fbpx

أطفال مناطق النزاعات تحت صدمات الحرب وكورونا… نازحون منسيون في سوريا واليمن

في دول مثل اليمن وسوريا ولبنان، تعيش على وقع نزاعات وصراعات واضطرابات متواصلة منذ سنوات تظهر تبعاتها وتأثيراتها بشكل أكبر في الفئات الضعيفة مثل النازحين والمهمشين والأطفال، إذ أدى انتشار كوفيد19 إلى تفاقم احتياجات السكان فيهما بشكل عام والنازحين بشكل خاص من المياه والنظافة الصحية والغذاء، التحقيق التالي يرصد معاناة الأطفال النازحين في هذه المناطق المضطربة.

    تداوم رقية (12 سنة)، ظهر كل يوم على انتظار الطالبات القادمات من مدرسة سقطرى للبنات، الواقعة بالقرب من مخيم للنازحين في منطقة عصر غرب صنعاء، تستوقف رقية الطالبات لتصفح كتبهن المدرسية والنظر إلى زيّهن الخاص بالدراسة، الذي تعجز عن لبس مثله، فارتداء هذا الزي الأخضر يتطلب الذهاب إلى المدرسة، وهي لا تستطيع الذهاب إلى المدرسة رغم قربها من مخيم النازحين الذي تقطنه مع أسرتها، وتكتفي فقط بالنظر إليها، والوقوف أمام خيمتها لانتظار خروج الطالبات نهاية كل يوم دراسي.

    تقول رقية: “أريد أن أدرس وأتعلم، وأكون مثل هؤلاء البنات اللاتي “يجزعين” من هنا كل يوم، ومنذ توقفي عن الدراسة قبل سنتين عندما كنت بالصف الثاني، وأنا أنتظر لحظة العودة إليها”.

    حلمها الصغير أن تعود للمدرسة وتتعلم، تطلعاتها في الحياة أن تمسك بالقلم وتكتب دروسها، أملها أن تتجنب الإصابة بالأمراض وفيروس كوفيد-19، وأن تنطفئ نار الحرب وتعود لمنزلها، حيث تتوفر لهم لقمة العيش.

    بحثت رقية كثيرًا عن زي مدرسي، لتعيش أمل العودة مرة أخرى للدراسة، وبعد جهد واسع استطاعت إحدى الأسر في منطقة قريبة من المخيم توفير “بالطوه” لونه قريب من الزي المدرسي الذي ترتديه طالبات التعليم الأساسي في اليمن، ومنذ أن حصلت عليه وهي ترتديه ولا يفارقها -كما تؤكد- إلا نادرًا حتى لغسله؛ لأن سكان هذا المخيم لا يغسلون ملابسهم إلا نادرًا؛ بالكاد يحصلون على الماء الذي يشربونه، وسط تردٍّ معيشي مزري وخدمات غائبة، جعلت هذا المخيم عرضة للأمراض والأوبئة والفيروسات مثل كوفيد-19، الذي لا يعلمون شيئًا عنه. لا يفرق الأمر معهم في حياة تبطش بهم من كافة الاتجاهات، ولا تفارقهم الأمراض والفيروسات التي لا يدركون نوعها ولا يستطيعون مواجهتها أو مكافحتها، وقد فقدوا عددًا من الضحايا على إثرها.

أوضاع مأساوية

    في مخيم منسي خارج صنعاء بالقرب من منطقة يسكنها “المهمشون”، تكدست عشرات الأسر النازحة من الحرب -جلهم من محافظة الحديدة- داخل مجموعة من الخيم في وضع مأساوي يعكس ما فعله النزاع -الذي دخل عامه السادس- باليمنيين الذين وجدوا أنفسهم في معمعة التشرد والنزوح والضياع. موقع المخيم بالقرب من “محوى” للمهمشين يعطي  دلالة واضحة على عزل النازحين وتهميشهم. “لقد أهانتنا الحرب وبهذلتنا ووضعتنا في عالم المجهول”، يقول عبدالكريم حسن، أحد النازحين ونائب المشرف على المخيم الذي يضم أكثر من 60 خيمة، كل واحدة تحتوي على نحو أسرتين، لا يقل عدد أفراد الأسرة الواحدة عن عشرة أفراد، مؤكدًا أنه يتابع قدر استطاعته أوضاع سكان المخيم القادمين من الحديدة.

نجاة، والدة رقية، على مشارف الخمسين من عمرها، تكابد في هذا السن حياة شاقة، معظمها حمل وولادة وتشرد ونزوح وفيروس كورونا كما تقول، إن الغذاء يشكل أكبر همومهم كون أسرتها فقيرة، ويحصلون على بعض المساعدات من المنظمات وفاعلي الخير، تشير إلى احد أطفالها (7 سنوات) المصاب بمرض القلب ولا يستطيعون علاجه أو توفير الرعاية المناسبة له

   تُمثل بعض الأحياء في مدينة صنعاء، عاصمة اليمن، موطنًا لمجتمع المهمشين، حيث لا يمتلك العديد من سكان هذه المجتمعات أعمالًا ثابتة، وكل ما يجنيه العامل منهم غالبًا يقل عن 40 دولارًا أمريكيًّا في الشهر الواحد.

    ولا يزال مستوى ضعفهم آخذًا في التفاقم بفعل طول أمد النزاع وما ترتب عن ذلك من أزمة اقتصادية، ومع انعدام مصدر ثابت للمياه، وعدم قدرتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

    في المخيم الذي يطل على هذه المنطقة التي يقطنها “المهمشين”، كانت هناك صهاريج خاصة بالماء قدمتها “اليونيسف”، وفي مدخل المنطقة نهاية سور مدرسة سقطرى، كانت تقف شاحنة عليها صهريج ماء “وايت”، وحولها عشرات من الأطفال والنساء ينتظرون أدوارهم لأخذ حصتهم الضئيلة من الماء، لكن بالنسبة لنائب مشرف هذا المخيم، فإن هناك ما هو أهم من الماء بالنسبة لهم كنازحين؛ الحياة التي فقدوها بسبب الحرب والنزوح.

   في خيمة أسرة رقية هناك ما لا يقل عن 14 فردًا؛ أم رقية ووالدها، وسبعة إخوة. رقية هي الثامنة، بالإضافة إلى أشقاء والدتها الستة، وهو ما يجعلهم عرضة للإصابة بالأمراض والأوبئة كفيروس كوفيد-19، إذ لا خيارات متاحة أمامهم لتطبيق إجراءات الوقاية؛ التباعد الاجتماعي مثلًا. نزحت أسرة رقية من منطقة الميناء بالحديدة قبل نحو عامين؛ بسبب المواجهات العسكرية الضارية التي دارت في المنطقة الساحلية غربي اليمن بين القوات التابعة لجماعة أنصار الله (الحوثيين) وفصائل عسكرية متعددة تابعة للحكومة المعترف بها دوليًّا، وبعد رحلة قاسية استقرت الأسرة مع مئات الأسر في هذا المخيم، الذي يفتقد أبسط الخدمات العامة، وتلفّه “جحيم حياة قاسية، لا تقوى عليها حتى الوحوش البرية في الغابات”، حسب تعبير نازحين في هذا المخيم.

    اضطُر والد الطفلة اليمنية رقية، منذ انتقاله إلى هذا المخيم إلى العمل كعامل نظافة في أحد المستشفيات في صنعاء، وقد حصل على هذه الوظيفة بعد عناء. قبل اقتلاعه وأسرته من بيته وحياته بسبب الحرب، كان يعمل في ميناء الحديدة وكانت حياته إلى حد ما مستقرة وفق نمط حياتهم الذي تكيفوا عليه، حد تعبيره.

    نجاة، والدة رقية، على مشارف الخمسين من عمرها، تكابد في هذا السن حياة شاقة، معظمها حمل وولادة وتشرد ونزوح وفيروس كورونا كما تقول، إن الغذاء يشكل أكبر همومهم كون أسرتها فقيرة، ويحصلون على بعض المساعدات من المنظمات وفاعلي الخير، تضيف.

    تشير إلى أحد أطفالها (عمر 8 سنوات)، وهو مصاب بمرض القلب، وتقول بأنه لم يتسنَ لهم علاجه نظرًا لظروفهم المعيشية الصعبة وعدم امتلاكهم لتكاليف علاجه، ويضاعف انتشار وباء كوفيد-19، منسوب القلق لديهم على طفلهم في ظل انعدام أبسط الإمكانيات الصحية للوقاية من هذا الفيروس، وانعكست معاناة الطفل من هذا المرض على حالته النفسية بشكل كبير، تضيف.

    مسؤول الاتصال والإعلام في مكتب اليونيسف بصنعاء كمال الوزيزة، يؤكد لـ”خيوط” أن المنظمة لا تعمل بشكل مباشر في إدارة مخيمات النازحين، ولكن تعمل مع بقية الشركاء من أجل تقديم خدمات مياه وصرف صحي مؤقتة، وكذا عيادات متنقلة لفحص وعلاج الأطفال. ويشير آخر تقرير للوضع الإنساني الصادر عن اليونيسف لشهر سبتمبر/ أيلول إلى أن هنالك 1.71 مليون طفل نازح في اليمن، من بين 4 ملايين نازح في البلاد بسبب الحرب والصراع الدائر.

    وتظل التقديرات الخاصة بمدى انتشار فيروس كوفيد-19 في اليمن على الأرجح دون الواقع، بسبب عدم توفر الإمكانيات الخاصة بإجراء الفحوصات، كما يتحدث تقرير لمنظمة يونيسف المعنية بالطفولة، حيث لا يتم فحص حالات فيروس كوفيد-19 الحرجة إلا في المحافظات الواقعة في مناطق جنوب اليمن. فيما لا يزال الوضع في المحافظات شمال البلاد غير واضح بسبب قلة توافر المعلومات. وقد بلغ حتى 31 أغسطس/ آب عدد حالات الإصابة بكوفيد-19 المؤكدة رسميًّا 1,983 حالة، نجم عنها 572 حالة وفاة، و1,197 حالة تعافٍ في اليمن، مع بلوغ معدل الوفيات 28,8% بين حالات الإصابة بالفيروس، مما يعني وفاة أكثر من ربع حالات الإصابة المؤكدة بين اليمنيين نتيجة الوباء، الذي يتجاوز خمسة أضعاف المتوسط العالمي.

استمرار الحرب يوسع المعاناة

    يصعب الغوص في تفاصيل حياة النازحين، ومعاناتهم التي بدت بلا نهاية، يقبعون في خيام تضيق بهم، ولا تمنع الشمسَ من أن تسلط أشعتها فوق رؤوسهم نهارًا، وليلًا يعيشون قسوة البرد، والأمراض تنتشر بينهم دون رصد لمؤشراتها، وقد تحدث بعضهم عن إصابتهم بأمراض أعراضها تشبه كثيرًا أعراض وباء كوفيد-19، لكن الوصول إلى الخدمات الصحية تمثل لهم تحديًّا كبيرًا، أحدها بُعد المشافي المتخصصة عنهم بمسافات شاسعة؛ الأمر الذي يؤدي إلى مضاعفة حالة المريض الصحية، خصوصًا الأطفال، حتى الوصول إلى مركز صحي، مثل مستشفى السبعين للأمومة والطفولة الحكومي، وهناك من تحدث من داخل هذا المخيم، الذي يعد الثالث له بعد تنقله بمخيمات تقع في مناطق نائية تتبع محافظتي صنعاء وعمران، عن فقدان مرضى للحياة في الطريق، من بينهم أطفال قبل إيصالهم إلى المستشفيات والمراكز الطبية العامة داخل المدن، وذلك لبعد المسافة بين هذه المخيمات والمراكز الصحية، وأيضًا لكون المراكز الطبية الخاصة لا تقبلهم وتعمل على إرسالهم إلى المستشفيات والمراكز الحكومية لعدم امتلاكهم للمال الذي يحتاجه الاستطباب في هذه المراكز الخاصة.

    في مركز رعاية الطفل في مستشفى السبعين العام للأمومة والطفولة في العاصمة اليمنية صنعاء، يقول الدكتور مصطفى درهم أخصائي طب الأطفال، إن الخدمات كانت شحيحة سابقًا؛ الأمر الذي جعلهم يواجهون صعوبة بالغة في التعامل مع الحالات المرضية التي تصلهم، خصوصًا من فئة الأطفال، لكن مؤخرًا كان هناك دور لمنظمة اليونيسف التي عملت على تجهيز مرافق وتوفير أجهزة ومعدات طبية وأدوية.

    يتحدث هذا الطبيب المختص عن النازحين، ويلفت إلى أن أكبر مشكلة يعاني منها النازحون في المخيمات البعيدة خارج المدينة وخصوصًا الأطفال، هي بعد المسافة بينهم وبين المرافق الطبية، التي تتطلب مشقة ومعاناة كبيرة للوصول إلى هذه المرافق، مثل مستشفى السبعين الذي يقع وسط العاصمة صنعاء.

    يتركز تأثير بعد المسافة بشكل بالغ على الأطفال النازحين الذين يتم تحويلهم إلى هذا المستشفى من مختلف المرافق الطبية الخاصة، التي تمتنع عن استقبالهم أو التعامل معهم، فالطفل المريض القادم من مخيم في أطراف صنعاء يظل وقتًا طويلًا حتى يصل للمرفق الطبي، وهو ما يؤثر عليه بشكل بالغ، وقد يؤدي -وفق تأكيد الدكتور مصطفى- إلى تدهور حالته الصحية ووفاته.

    وتصل المسافة بين أقرب مخيم للنازحين في أطراف صنعاء وهذا المرفق الطبي في حدود 10 كيلو مترات، إذ ترزح معظم الأسر في مخيمات النزوح تحت طائلة معاناة قاسية، نظرًا لوضعهم المادي الصعب وظروف الحياة التي أُجبروا عليها.

    يضيف هذا الطبيب قائلًا: “واجهنا عددًا من الحالات المماثلة، كالأطفال القادمين من مخيمات نازحين ويتوفون فور وصولهم؛ لأن حالتهم الصحية تكون قد تدهورت بسبب بعد المسافة، ووضعهم الصحي المتدهور أصلًا نتيجة افتقادهم لأدنى الخدمات العامة داخل المخيمات التي يسكنونها”. هذا الأمر ينطبق أيضًا على الذين يعانون من أعراض فيروس كوفيد-19، كما يتحدث طبيب آخر في المركز، لأن التأخير في الوصول إلى المرفق الطبي في الوقت المناسب، كما يقول: “إذا لم يؤدي إلى الوفاة، فإنه يتسبب بصدمات نفسية عميقة للطفل المريض ولأمه وأسرته”.

معاناة أطفال سوريا

    “كان معنا قبلًا منزل وأرض ومدرسة نذهب إليها ونعود “مبسوطين”، ولم ينقصنا شيء، بدأت الحرب فجأة، وأصبحنا ننزح من مكان إلى آخر حتى وصلنا إلى هذه الحالة. والدي عاجز ولا يقوى على العمل، وصرنا نعمل أنا وأمي في حاويات القمامة، نجمع قناني البيبسي والنايلون، حتى نجمع قيمة ربطة خبز”.

هنالك أكثر من 1500 مخيم من المخيمات العشوائية على الحدود السورية التركية، العشرات منها في محيط مدينة سرمدا الواقعة شمال غربي مدينة إدلب، يعيش فيها أكثر من مليون و350 ألف فرد، وتستقبل هذه المخيمات بشكل دوري نازحين جدد قادمين من المناطق التي تشتد فيها المعارك

    هكذا بدأ حديثه الطفل إياد الحسن (13 سنة) من مدينة السنجار، الذي جردته الحرب المشتعلة في سوريا منذ 10 سنوات، من حياته الطبيعية وراح هو وعائلته يكابد المرّ في رحلة النزوح التي بدا وكأن لا نهاية لها. يقول إياد: “وأنا أجمع القناني، أشاهد الأطفال الذاهبين إلى المدرسة وآسَفُ لحالي؛ كنتُ قبلًا أدرس وحلمي أن أكون معلمًا، والآن أصبح أكبر أحلامي أن أجد علبة بيبسي”.

    إياد يعيش في أسرة مكونة من 9 أفراد؛ 7 أطفال، أكبرهم إياد، وأم وأب. تقول السيدة حسناء والدة إياد، في العام 2017: “تم قصف مدينتنا “السنجار”، فنزحنا إلى مدينة جرجناز، وتم قصفها هي الأخرى، فتوجهنا إلى إدلب، ومنها إلى السرمدا واستأجرنا فيها قطعة أرض وبنينا فيها خيمتنا”.

هنالك أكثر من 1500 مخيم من المخيمات العشوائية على الحدود السورية التركية، العشرات منها في محيط مدينة سرمدا الواقعة شمال غربي مدينة إدلب، يعيش فيها أكثر من مليون و350 ألف فرد، وتستقبل هذه المخيمات بشكل دوري نازحين جدد قادمين من المناطق التي تشتد فيها المعارك.

    مخيم “سنجار كهربا” حيث يعيش إياد وأسرته، ويقع قرب مدينة سرمدا، وتسكنه 440 عائلة.

تفتقر هذه المخيمات -للنازحين داخليًّا أو خارجيًّا- لخدمات كثيرة، أبرزها الخدمات الطبية والصحية، وقد تفاقم الوضع بعد انتشار فيروس كوفيد-19، الذي تم إعلانه وباء عالميًّا من قبل منظمة الصحة العالمية في 11 مارس/ آذار 2020، بعد سرعة تفشيه في العالم والعجز عن مكافحته.

    ووفقًا للأمم المتحدة، يعيش ما لا يقل عن 55% من اللاجئين السوريين في جميع أنحاء المنطقة في فقر مدقع قبل ظهور كوفيد-19. وبعد تفشي الجائحة، ارتفعت هذه النسبة إلى 75%، ويشار إلى أن ما يقرب من 90% من هؤلاء اللاجئين والنازحين يعيشون في بلدان فقيرة ذات مرافق صحية ضعيفة.

    وبحسب الإحصاءات الأخيرة للمجلس النرويجي، فإنه قد بلغ عدد النازحين داخليًّا من السوريين، 6495000 نازح/ة في العام 2019، ونسبة الأطفال منهم تقدر بـ41% من إجمالي العدد.

    يؤكد المجلس النرويجي في أحد تقاريره على أن اللاجئين والنازحين داخليًّا يعتبرون من بين أكثر الفئات عرضة للعواقب المباشرة وغير المباشرة لهذا الوباء العالمي. يعيش الملايين في ظروف مزدحمة، غالبًا في مخيمات أو أماكن شبيهة بالمخيمات، حيث يكون التباعد الاجتماعي الموصى به مستحيلًا. كان الوصول إلى الرعاية الصحية الكافية والاحتياجات الأساسية بما في ذلك الصابون والماء محدودًا في المواقع قبل فترة طويلة من تفشي Covid-19، لذا فإن ممارسة النظافة الجيدة، وفقًا لإرشادات منظمة الصحة العالمية، هي أيضًا مهمة مستحيلة.

    “سمعنا عن مرض الكورونا من الهواتف والعالم، نحن نخرج لجمع النايلون من الحاويات، وأنا أخاف كثيرًا أن أصاب أو أحد أفراد أسرتي بالكورونا، وليس هنالك أحد يساعدنا، ونضطر يوميًّا للخروج وجمع جبال من النايلون؛ حتى نتمكن من الحصول على أكل”. هكذا قال لنا الطفل إياد، الذي لم يعفِه صغر سنه من القلق بشأن الإصابة بوباء كوفيد-19، الذي يرجح أن يعود بموجة كبيرة ربما تكون أعنف من السابقة، نظرًا للأوضاع السيئة التي يعيش فيها، وأجبرته على نسيان طفولته أمام الهموم المتجددة معه بشكل يومي.

    حسناء والدة إياد تقول إن أطفالها كانوا يخرجون للعب مع الأطفال من الخيام الثانية، ولكن بعد انتشار كوفيد-19 “أخاف عليهم كثيرًا وأضطر إلى حبسهم داخل الخيمة، ولكننا مضطرون للخروج مرغمين على الخروج يوميًّا لنعود بشيء يؤكل، وأتمنى ألَّا يصيب هذا المرض أحدنا”.

    وتضيف حسناء: “لم يأتِ أحد من المنظمات لدعمنا بأقنعة وجه، أو معقمات، أو مواد تنظيف؛ للوقاية من هذا المرض، نحن مرغمون على العيش في هذا المخيم، وإن لم يكن صالحًا للعيش، ولم يبادر حتى أحد من المنظمات على توعيتنا. نحن نستخدم حمامات مشتركة في المخيم، وندخل ونخرج بشكل يومي للبحث عن لقمة عيش، رغم خوفي الكبير على أبنائي وأهلي من الإصابة”.

يعيش ما لا يقل عن 55% من اللاجئين السوريين في جميع أنحاء المنطقة في فقر مدقع قبل ظهور كوفيد-19.

    الدكتور أحمد العثمان – طبيب مقيم في الطب النفسي، من سرمدا شمال غرب سوريا، يؤكد لـ”خيوط” بأن كوفيد-19 أدى إلى تغيرات كبيرة حول العالم، ومع ارتفاع نسب الإصابة في شمال سوريا بين مخيمات المهجرين على طول الحدود، التي تفتقد الخدمات الأساسية، كان تأثير الوباء على الأطفال بشكل خاص، رغم نجاة الأطفال إلى حد كبير من أشد أعراض المرض حدة، إلا أن حياتهم انقلبت رأسًا على عقب، فمع بداية الجائحة توقفت المدارس وصعب الوصول على طلاب المخيمات إلى وسائل التعلم عن بعد، وكذا التواصل بقدر محدود مع المعلمين والأصدقاء، وهذا أشعرهم بالقلق على مستقبلهم؛ فالتعلم عن بعد غير متاح للجميع، لعدم المقدرة على دفع تكاليف الإنترنت نتيجة الفقر وعدم توفر غرفة هادئة، مستقلة تساعد على التركيز.

    زادت الاضطرابات النفسية لدى الأطفال بعد تفشي الجائحة، القلق العام والخوف من المجهول أو اللاشيء وأيضًا الاكتئاب، الضغط النفسي والكبت نتيجة الحرص الشديد الذي فرضه الآباء عليهم بعد المرض، يضيف الدكتور العثماني.

تبعات انفجار بيروت

    لا يختلف وضع البلدان العربية عن بعضها بعضًا، فهي جميعها تتشارك التوترات السياسية، الاقتصادية والاجتماعية.

    بيروت عاصمة عربية أخرى تشهد حدثًا مفزعًا وغير متوقع، حدث ذلك عند انفجار مرفأ بيروت، الذي وُصف بأنه “بيروتشيما” تشبيهًا بما جرى لمدينة هيروشيما جراء الانفجار النووي يوم الثلاثاء 4 أغسطس/ آب 2020، الذي نجمت عنه خسائر كثيرة في الأرواح والممتلكات.

    تترك كل هذه المستجدات المفاجئة والكبيرة أثرها في الإنسان، ويعد الأطفال من الفئات الهشة المعرضة للصدمة بشكل أكبر، كون عملية التفسير والتحليل لديهم غير مجابة على الأقل في ذات اللحظات التي تقع فيها مثل هذه الكوارث.

    المواطنة اللبنانية أليسا ترحيني أخت رضا (7 سنوات)، تحكي لنا عن الصدمة التي تعرض لها رضا، وكيف صعّب كوفيد-19 من تجاوزه هذه المحنة، بل كان سببًا إضافيًّا لارتفاع نسبة القلق لديه، تقول أليسا التي قررت وصف وضع أخيها لصعوبة الحديث معه مباشرة عن الحدث: “بعد الحجر المنزلي الذي فُرض علينا بسبب كوفيد-19، كان رضا يشعر بأن هنالك شيئًا قد تغير في روتين حياته، وأصبح حاد الطباع ومتقلب المزاج”.

    تضيف: “عندما حدث الانفجار الذي كان قريبًا جدًّا منا، كنا أنا ورضا فقط في المنزل، لم يكن صوت الانفجار الأول قويًّا؛ استغربنا ما حدث ولكن لم نتوقع أن الأمر أكثر فداحة”.

    تتابع: “عندما سمعنا انفجار الصوت الثاني واهتز البيت نتيجة للضغط، الذي أدى إلى تكسر زجاجات النوافذ قام رضا بالهرب والاختباء تحت السرير، كان يظن أنه زلزال أو قصف، ويعلم أنه بهذه الحالات يجب علينا أن نختبئ بمكان مماثل، حاول أن يطلع لاحقًا من مكانه، ولكن كان الزجاج منثورًا على أرضية الغرفة فلم يستطع، وقف مكانه ونظر نحوي، لم يبكِ أو يقوم بأي رد فعل، رغم أني كنت أبكي”.

في تقييم سريع للاحتياجات، أجرته اليونيسف وشركاؤها، جرى بين 10 و17 أغسطس/ آب، أفاد نصف المجيبين بأن الأطفال في أماكن سكنهم يظهرون تغيرات في السلوك، أو علامات الصدمة، أو الإجهاد الشديد، عقب انفجارات مرفأ بيروت. يمكن أن تشمل هذه السلوكيات والأعراض: القلق الشديد، والهدوء أو الانزواء عن الأهل والعائلة، والكوابيس، ومشاكل النوم، والسلوك العدواني

    لم يعبر رضا عن خوفه رغم أن الهلع كان واضحًا عليه، وفق حديث أليسا، التي تقول: “شعرت بأنه انصدم، مسكت يده وأخذته إلى غرفة الصالون، ولم أعرف ما العمل لكنني كنت واعية بأن كبته لمشاعره وعدم تعبيره عنها، قد يتسبب بأذى له على المدى القريب والبعيد، وفور وصول أهلي للمنزل بكى، واستمر بالسؤال عما حدث، وإذا ما كان بالإمكان أن يتكرر مستقبلًا”.

    وكانت منظمة اليونيسف قد أعلنت عن حاجة الأطفال والعائلات المتضررة من الانفجارات التي اجتاحت بيروت، إلى دعم حاسم من أجل إعادة بناء حياتهم.

    يرتكز هذا الدعم الأساسي الذي حددته اليونيسف، على توفير المساعدة النفسية-الاجتماعية للأطفال والعائلات المتضررة، للسماح لهم بمعالجة الصدمات التي تعرضوا لها خلال وبعد الانفجارات.

    المنظمة الأممية استهدفت 33000 شخص احتاجوا لمجموعة من التدخلات النفسية-الاجتماعية، من بينهم 7200 طفل، وأولياء الأمور ومقدمي الرعاية الأولية، وذلك من خلال خلق مساحات صديقة للأطفال تمّ إنشاؤها في المناطق المتضررة، بالإضافة الى جلسات دعم الأقران. ومع ذلك، يبقى عدد الأطفال والأهل ومقدمي الرعاية الذين ما زالوا بحاجة إلى الدعم كبيرًا جدًّا.

    وفي تقييم سريع للاحتياجات، أجرته اليونيسف وشركاؤها، جرى بين 10 و17 أغسطس/ آب، أفاد نصف المجيبين بأن الأطفال في أماكن سكنهم يظهرون تغيرات في السلوك، أو علامات الصدمة، أو الإجهاد الشديد، عقب انفجارات مرفأ بيروت. يمكن أن تشمل هذه السلوكيات والأعراض: القلق الشديد، والهدوء أو الانزواء عن الأهل والعائلة، والكوابيس، ومشاكل النوم، والسلوك العدواني. كما أبلغ ثلث المجيبين عن أعراض سلبية لدى البالغين.

88%

من الأطفال النازحين واللاجئين يعانون من توتر ناجم عن جائحة فيروس كورونا

    تشير اللبنانية أليسا إلى نقطة مهمة في هذا الجانب عن رضا، الذي لم يكن يتجاوب -وفق حديثها- مع “محاولاتنا في دعمه وإعادته إلى نمط حياته الطبيعية”، إذ قلّ أكله كثيرًا وكذلك نومه بعد الحادثة، وما فاقم الوضع هو التباعد الاجتماعي الذي منعه من التواصل مع أصدقائه بالمدرسة أو أبناء عمومته، رغم محاولات جعلهم يأتون إليه ويباتون معه قدر الإمكان.

    كان الطفل اللبناني رضا يستغرب موضوع “الكورونا”؛ إذ إنه يعرف أن نزلة البرد مرض عادي يمكن معالجته سريعًا، وليس بهذه الخطورة، وبدأ يلتزم ويركز كثيرًا على بعض التفاصيل، كلبس قناع الوجه والتعقيم المستمر.

    لهذه الأحداث تأثير مباشر على صحة الأطفال النفسية إذ إن أطفال النازحين مصابون بذعر إزاء هذا الوباء الذي ينتشر بسرعة، ولا يعرفون كيف السبيل إلى مواجهته بإمكانيات أسرهم التي تكاد تكون منعدمة. حيث بلغت نسب ارتفاع قلقهم بحسب دراسة قام بها المجلس النرويجي للاجئين في كل من سوريا واليمن والعراق والأردن، فإن 88% من الأطفال النازحين واللاجئين يعانون من توتر ناجم عن جائحة فيروس كورونا وأن 75% من هؤلاء الأطفال يخشون الإصابة بالمرض. كما أن نسبة الخوف من إصابة شخص يحبونه بالمرض تقدر بـ48%. كما توصلت الدراسة أن أعلى نسبة ارتفاع لمستويات التوتر عند الأطفال النازحين كانت في اليمن بنسبة 65% مقارنة بمستويات التوتر في فترة ما قبل انتشار الوباء.

الفئات الضعيفة والفيروس

    أدى انتشار فيروس كورونا، وفق تقرير صادر عن قطاع الدراسات والتوقعات الاقتصادية في وزارة التخطيط والتعاون الدولي في اليمن بالتعاون مع اليونيسف، إلى تفاقم احتياجات السكان في اليمن بشكل عام والنازحين بشكل خاص، من المياه والنظافة الصحية، وبالتالي زيادة الضغط على الاحتياجات الخدمية والسلعية من المياه والأدوية والمواد الغذائية، وكذا أدوات النظافة الصحية والمعقمات، إذ تعد الفئات الأكثر فقرًا والمهمشة الأكثر عرضة بشكل خاص للمخاطر.

    وفق التقرير، تشمل عوامل التأثير تزايد احتياجات الأسر من المياه لأغراض النظافة للوقاية من فيروس كورونا ويؤدي شح المياه، حيث يوجد 55% من السكان لا يستطيعون الوصول إلى مصادر مياه محسنة، وتزداد المخاوف من تداعيات ارتفاع أسعار المياه المنقولة بالشاحنات، التي كانت مرتفعة بنسبة 50%، ونشوء مخاطر، إذ إن 60% من الأسر تقضي أكثر من 30 دقيقة وتقطع مسافات أكبر لجمع المياه. كما أن 75% من الأسر بالذات الفئات الضعيفة، مثل الأسر القاطنة في مخيمات النازحين، لا يستطيعون تحمل تكلفة الصابون، مع تزايد الاحتياجات لدى هذه الأسر في مواجهة تفشي كوفيد-19.

    الباحثة الاجتماعية اليمنية د. سمية قاسم، تؤكد أن تهديدات فيروس كورونا تضاف إلى عديد من العوامل التي فرضتها الحروب والنزاعات والاضطرابات، والتي تشكل أهمية كبيرة لتلبية احتياجات المساعدات الشاملة لإغاثة الأسر والأطفال، خصوصًا النازحين، الذين تم اقتلاعهم من جذروهم وحياتهم ووضعهم في عالم الضياع والمعاناة. إذ تحتاج هذه الفئات الضعيفة من السكان -وفق حديث هذه الباحثة الاجتماعية- للحماية من حياة النزوح والتشرد، ومن خطر الأمراض وسوء التغذية المرتبطة بالمياه والصرف الصحي لتتمكن من مقاومة معاناتها وصدمات أطفالها النفسية والوقاية من الأوبئة والفيروسات في مخيمات النزوح، التي لا يعدو كثير منها عن كونها مراكز اعتقال جماعية أكثر من كونها مخيمات نازحين.

55%

من السكان لا يستطيعون الوصول إلى مصادر مياه محسنة

    وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن هناك 816 ألفًا من النازحين داخليًّا في اليمن، و113,350 لاجئًا وطالب لجوء سيتم تقييمهم من خلال آليات رصد الحماية خلال العام 2020، ونحو 160 ألفًا من النازحين داخليًّا سيحصلون على الدعم النفسي والاجتماعي، فيما 124 ألف سيحصلون على مساعدة نقدية خاصة بالحماية، إضافة إلى تلقي الناجين من العنف الجنسي والنوع القائم على نوع الجنس، وتم تقديرهم بنحو 300 سوف يتلقون الرعاية الطبية اللازمة، بما في ذلك 200 شخص ممن سيتلقون مساعدة قانونية، وسيتم تسجيلهم في الأنشطة المدرة للدخل، وحوالي 40 ألفًا من أسر النازحين سوف تتلقى مساعدة خاصة بالإيجار.

    فيما يؤكد المجلس النرويجي في أحدث تقاريره، أن اللاجئين والنازحين داخليًّا يعتبرون من بين أكثر الفئات عرضة للعواقب المباشرة وغير المباشرة لهذا الوباء العالمي. يعيش الملايين في ظروف مزدحمة، غالبًا في مخيمات أو أماكن شبيهة بالمخيمات حيث يكون التباعد الاجتماعي الموصى به مستحيلًا. كان الوصول إلى الرعاية الصحية الكافية والاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الصابون والماء، محدودًا في تلك المواقع قبل فترة طويلة من تفشي Covid-19؛ لذا فإن ممارسة النظافة الجيدة، وفقًا لإرشادات منظمة الصحة العالمية، هي أيضًا مهمة مستحيلة.

أُنجز هذا التحقيق بدعم من منظمة دعم الإعلام الدولي (IMS) وبالتعاون مع مؤسّسة “روزنة” للاعلام ومنصّة “خيوط” اليمنيّة

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
ما حصل في باب شرقي في بغداد هو عملية مركبة شاركت فيها خلية بأكملها تحضيراً وتخطيطاً وتنفيذاً، وتصبح هذه الحقيقة مخيفة حين نردها إلى حقيقة استيقاظ التنظيم في البادية السورية وتنفيذه عمليات مركبة أيضاً…
Play Video
أصبحت النساء في شمال شرقي سوريا مجبرات على التعامل مع قانونين للأحوال المدنية صكّتهما جهتان، النظام السوري والإدارة الذاتية، حيث تتشاركان السيطرة لكنهما لا تعترفان ببعضهما بعضاً وهو ما يزيد من تعقيدات حياة النساء والسكان عموماً في هذه المناطق، لجهة الحصول على المعاملات الرسمية، وبالتحديد معاملات الأحوال الشخصية والزواج والطلاق، والإرث، وتسجيل المواليد.

3:01

Play Video
كثيرة هي الأمراض التي تسببها المياه الملوثة في محافظة الديوانية خاصة في مواسم الجفاف، فواحدة من قرى المدينة الفقيرة تعرض أطفالها للإصابة بداء الفقاع الذي أرهق ساكنيها

5:04

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني