fbpx

اللاجئون والصحّة النفسيّة… أزمات ما بعد الصدمة والشتات

"يُعتبَر الذهاب إلى عيادة نفسيّة في سوريا دلالة على الجنون". يأمل عبد العزيز بأن يصبح الحديث عن رعاية الصحّة العقليّة أكثر انفتاحاً، وخصوصاً في الشرق الأوسط، حيث يحتاج الناس إلى ذلك، في رأيه، أكثر من غيرهم.

“تصوّر كثيرون في مركز طالبي اللجوء أنّه لن يكون لنا شأن كبير في هذه الحياة. لم نكن سوى مجرّد أناس محطّمين في رأيهم”.

ربّما لو كان مركز طالبي اللجوء في هولندا على دراية بممارسات الرعاية المستنيرة للصدمات، لما احتاج عبد العزيز العلَمي، وهو شاب عشريني سوريّ، إلى بذل كلّ هذا الجهد لتجاهُل هذه الرسالة ومواصلة الثقة في قدراته.

بعد وصوله إلى هولندا طالباً اللجوء، حرص الشاب المتحمّس على تعلّم اللغة في أسرع وقت ممكن لزيادة فرص نجاحه في بلده المُضيف.

لكنّ الأمر لم يخلُ من الصعوبات.

يتذكّر ذلك قائلاً، “ظننت أنّ ثَمّة خطباً ما بي، لأنّني أعرف أنّ بإمكاني التعلّم بصورة أسرع”.

في ما بعد، ساعدته شهادته العلميّة على العمل الاجتماعيّ في إدراك أنّ وظائفه المعرفيّة كانت في الواقع تعاني من الضعف بفعل الصدمة. يُقصد بالوظائف المعرفيّة المهارات العقليّة التي تساعدنا على التركيز والتخطيط للمستقبل والتحكّم بدوافعنا وغيرها من العمليات المعرفيّة. يقول عبد العزيز، “كنت أعاني من مشكلات في تنظيم الوقت وتذكّر الأشياء والتخطيط للمستقبل”.

تعَدّ مشكلات الانتباه شائعة بين بعض مَن يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة. عندما يحاول دماغك البقاء على قيد الحياة، فإنّ استجابته تكون على هيئة حالة توتّر حادّة. فبدلاً من تقبُّل الأمور المستجدّة والانفتاح عليها، تصبح أكثر تأهُّباً وتتوق إلى الشعور بالسيطرة.

هيذر فوربس هي متخصّصة أميركيّة في العمل الاجتماعيّ، وتحديداً في مجالٍ ناشئ يعرف بـ”الرعاية المستنيرة للصدمات والتثقيف حولها”، ويهدف هذا العلم إلى تقديم ممارسات تعليميّة تراعي الحالة النفسيّة للذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، أو الذين عانوا من صدمات متواصلة، وهو ما يعرف باضطراب ما بعد الصدمة المعقّد.

تؤكّد فوربس أنّه “لكي يتسنّى للأطفال التعلّم، عليهم أن يكونوا في حالة توازن أو انضباط نفسيّ. ولا دخل لهم في هذا الأمر. لأنه شيء فيزيولوجيّ”.

إدراك أنّ ضعف الأداء الدراسيّ لدى الأطفال أو الشباب الذين يعانون من الصدمة ليس ناتجاً عن انعدام الإرادة يمكن أن يساعدنا على تجنّب الممارسات العقابيّة. يفاقم التأديب العقابيّ حالة التوتّر، وهذا تحديداً هو ما يقوِّض قدرتهم على التعلّم من الأساس.

إقرأوا أيضاً:

يقول يوسف خليفة الغفيلي، وهو باحث في قسم التعليم في جامعة أوكسفورد، ومتخصّص في الرعاية الاجتماعيّة للاجئين وتعليمهم، “ليست المشكلة أنّ الأطفال من اللاجئين وطالبي اللجوء يُحجِمون عن التعليم بإرادتهم، بل أنّ البيئة المحيطة بهم تُعيقهم إذا كانت غير آمنة أو غير متجاوبة أو لا تتعاطى مع الصدمات على نحو مناسب”.

في خطابها “قوّة التموّجات” خلال حديث تيد TED، تقول ريز غاردي، وهي لاجئة كرديّة ولدت في مخيم للاجئين في باكستان، حيث أمضت السنوات الـ8 الأولى من حياتها قبل أن تنتقل إلى نيوزيلندا، “أكثر ما أدهشني في نيوزيلندا هو الذهاب إلى المدرسة ورؤية مدى لطف المعلّمين. أربكني هذا، ففي باكستان كان الخوف عادة هو دافعي إلى التعلّم. كان المدرّسون يضربوننا بالعصي، وأتذكّر شدّي من ضفيرتي في أرجاء الفصل بعدما أخطأت في نطق كلمة. لذا اتّضح لي أنّني أستمتع كثيراً بالتعليم عندما لا أُرغَم عليه خوفاً من العقاب”.

واصلت ريز مسيرتها، وأسّست منظّمة غير ربحيّة لتعليم الشباب من أبناء اللاجئين، وأصبحت أوّل كرديّة تتخرّج من كلّيّة هارفارد للحقوق، وتحدّثت في الأمم المتّحدة، وربحت الكثير من الجوائز على عملها، وهي قاضية حاليّاً تتولى جرائم “داعش” ضد اليزيديين في كردستان العراق، وتحاضر في جامعة كردستان.

قامت ريز بكلّ ذلك مع أنّ مستشارها في المدرسة الثانويّة أخبرها أنّه لا ينبغي، واقعيّاً، لشخصٍ من خلفيّتها أن يفكّر في دراسة القانون.

يقول يوسف، “ببساطة، لا ينبغي أن يفقد المعلّمون الأمل في الأطفال من اللاجئين أو طالبي اللجوء بمجرّد وصولهم لأنّهم يرون أنّ أولئك الأطفال معرّضون للخطر أو سريعو التأثّر. الإيمان بأنّ الأطفال قادرون على التأقلم والتكيُّف والتحلّي بالمرونة، هو الخطوة الأولى لأيّ معلم ليكون مقدّمَ رعاية واعياً بتأثير الصدمات”.

“اتّضح لي أنّني أستمتع كثيراً بالتعليم عندما لا أُرغَم عليه خوفاً من العقاب”.

وكما يتّضح، فإنّ إبداء موقف متعاطف مع الشباب المصابين بصدمة نفسيّة هو من أفضل السبل لمساعدتهم على التغلّب على تلك المحنة. وهو مهمّ خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال، لأنّ الإهمال وسوء المعاملة قد يكون لهما أثر سلبيّ على تطوّر الدماغ لدى الأطفال.

تقول هيذر “ما أنادي به وأدافع عنه هو أنّ للفصول الدراسيّة دوراً في تطوير ثقافة أسريّة. فما الذي ترمز إليه الأسرة في نهاية المطاف؟ إنّها ترمز إلى الاستقرار والحبّ غير المشروط والقبول والدعم، ووجود الأسرة رهن بتوفير حاجات الأطفال، تماماً كما هو حال الفصول الدراسيّة التي تقوم من أجل تلبية حاجات الطلّاب، وليس العكس”.

في واقع الأمر، حين سألناه عن كيف وجد القوّة للاستمرار والتفاؤل حيال مستقبله، أشار عبد العزيز إلى التأثير الإيجابيّ لعلاقته بصديقته الهولنديّة في ذلك الوقت، قائلاً: “كانت أسرتها تقول دائماً إنّ كل الأمور ستكون على ما يُرام، وإنّ عليَّ الصبر والإيمان بقدراتي”.

ويأمل عبد العزيز بأن يصبح الحديث عن رعاية الصحّة العقليّة أكثر انفتاحاً، وخصوصاً في الشرق الأوسط، حيث يحتاج الناس إلى ذلك، في رأيه، أكثر من غيرهم، بسبب كلّ ما يحصل حولهم من أحداث.

بدأ اهتمام عبد العزيز بمجال علم النفس حين كان في سنّ المراهقة، إذ بدأ قراءة كتب في التحليل النفسيّ، وانبهر بها، ونمَت لديه رغبة في دراسة تلك الموضوعات في الجامعة. غير أنّ أبوَيه لم يدعما تلك الرغبة. يقول عن ذلك “يُعتبَر الذهاب إلى عيادة نفسيّة في سوريا دلالة على الجنون”. لذا فقليلون مَن يذهبون إلى الطبيب النفسيّ، وبالتالي ليس هناك طلب كبير على تلك المهنة.

وفي هولندا مرّ بتجربة مشابهة. يقول “لا بدّ أنّ شيئاً خارقاً قد وقع لتصبح زيارة الطبيب النفسيّ أمراً عاديّاً في هولندا”. لذا قرّر أن ينخرط في العمل الاجتماعيّ بدلاً من ذلك، فمن خلاله يمكنه الوصول إلى عدد أكبر من الناس، وخصوصاً اللاجئين.

ويضيف: “كنت أؤمن بعلم النفس، لذا أردت التخصّص فيه، لكنّني لا أعرف كثراً من اللاجئين الذين يرغبون في زيارة اختصاصيّ أو طبيب نفسيّ”.

ويأمل بأنْ يكون، بوصفه أحد أفراد العمل الاجتماعيّ، جسراً بين نظام تقديم الرعاية الهولنديّ وبين اللاجئين؛ قائلاً “دائماً ما كانت هناك حلقة مفقودة بين الطرفين”، مشيراً إلى الاختلافات اللغويّة والثقافيّة واختلاف التوقّعات من قِبَل الطرفين.

يُعدّ أفراد العمل الاجتماعيّ من أمثاله عنصراً مهمّاً في المساعدة على تخفيف ما يسمّيه يوسف صدمة ما بعد الهجرة. يميل الناس إلى التركيز على الصدمات التي تقع في الأوطان، وهي التي تدفع اللاجئين إلى الفرار، ولكنّهم ينسون تجربة إعادة التوطين في الدولة المضيفة، التي قد تكون هي نفسها ذات عواقب صادمة ومؤلمة.

ويوضح يوسف ذلك قائلاً: “صدمة ما بعد الهجرة هي تجربة مؤلمة يعيشها الطفل بُعيد وصوله إلى الدولة المضيفة. وتلك الصدمة تشمل التعرّض للعنف بعد الهجرة، كالتنمّر والمضايقات والتمييز، والتعرّض لسوء المعاملة أو الإهمال، والشعور بالقلق الشديد في فترة انتظار نتائج طلبِهم اللجوء أو طلبِ أحد أحبّائهم الذين سيصلون لاحقاً، وغيرها من أشكال الصدمات”.

ويضيف: “هذا هو سبب الأهمّيّة التي يحظى بها المعلّمون وأفراد العمل الاجتماعيّ وطواقم الرعاية الصحّيّة والصحّة العقليّة، لذلك يستحقّون الدعم. فهذه الطواقم تعمل في الخطوط الأماميّة خلال التعامُل مع اللاجئين وطالبي اللجوء من الأطفال، وهم الأبطال والجنود المجهولون في أزمة اللاجئين. وإلى جانب الآباء أو الأوصياء على الأطفال، يعمل هؤلاء من أجل إقامة بيئة حسّاسة تجاه الصدمات وآمِنة وداعمة للأطفال، وكأشخاص كبار أهل للثقة وذوي اهتمام، فإنّهم يلعبون دوراً مهمّاً في تشجيع قدرات التعلّم لدى الطفل وفي التغلّب على التجارب السلبيّة لمرحلة الطفولة”.

وتخلص هيذر إلى القول إنّها تأمل ألّا ينظر الناس إلى علم الرعاية المستنيرة للصدمات الناشئ بوصفه نهجاً قصير المدى، قائلةً: “أحياناً يقول البعض إنّها مجرّد موضة عابرة. لكنّها ليست كذلك، فليس الحبّ موضة عابرة”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

Play Video
عشِق المسرح والحرية ولُقّب بـ”رمز الانتفاضة”… من هو زكريا الزبيدي أحد الأربعة الذين عاودت إسرائيل اعتقالهم بعد الهرب من سجن جلبوع؟

2:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني