روح الله زم وجمال خاشقجي: عن ذعر الأنظمة وغضبها الأعمى!

العنف التي يترجمه النظامان السعودي والإيراني كلّ منهما على شعبه، لا يعكس إلا خوفهما وعجزهما عن الحكم من دون أدوات الرعب. شيء أشبه بالعنف المجاني الذي مارسه ستالين في عمليات عامي 1936 و1937 التطهيرية.

يبدو الخبر مشتِّتاً ومحيّراً.  يُفترض أن يكون ساخراً، بما أنه صادر عن موقع “الحدود” المعروف بأسلوب الـ”فايك نيوز”، لكنه يبدو في الآن عينه غاية في الواقعية. عنوانه لا يشي بشيء من السخرية. جدّي جداً وواقعي جداً: “الدروس المستفادة للسعودية من تجربة إيران باستدراج وخطف معارضيها بلا فضائح”. وفي داخل الخبر مقارنة بين استدراج  الصحافي الإيراني المعارض روح الله زم إلى العراق ثم خطفه وإعدامه في إيران، وبين استدراج الاستخبارات السعودية الصحافي السعودي جمال الخاشقجي وإعدامه وتقطيعه بمنشار في السفارة السعودية في تركيا بسبب معارضته ولي العهد محمد بن سلمان.

الخبر ساخر. لكنه حقيقي. بل قل إن الواقع هو الساخر بالمقارنة مع وقع الخبر نفسه. وهو يلعب على تناقضات، ليست في الواقع تناقضات. فالسعودية وإيران، تتعلّمان من بعضهما بعضاً الدروس في قمع المعارضين وتصفيتهم واستدراجهم إلى حتفهم. وغالباً حينما تقتل السعودية معارضاً تستنكر إيران، وحينما تقتل إيران معارضاً تستنكر السعودية. ويستمر القتل في كلا البلدين، بتهم لا تنتهي وتبدو أقرب إلى السخرية منها إلى الواقع. روح الله زمّ أعدم بعد استدراجه إلى العراق ومنها إلى طهران وأدين بـ17 تهمة. شخص واحد متهم بـ17 تهمة من بينها “التجسس ونشر أخبار كاذبة في الخارج وإهانة القيم الإسلامية والقائد الأعلى لإيران”. وهذه تهم صادرة عن محكمة إيرانية. في السعودية هناك محاكم أيضاً. وهناك سجون يقبع فيها معارضون ومعارضات. في تقرير خاص للجنة حماية الصحافيين CPJ، أتت السعودية في المرتبة الرابعة عالمياً في عدد الصحافيين المعتقلين من دون محاكمة بعد الصين وتركيا ومصر. في إيران، بحسب التقرير نفسه، كان 15 صحافياً قيد الاحتجاز في 1 كانون الأول/ ديسمبر، وقد أعدمت السلطات في 12 كانون الأول واحداً منهم، وهو روح الله زمّ، الذي كان يدير موقعاً إلكترونيا وقناة “أماد نيوز” على منصة تيليغرام، وعرف بنقده اللاذع للمسؤولين الإيرانيين، كما نشر مواعيد الاحتجاجات ومواقعها عام 2017. واعتُقل في العاصمة العراقية، بغداد، من قبل ميليشيات تابعة لايران، عبر استدراجه إلى العراق بعد ايهامه بأن المرجع السيد علي السيستاني يريد مقابلته، ثم اقتيد إلى المشنقة في إيران. السيستاني نفى في بيان بعد إعدام زمّ اي “علم أو صلة بقدوم السيد زم إلى العراق واعتقاله”، من دون أن يذكر البيان حتى خبر إعدام الصحافي المعارض، وطبعاً لم يسجل أي ادانة أو اعتراضاً على استدراج صحافي معارض لاعتقاله وتصفيته.  

استدراج زمّ يغري بمقارنة مع استدراج خاشقجي. لا “حدود” بين الأسلوبين، سوى أن الأسلوب الإيراني أذكى في “قوننة” الإعدام وتصويره على أنه قصاص على جرم أدين به الصحافي بعد محاكمة. ثلثا الصحافيين المودعين في السجون عالمياً عام 2020، بحسب تقرير لجنة حماية الصحافيين، متهمون بـ”جرائم مناهضة الدولة من قبيل الإرهاب أو الانضمام إلى جماعات محظورة”. وهذه تهم تشبه التهم التي أعدم زمّ بسببها. بوضوح يُبرز الحكم أنيابه على شكل ابتسامة: إذا قلت إن النظام الإيراني إرهابي، ستعدم، لإثبات أن النظام الإيراني غير إرهابي. وإذا قلت إن محمد بن سلمان متسلّط، سوف تقتل وتقطّع جثتك بالمنشار لإثبات أن محمد بن سلمان ليس متسلطاً.

بالمعادلة نفسها تعمل السعودية أيضاً. فيما كان محمد بن سلمان يقدّم نفسه على أنه ينقل السعودية من مكان إلى آخر على صعيد الحريات، استدرجت أجهزته الاستخبارية الخاشقجي إلى تركيا وقطّعته بالمنشار لانه كان يكتب مقالات ينتقد فيها السلوك المتسلّط لمحمد بن سلمان. في الآن عينه يتزامن السماح للمرأة السعودية بالقيادة والسفر من دون محرم، مع اعتقال صحافيات وناشطات في مجال حقوق المرأة، بينهن لجين الهذلول ونسيمة السادة وسمر بدوي ونوف عبد العزيز في ظروف احتجاز سيئة، لا تخلو من تعذيب وتحرّش وإيذاء نفسي وجسدي.

هذا العنف التي يترجمه النظامان السعودي والإيراني كلّ منهما على شعبه، لا يعكس إلا خوفهما وعجزهما عن الحكم من دون أدوات الرعب. شيء أشبه بالعنف المجاني الذي مارسه ستالين في عمليات عامي 1936 و1937 التطهيرية التي وصفها كل من جي آرش جيتي وأوليغ نوموف في كتابهما “الطريق إلى الإرهاب: ستالين والتدمير الذاتي للبولشفية”، بأنها لم تكن تستهدف أي اعداء: “كانت غضباً أعمى وذعراً. لم يعكس الأمر القدرة على التحكم بالحوادث بل عكس نوعاً من التسليم بأن النظام يفتقر إلى آليات تحكّم مضبوطة”. وهذا يصحّ تماماً على ممارسات النظامين السعودي والإيراني العنيفة ضد المعارضين وخصوصاً النشطاء والصحافيين: “إخفاق في التخطيط والسياسة معاً. ودليل فشل في الحكم بكل شيء ما عدا القوة”. مع الاعتذار طبعاً من ستالين على هذا التشبيه الظالم بحقّه!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

آية طنطاوي – صحافية مصرية
تشكل أجساد النساء الثائرات لحناً منفرداً في معزوفة موسيقية لم تتوقف بعد، وتجاور أمامي صورة مهسا أميني، وجوه ضحايا ثورة يناير وكل ثورات العالم في صورة تكتمل بها جداريات الثورة والحرية… وأصوات النساء.
Play Video
قارب موت لبناني يودي بحياة عشرات الضحايا من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين قبالة السواحل السورية، فقد انتشلت السلطات السورية جثامين عشرات الهاربين من عائلات كانوا على متن مركب هجرة غرق قبالة ساحل طرطوس، وتتواصل جهود البحث عن مفقودين بينهم نساء واطفال. المركب كان يحمل لبنانيين وسوريين وفلسطينيين. ما دلالات تلك المأساة التي تتفاقم في الأشهر الأخيرة. تعليق للصحافي حازم الأمين

4:10

Play Video
“خامنئي قاتل مهسا… إرحل”… بعد مقتل الشابة مهسا أميني على يد الشرطة بذريعة عدم التزامها بالحجاب القسري، توسّعت دائرة الاحتجاجات في مدن إيرانية وصدحت الأصوات المناهضة للنظام، إلا أن السلطات تُحاول قمعها عبر قطع الانترنت.

1:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني