموساد بأن سمح للاستخبارات الاسرائيلية بوضع آلات تسجيل في قاعات مؤتمر القمة العربية الذي عُقد في الدار البيضاء عام 1965، وفي غُرف الزعماء العرب. وهذا ما سمح لاسرائيل بأن تعرف الحالة الحقيقية للجيوش العربية المتهالكة، فبنت خطة حرب حزيران/يونيو على هذا الأساس.

لكن الملك طلب ثمناً من أصدقائه الاسرائيليين، والثمن كان رأس المهدي بن بركة.

تفاصيل دور الموساد لم تعد سراً، فلقد رفض الاسرائيليون القيام بالعملية بأنفسهم، لكنهم لعبوا دوراً أساسياً في الإعداد اللوجستي على مستويي التخطيط والتنفيذ. فهم من لاحقوا بن بركة، وأعدوا خطة خطفه، وقدموا الأماكن التي احتجز فيها المناضل المغربي خلال التحقيق الذي قام به اوفقير ورجاله، ثم جهزوا أكياس الأسيد ونصحوا بدفنه في احدى الحدائق العامة، وغطوا الجريمة.

هكذا تمت احدى أكبر الجرائم السياسية في باريس.

إقرأوا أيضاً:

جريمة وحشية تصلح أن تكون رواية بوليسية، فاستدراج بن بركة إلى كمين “ليب”، تم بحجة صناعة فيلم عن حركات التحرر تكتبه الروائية الفرنسية مارغريت دوراس ويخرجه جورج فرانجو. وقد لعب المنتج جورج فيشون، الذي عثر عليه مقتولاَ بعد أسبوع من نشر مذكراته، دور صانع المصيدة. 

كما أنها جريمة قائمة على تبادل المصالح، وعلى التكامل الوظيفي.

 فالعلاقة التي تأسست في عملية “ياخين”، لم تنقطع منذ 1961، وأخذت أشكالاً متعددة، من التمهيد لزيارة السادات للقدس، وصولاً إلى اقامة علاقات مع اسرائيل عام 1992 التي انتهت شكليا عام 2000، لكنها استمرت ولم تنقطع. 

هذه المعطيات تشير إلى الحقيقة التي أغمضت النخب عينيها عنها وتجاهلتها وأدخلتها في نظام النسيان، ولم ترها.

والحقيقة الساطعة تقول ان التطبيع التتبيعي بدأ بجريمتين كبريين:

الجريمة الأولى هي جريمة “تصدير” و/أو بيع اليهود العرب للدولة الصهيونية، وهي جريمة كبرى بحق فلسطين واليهود والمجتمعات العربية، التي فقدت جزءا من شعبها وحيويتها وتنوعها الاجتماعي والثقافي. فاليهود العرب طردوا من أوطانهم الأصلية بفعل عمل مشترك ومنسق بين اسرائيل والحكام العرب. اسرائيل ربحت كل شيء، أما الحكام العرب، فالتقطوا بقايا المائدة، وكانوا بذلك يحمون سلطتهم. ان فهم هذا الأداء العربي المشين يحتاج إلى قراءة متأنية لأداء “ملوك الطوائف” الجدد، الذين دمروا المنطقة وسلموها للعنصرية الاسرائيلية.

الجريمة الثانية هي اغتيال بن بركة. هذا الاغتيال ليس مجرد تفصيل، انه تجسيد لجوهر المشروع الصهيوني، الذي وجد في المستبدين العرب، كما سبق له وأن وجد في عنصريي جنوب افريقيا حلفاءه.

اغتيال قامة سياسية ونضالية وفكرية بحجم بن بركة، كان مؤشرا على وجهة السياسة الاسرائيلية في المنطقة، وهي معاداة كل تغيير ودعم الاستبداد، وقتل المناضلين.

عندما قرأت خبر الاتفاق المغربي- الاسرائيلي، تراءى لي وجهان مغربيان:

الروائي ادمون عمران المالح، الصديق النبيل، الذي جعل من انتمائه اليهودي جزءا من هويته المغربية، وكان قلبه ينبض بحب فلسطين.

والمناضل ابراهيم السرفاتي، الذي قضى أعواما طويلة في سجون الملك المغربي، والذي تعلمتُ منه أن الصهيونية تكره اليهود وتحتقرهم وتريدهم وقوداً في مشروعها الكولونيالي.

مع صورتي المالح وسرفاتي رأيت بن بركة شهيدا، وأكتشفت أن هذا المناضل المغربي الكبير كان الشهيد الأول لتحالف الاستبداد- الاحتلال، الذي يعربد اليوم نازعا أقنعته، ومعلنا أن الاستبداد لم ولن يكون سوى أحد ادوات المشروع الكولونيالي الإسرائيلي.

بن بركة هو شهيد المغرب بمقدار ما هو شهيد فلسطين وشهيد قضية الحرية في الوطن العربي وفي العالم.  

إقرأوا أيضاً:



الفيديوهات الـ 10 الأكثر مشاهدة خلال الـ-2020

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
مرت سنة.لم تعلن نتائج التحقيق ولم يحاكم مسؤول واحد، وأهل الضحايا والناجون عالقون بذكرى لحظة العصف المرعب والغبار الأحمر الذي قوّض حياتهم إلى الأبد.
Play Video
مرت سنة على جريمة انفجار مرفأ بيروت. لم تعلن نتائج التحقيق ولم يحاكم ولا مسؤول واحد، وأهل الضحايا عالقون بذكرى اليوم المشؤوم. سبق أن نجا زعماء الحرب اللبنانية من ارتكاباتهم عبر قانون عفو عام أقروه عام 1990، فهل ينجو مرتكبي جريمة تفجير المرفأ؟ مسار العدالة اصطدم في الأشهر التي أعقبت الانفجار بتدخلات سياسية وطائفية، وتم رفع شعار “الحصانات” في وجه أي محاسبة. فيلم “النجاة الثانية” من إعداد ديانا مقلد وانتاج “درج” يعرض لبعض من يوميات وحكايات أهالي الضحايا والناجين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مافيا سياسية حاكمة تحاول النجاة من العدالة.

31:08

Play Video
‎في قطاع تحتدم فيه المنافسة، تحاول صحافة البيانات والتسويق أن تكون لها الأسبقية على الصحافة التقليدية، كيف بإمكان الصحافي أن يواكب الركب؟

56:10

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني