في تونس… تعددت مبادرات الحوار وغاب المتحاورون

مبادرات الحوار ستبقى بلا متحاورين في ظل وجود أغلبية برلمانية تخشى أن يعيد هذا الحوار ترتيب المشهد بصيغة تفقدها الانتصار الذين حققته، أكثر من خوفها من انهيار البلاد.

في ظل الأزمة السياسية والاجتماعية الخانقة التي تعيش على وقعها تونس، تتسابق الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، لطرح مبادرات وطنية لإنقاذ البلاد. هي مقترحات بأشكال وجهات مختلفة، إنما متقاربة الأهداف والغايات، التي هي أساساً تنظيم حوار وطني يساهم في الخروج من الوضع الراهن. ولكن يبدو أن مبادرات الحوار المتعددة ستبقى من دون متحاورين، في ظل الانقسامات الكبيرة بين مختلف الأطراف الفاعلين على الساحة السياسية.

فعلى رغم ثقل “الاتحاد العام التونسي للشغل”، إلا أن مبادرته لا تزال تنتظر حسم رئاسة الجمهورية وموافقة الأحزاب. ولا يبدو أن “هيئة المحامين التونسيين” ستنجح في اختراق المشهد المعقد في البلاد. أما مبادرة حزبي “التيار الديموقراطي” و”الشعب”، فلا أفق لنجاحها، ومن غير المرجح أن يكون مصير مساعي الأحزاب اليسارية التي انهزمت في الانتخابات الأخيرة أفضل. ولا يبدو أن تجربة الحوار الوطني السابقة والناجحة التي شهدتها البلاد عام 2013 ستجد طريقها مجدداً لاعتبارات عدة.

أولاً، قامت في تلك الفترة أربع منظمات وطنية مستقلة (الاتحاد العام التونسي للشغل، الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين والرابطة التونسية لحقوق الإنسان)، برعاية حوار وطني أوصل الفرقاء السياسيين إلى توافق سياسي جنّب البلاد الانزلاق في الفوضى، لا سيما بعد اغتيال اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي في العام ذاته. أما مبادرات الحوار المطروحة اليوم فتقف وراءها أطراف سياسية على خلاف مع الأحزاب الحاكمة، ومنظمات فقدت حيادها بعد انخراطها في العمل السياسي.​

ثانياً، لم تعد خافية على أحد، مستويات الانقسام الكبيرة على الساحة السياسية التونسية اليوم، التي تقلل من فرص انعقاد الحوار ونجاحه. فبمجرد تتبع خطابات الفاعلين السياسيين الكبار يتضح المنطق الإقصائي لهذا الطرف أو ذلك، على رغم إدراكهم عمق الأزمة في البلاد، والتي تتطلب تقارب وجهات النظر أكثر من أي وقت مضى. الرئيس قيس سعيد، الذي تعول عليه أطراف عدة للإشراف على الحوار، لا يتردد في كل مرة في الحديث عن المتآمرين والخونة والمهددين لأمن الدولة في رسائل ضمنية موجهة أساساً إلى “حركة النهضة”. كما كرر أن الحوار لن يُجرى مع الفاسدين في إشارة إلى “حزب قلب تونس”، الذي يتزعمه نبيل القروي المتهم بالتهرب الضريبي وتبييض الأموال، وربما يضاف إلى قائمة الرئيس “ائتلاف الكرامة” الذي يعاجم نوابه سعيد بأساليب سوقية أثارت الكثير من النقد والجدل. أي أنه من الصعب أن يكون الطرف المحايد في أي حوار وهو يعادي الحزام السياسي لرئيس الحكومة الحالي هشام المشيشي. وهذا الأمر ينطبق على حزبي “التيار الديموقراطي” و”الشعب”.

​في الأثناء، تتشبث “حركة النهضة” بتشريك حليفيها (ائتلاف الكرامة وقلب تونس) خوفاً من أن تدخل الحوار وحيدة من دون سند قوي، تضمن أن يبارك آلياً ما تقدمه من اقتراحات خلال مراحل الحوار المنتظر. أما “الحزب الحر الدستوري” بقيادة عبير موسي فقد جدد عدم المشاركة في الحوار الذي وصفته موسي بأنه عملية تجميل للمنظومة الهدامة ومحاولة إنقاذها وكررت رفضها القاطع الجلوس مع الإسلامين (حركة النهضة وائتلاف الكرامة).

أما “الاتحاد العام التونسي للشغل”، فعلى رغم ثقله كأكبر منظمة نقابية في البلاد ودوره في إنجاح الحوار الذي أنقذ البلاد من السقوط في الفوضى عام 2013، إلا أنه لم يعد محل اتفاق الجميع. فالاتحاد تجاوز دوره الاجتماعي وأصبح شريكاً في العملية السياسية وبات خصماً معلناً لأحزاب الإسلام السياسي أي “حركة النهضة” و”ائتلاف الكرامة”. وبالتالي فإن إمكان أن يتولى الاتحاد قيادة أي حوار جامع سيكون في غاية الصعوبة، لا سيما أنه أعلن منذ البداية دعمه الرئيس قيس سعيد المعادي هو الآخر لهذه الأحزاب، على رغم أهمية مبادرته.

“ما زال الفاعلون في المشهد السياسي التونسي يواصلون المناورة متجاهلين خطورة الوضع ولا يرون ضرورة للحوار”.

يرى الناشط السياسي عدنان منصر أن “مبادرة اتحاد الشغل هي الأبرز بين المبادرات المطروحة لكنها تأتي في ظروف غير ملائمة لتجسيدها على خلاف ما حدث عام 2013. ففي تلك الفترة أدرك الجميع أن الوضع لم يعد يحتمل، فاضطروا للجلوس على طاولة الحوار، لكن اليوم وعلى رغم الأزمة الكبيرة التي تمر بها البلاد، ما زال الفاعلون في المشهد السياسي التونسي يواصلون المناورة متجاهلين خطورة الوضع ولا يرون ضرورة للحوار”.

يقول منصر لـ”درج”: “نظرياً مبادرة اتحاد الشغل هي الأكثر جدية واكتمالاً لتركيزها على الجانب السياسي والاقتصادي الاجتماعي. لكن العائق الكبير لتجسيد هذه المبادرة هو طبيعة تفاعل رئيس الجمهورية معها. إذ يبدو أنه غير واثق من أنها ستصل إلى نتائج إيجابية في حال دخول الجميع في هذا الحوار. كما يبدو أن سعيد لا يقبل مبادرة الاتحاد بالشاكلة التي عليها، فهو يريده حواراً من دون “ائتلاف الكرامة” ولا “قلب تونس” و”الحزب الحر الستوري”، وهي أحزاب تمثل جزءاً مهماً من المشهد السياسي وبخاصة في البرلمان. وهذا ما يعيه سعيد الذي يدرك أن استثناء هؤلاء قد يفشل الحوار، وفي الوقت ذاته، فهو غير قادر على رسم رؤية واضحة للخروج من هذا المأزق، وهذا ما يجعل شروط نجاح مبادرة اتحاد الشغل ضعيفة لأنها تتكئ أساساً على رئيس الجمهورية”.

من جهة أخرى، يرى منصر أن “مبادرة الاتحاد على أهميتها، إلا أنها تواجه عوائق أخرى مرتبطة بالأطراف السياسية الفاعلة التي تتعامل مع ما يحدث كأمر واقع، من دون أن تولي أهمية لما يقتضيه الظرف الراهن من خيارات جدية. فالحكومة تريد ترسيخ وجودها وشرعيتها بالقول إن المبادرة لا بد أن تكون في يدها، ومعظم نواب البرلمان ورئيسه يريدون جلب الحوار إلى المجلس لإقرار التوجهات الحالية التي تستجيب بشكل أو بآخر لتطلعاتهم”.

وكان الاتحاد العام التونسي للشغل قد تقدم في 1 كانون الأول/ ديسمبر بمبادرة إلى الرئيس قيس سعيد قال إنها تهدف لإنقاذ تونس من أزمتها وإخراج البلاد من الوضع الدقيق الذي تمر به. وتضمنت المبادرة محاور أساسية متعلقة بالمجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومن أهم بنودها السياسية، إرساء هيئة حكماء من مختلف الاختصاصات تقودها شخصيات وطنية مستقلة تعمل تحت إشراف رئيس الجمهورية، وتوكل إليها مهمة إدارة الحوار وتقريب وجهات النظر بين أطراف المبادرة.

كما تطرقت في جانبها السياسي إلى تعديل نظام الحكم الحالي والقانون الانتخابي، بما يحقق تماسك الحياة السياسية، ومراجعة قانوني الأحزاب والجمعيات وإرساء المحكمة الدستورية المعطلة منذ سنوات، بعيداً من المحاصصة الحزبية، فضلاً عن تقييم تجربة الحكم المحلي. وشددت المبادرة على تحييد المرفق القضائي وإصلاحه، دفاعاً عن استقلاليته وتحقيقاً للعدل.

اقتصادياً، دعا اتحاد الشغل إلى تدقيق المالية العمومية والوقوف على حقيقة الوضع والتدقيق في أوضاع المؤسسات العمومية وإصلاحها ودعمها والقيام بالإصلاحات الجبائية المستعجلة وغيرها من المقترحات.

أما في الجانب الاجتماعي، فركزت المبادرة على معالجة ظواهر ارتفاع نسب الفقر والبطالة والتزايد الكبير في معدلات التسرب المدرسي وتوسع رقعة الفئات الهشة وتزايد حالات الانتحار والهجرة غير النظامية وتنامي الجريمة.

وكرر الاتحاد نداءاته إلى رئيس الجمهورية للمسارعة بالرد على المبادرة، لكن الأخير ما زال يلتزم الصمت، على رغم ترحيبه سابقاً بالمبادرة. وبدأ صمت سعيد يثير استياء الاتحاد الذي أعرب عن قلقه من هذا التعاطي وتوجهه نحو البحث عن مخارج أخرى لإنقاذ البلاد.

ويجري الاتحاد لقاءات واتصالات مع مختلف الفاعلين في الساحة من أحزاب ومنظمات وجهات اقتصادية لحشد مؤيدين لمبادرته التي يعتبرها الأفضل لتجاوز الأزمة الكبيرة التي تواجهها تونس.​

وتشهد تونس أزمة اقتصادية خانقة لم تعش مثلها منذ الاستقلال، إذ تتوقع الحكومة أن يبلغ عجز الميزانية 14 في المئة من إجمالي الناتج المحلي عام 2020 وهي نسبة تعد الأعلى منذ عقود.

وليس اتحاد الشغل الوحيد الذي طرح مبادرة للحوار وليس الأول أيضاً، ففي تشرين الأول/ أكتوبر تقدم حزبا “التيار الديموقراطي” و”حركة الشعب”، بمبادرة تهدف إلى عقد حوار وطني تحت إشراف الرئيس قيس سعيد لبحث الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. على أن يضم مختلف القوى السياسية ومؤسسات الدولة والهيئات الدستورية ومنظمات المجتمع المدني والخبراء.

ترمي المبادرة إلى تعديل المنظومة الانتخابية برمتها من بينها القانون الانتخابي وقانون الأحزاب وملف التمويل وشركات سبر الآراء وغيرها من الملفات.

ومن النقاط الكبرى لهذه المبادرة، البحث عن خطة جديدة للتنمية وإدماج الاقتصاد الموازي في الاقتصاد الرسمي، في ظل فشل مسار التنمية الحالي في معالجة الأزمات المتتالية، وسن قوانين جديدة للاستثمار، وفتح ملف الاقتصاد الريعي بهدف وضع حد لاحتكار بعض العائلات النافذة لمعظم القطاعات الاق­تصادية.

أما على المستوى السياسي، فترمي المبادرة إلى تعديل المنظومة الانتخابية برمتها من بينها القانون الانتخابي وقانون الأحزاب وملف التمويل وشركات سبر الآراء وغيرها من الملفات.

ولكن المبادرة تلاشت تدريجاً، فعلى رغم ثناء قيس سعيد عليها، إلا أنه لم يعلن موقفاً رسمياً بشأنها سواء الرفض أو القبول، هذا إلى جانب غياب الأرضية الملائمة لبلورتها في ظل الانقسامات الحادة بين الحزبين و”حركة النهضة” و”ائتلاف الكرامة” و”قلب تونس” و”الحزب الحر الدستوري.​

وأعلنت الهيئة الوطنية للمحامين، الخميس 10 كانون الأول 2020، إطلاق مبادرة وطنية لإنقاذ البلاد من الأزمة الحالية، بمشاركة منظمات وطنية ومكونات من المجتمع المدني.

وتتضمن المبادرة خارطة طريق تضمن البناء الدستوري للمؤسسات وإقرار الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الضرورية لتجاوز الأزمة الراهنة. وقد تم تكليف لجنة اتصال من بين أعضاء المجلس، تتولى التواصل مع المنظمات الوطنية والسلطات العمومية لضمان نجاح المبادرة بحسب بيان الهيئة. ولا مؤشرات حالياً تعكس تفاعل الأوساط السياسية والمجتمع المدني مع هذه المبادرة، على رغم أهمية هذه المنظمة التي كانت ضمن رباعي الحوار الوطني الحائز جائزة نوبل للسلام.​

وفي الأثناء سارعت تشكيلة من الأحزاب اليسارية والقومية التونسية التي انهزمت في الانتخابات الأخيرة للإعلان عن مبادرة وطنية لتصحيح مسار الثورة.​

“شغل، حرية، كرامة وطنية”

وتتكون المبادرة من أحزاب ومنظمات وشخصيات وطنية، “حركة تونس إلى الأمام”، “حزب العمال”، “حزب القطب”، “حركة البعث”، “حزب الوطد الاشتراكي الموحد”، “الاتحاد العام لطلبة تونس”، “اتحاد المعطلين عن العمل”. وتدعو إلى إسقاط منظومة الحكم الحالية واستبدالها بأخرى، وطنية، تقدمية، ذات برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي يستجيب لمطالب الشعب ولأهداف الثورة وشعار: “شغل، حرية، كرامة وطنية”.

ومن المرجح ألا تجد هذه المبادرة التجاوب الذي ترمي إليه لأنها تصدر عن أحزاب فشلت في تطوير خطابها الذي لم يتغير منذ عقود. ولم تقدم برامج إصلاح عملية إلى التونسيين تكون بديلاً فعلياً عن النموذج الموجود عدا اجترار الخطب المعارضة والمطالبة بإسقاط النظام في كل مرة. هذا فضلاً عن عجزها عن تغيير آليات تواصلها مع المواطنين التي ظلت نخبوية ولم تصل إلى غالبية الشعب.

ومن المتوقع أن تشهد البلاد مبادرات أخرى تصدر عن هذه الجهة وتلك في خطوة تعكس عمق الانقسامات في البلاد وصعوبة إيجاد طرف قادر على جمع الفرقاء على طاولة واحدة والحوار بهدوء وعقلانية، من أجل إنقاذ البلاد من أزمتها الراهنة.​

ويعلق عدنان منصر على ذلك بالقول، “لقد بات الجلوس للحوار ضرورياً في تونس اليوم، ولكن الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي وبخاصة الأحزاب التي لم تستوعب ذلك ولم تصل بعد إلى المرحلة التي تلغي فيها تحفظاتها وتجلس للحوار. ولهذا نجد هذا الكم من المبادرات التي تفتقر لشروط النجاح ونرى الجميع يتسابقون، ليكون أصحاب المبادرة والمشرفين على الحوار، خوفاً من نيات الآخرين. وهذا ما جعل المبادرات تقدم في سياق غير ناضج لا يؤدي إلى حوار مثمر وحلول حقيقية”.

وخلاصة القول إن مبادرات الحوار ستبقى بلا متحاورين في ظل وجود أغلبية برلمانية تخشى أن يعيد هذا الحوار ترتيب المشهد بصيغة تفقدها الانتصار الذين حققته، أكثر من خوفها من انهيار البلاد، وحكومة تخشى الخروج من دائرة الحكم أكثر من خشيتها على مصير التنمية والمواطن، ورئيس جمهورية يلتزم الصمت خوفاً من التورط في حوار يفقده مكانته بين الشعب.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني