مخيم اللاجئين في المنية: حياة كاملة أُحرقت لـ”خلاف فردي”!

ديسمبر 28, 2020
"كان خروجنا من المخيم صعباً، لكن البحث عن مكان نلجأ إليه كان أصب". وجوه اللاجئين وحدها تقول الكثير، فيما أفواههم وألسنتهم صامتة.

“عريانين وبردانين وجوعانين”. عبارة اختصرت بها إحدى اللاجئات السوريات في مخيم المنية، شمال لبنان، حال السكان هناك بعد الاعتداء الذي تعرضوا له، وتمثل بإحراق المخيم بما فيها. 

بكلام قليل توجز ما حدث: “كنت جالسة مع أطفالي في الخيمة عندما سمعنا صوت طلقات رصاص. حاول الصغار الخروج لكنني منعتهم. لم أكترث لمعرفة ما يحدث فقد اعتقدت أن الأمر إشكال عابر، لكن فجأة بدأ الصراخ يطوّق المكان وألوان اللهب تُضيء الخيمة. احتضنت نَصر ابني الأصغر وخرجت كالمجنونة مع طفلي الآخرين من الخيمة، بدأت أركض لألاحق الفارين من دون أن أدري إلى أين أنا ذاهبة أو كيف سأخرج من المخيم مع أطفالي وإن كنا سننجو أصلاً”.  

صمتت السيدة قليلاً ولم تشأ أن تتابع الحكاية. ثم استدركت: “تشردنا مرة تانية. نحن مكتوب علينا التشرد بالحفافي والبساتين”. ثم انسحبت مرددة هذه العبارة. تقدمت نحو خيمتها التي تحوّلت رماداً وهي تمرر نظرها في كل اتجاه عساها تجد شيئاً سلِم من النار. رفعت من بين الركام إحدى الأواني الحديدية. مسحتها بيديها من الغبار والرماد. تفحصتها من كل الزوايا وكأنها تراها للمرة الأولى. أزاحت “صُرّة” من على كتفها وضعت ما وجدت فيها، ثم أعادتها إلى مكانها. خسرت كما غيرها من السوريين كل ما تملك وأبسطه. ثيابها وثياب أطفالها. مأكولاتهم وألعابهم. أوراقهم الثبوتية ومدخراتهم القليلة. ذكرياتهم التي كانو بدأو يألفونها لعلّهم يتناسون مآسي التهجير من سوريا. خسرت 76 عائلة سورية السقوف التي من شأنها أن تحميها في عزّ برد الشتاء على خلفية شجار بين شخصين اثنين! 

وعلى رغم تضارب الروايات، إلا أنه بحسب معلومات “درج”، أتى شخص من آل المير إلى المخيم في محلة بحنين – المنية وأراد شراء بعض الأغراض من دكان صغير فيه لكنه وجده مقفلاً، فأصر على صاحب الدكان على فتحه. وبعدما اشترى ما أراد وأثناء خروجه من المكان تعرض لإحدى الفتيات السوريات ما أثار حفيظة السوريين الذي أخرجوه من المخيم بالقوة. وما لبث أن تطور الإشكال بينهم إلى تضارب وإشهار سلاح، علماً أن هناك خلافات قديمة بينهم. فبحسب أبناء المخيم إن عدداً من السوريين يعملون مع الشاب من آل المير في قطاف الليمون ولهم بحوزته أجور لم يدفعها. بعد وقت على الإشكال عاد الشاب إلى المخيم ومعه عدد من أفراد عائلته (آل المير) الذين اعتدوا بالضرب على عدد من السوريين وأضرموا النار بالمخيم. 

أثناء اندلاع النار حاصر الشباب اللبنانيون منفذ المخيم الوحيد على الطريق الدولي (الأوتوستراد)، فلم يجد اللاجئون السوريون خياراً للنجاة بأرواحهم سوى القفز من على السور الاسمنتي الذي يلفّ المخيم. لم يجدوا في المكان سوى سلم خشبي واحد استعانوا به للفرار من ألسنة النار. احتشدوا في نقطة واحدة حيث وضعوا السلّم وتوالوا على الصعود عليه والقفز إلى الطرف الآخر، بينما الدخان الكثيف يخنق أنفاسهم وكل شيء يتحوّل رماداً أمام أعينهم. وعلى رغم هول ما عاينوه كان البحث عن مكان للمبيت أصعب ما حفلت به تلك الليلة وفق حسن، أحد الشباب اللاجئين الذي يعمل في خدمة توصيل النراجيل في أحد المقاهي في المنية. يقول: “كان خروجنا من المخيم صعباً، لكن البحث عن مكان نلجأ إليه كان أصعب. فعندما حاولنا اللجوء إلى مخيمات أخرى قريبة تم تهديدنا بإحراقها أيضاً بمن فيها، فخفنا أن نتسبب بإيذاء سوريين آمنين في مخيمات آخرى”. 

قضى الحريق المفتعل على قرابة 100 خيمة تألّف منها المكان. وعلى رغم احتشاد كثيرين على مدخله لمعاينة ما خلّفته النار، إلا أن الصمت كان أشد وطأة، فهول المشهد كان أوضح تعبير.

وجوه اللاجئين وحدها تقول الكثير، فيما أفواههم وألسنتهم صامتة. الأطفال مبعثرون في كل مكان يبحثون عما تبقى لهم من أمان. يحملون أكياساً ويجولون لإنقاذ ما يمكن من أغراض وأثاث وحتى طعام. وجوه أغلبهم شاحبة لا سيما من عاين منهم ما حدث وشعر بأن الاستقواء عليهم وتهديدهم بالموت بات مثل “شربة المي”. وإذ استنكر أبناء المنية والجوار ما حدث وأعلنوا تضامنهم الكامل مع اللاجئين السوريين، يبقى الأكيد أن هذا النوع من الاعتداءات قد يتكرر في ظل اشتداد الأزمة الاقتصادية الخانقة في لبنان واستمرار البعض بنشر خطاب الكراهية والتحريض وسط غياب أي نوع من المحاسبة.  

وبحسب الناشط المدني في منطقة المنية محمد الدهيبي، “ما حدث لا يعبر عن أخلاق أبناء المنطقة بل يجب حصره في إطار الإشكال الفردي والمطالبة بإجراء تحقيقات في الحادثة ومعاقبة الجناة”، مؤكداً أن “أبناء المنية فتحوا أبواب منازلهم لاستقبال العائلات التي نجت من الحريق”. ولفت إلى مساع لتأمين احتياجات العائلات المتضرّرة من مواد غذائية وفرشات للنوم وبطانيات وأدوية وثياب وحليب وحفاضات للأطفال، “بعدما التهمت النيران أبسط مقوّمات حياتهم”. 

وفي السياق، يشير المتحدث باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين السوريين في شمال لبنان، خالد كبارة إلى أن “الحريق قضى على المخيم بشكل كامل بسبب وجود مواد سريعة الاشتعال وقوارير غاز انفجرت تباعاً بمجرد ملامستها النار”، مؤكداً أن “المفوضية ستبحث في إمكان إعادة إعمار المخيم أو دمج العائلات في مخيمات أخرى، لكن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت”، لافتاً إلى أن “المفوضية بالشراكة مع جهات محلية تواصلت مع العائلات المتضررة فور وقوع الحريق لتقديم المساعدات بصورة عاجلة”. 

في المقابل، كانت قيادة الجيش اللبناني كشفت في بيان عن توقيف دورية من مديرية المخابرات في بلدة بحنين– المنية، مواطنين لبنانيين اثنين، وستة سوريين على خلفية ما وقع في البلدة بين شبان لبنانيين وعمال سوريين، والذي تطوّر إلى إطلاق نار في الهواء من قبل اللبنانيين، قبل قيامهم بإحراق خيام النازحين السوريين.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ليلى محمود
جميع الأهالي لا يملون من انتظار أبنائهم الغائبين، بينما تزداد أعداد المختفين قسراً يوماً بعد يوم.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني