عام “البيجاما”

من لم يقتله الوباء، قد يموت جوعاً أو يأساً أو يموت من كثرة الوحدة. الوحدة جوع أيضاً. الوحدة تقتل إن شاءت.

حدث عام 2020 أن جلس كل واحد مع عزلته في غرفة واحدة. وهناك شربا الشاي من كوبين اثنين، منعاً لانتقال العدوى. كان واحدنا يخاف حتى من نفسه، من الجدران التي تطوّقها، وتلك التي لا تفعل. حدث عام 2020 أن قررت الاشتراك في “نتفلكس” وتمضية أمسيات طويلة هناك، بثياب النوم وكؤوس الكحول و”النقرشات”. كان هذا، آخر ما قد أنتظره من نفسي، أنا التي تحبّ الفوضى والتسكّع والعودة في آخر الليل، ثمّ القراءة حتى الصلاة والنوم.  

هكذا بكل تلك العبثية جلسنا كل واحد في عتمته، وصرنا نحسّ الأشياء ذاتها، الشوق إلى عناق مثلاً، الحاجة إلى الرقص في ملهى، الرغبة الجامحة في زيارة أحدهم، أو تقبيل شخص ما أو رؤيته على الأقل. ثم فُرضت علينا عتمة أخرى، أتت من باب الحزن يوم قضى أبرياء في انفجار بيروت، وأرغب كثيراً في تسميته “تفجيراً” هذه المرّة. أحدهم فجّر مدينة حزينة اسمها بيروت، وجعلها تبكي دماً. فجّرها بإهماله وجشعه وإجرامه وقلبه الميت. ثمّ ها هو ينسلّ إلى ملف التحقيق ليمنع ظهور الحقيقة. وهذه عتمة إضافية تمكن زيادتها إلى عام استثنائي من حيث كثرة السواد والغرائب.

يسألني أصدقائي عن مشاريعي لليلة رأس السنة. لكنني في العمق لا أملك القوّة لأنزع عني “البيجاما” التي اخترتها لعطلة آخر هذا العام. إنها مسألة شاقة حقاً.

هل ستعود الحياة كما كانت؟ هل ستفتح قهوتي من جديد؟ هل سأكتب فيها مرةً أخيرة على الأقل؟ أرغب كثيراً بوداعها وشكرها. طاولتي، هل بيعت؟ هل انكسر قلبها لحظة “التفجير”؟ 

أفكّر في أنّ “السوشيل ميديا” قبل “كورونا” كانت سبباً لينعزل كل واحد مع هاتفه، مع غربائه، وصورهم وأخبارهم وجنونهم. لكنّ العزلة مع “كورونا” لم تعد خياراً. لقد أجبرنا الوباء على العزلة التي كانت بدأتها وسائل التواصل الاجتماعي، فتحوّل الهاتف إلى سجن يحوي العالم كله، لكنّه يبقى سجناً.

إقرأوا أيضاً:

الآن يتحدّثون عن فصيلة أخرى من “كورونا” قد تكون أخطر. ويتحدّثون في لبنان عن رفع الدعم عن الدواء والخبز وتشديد أجهزة القمع والرقابة على أنفاسنا وصفحاتنا، ينذروننا بأنّ موتنا حاصل، إنما ستختلف الأسباب، فمن لم يقتله الوباء، قد يموت جوعاً أو يأساً أو يموت من كثرة الوحدة. الوحدة جوع أيضاً. الوحدة تقتل إن شاءت. 

يسألني أصدقائي عن مشاريعي لليلة رأس السنة. لكنني في العمق لا أملك القوّة لأنزع عني “البيجاما” التي اخترتها لعطلة آخر هذا العام. إنها مسألة شاقة حقاً. ثمّ إنني أشعر بأنّ ثياب النوم التي أمضينا بها شهوراً لنحتمي من الفايروس، تستحق ألا ننزعها من أجل احتفال قد يجعلنا عرضة للعدوى والمرض. كما أنها قضية عاطفية، لقد سمح عام 2020 بأن نبني علاقات حميمة مع “بيجاماتنا”، مقابل تلاشي علاقات أخرى كنا نظنّها أكثر صلابة، لكنّ الخوف والوباء قتلاها أو هزّاها من الداخل. ومن يدري قد نحتاج إلى “بيجاماتنا” أكثر وأكثر عام 2021، علينا ألا نقسو عليها، وأن نعاملها برفق، ونغسلها بحنان، ونؤنسنها قدر المستطاع وألا نخونها ونتصرّف بجحود.

لقد حاربنا الوباء بثياب النوم، يا لبؤسنا وهشاشة “كورونا”!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
رامي الأمين – صحافي لبناني
لا يستطيع أي زائر أو مغادر لمطار بيروت إلّا أن يلاحظ ضعف التنظيم وتراجع الخدمات وتهالك البناء والبنية التحتية.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني