fbpx

في يوم اللغة العربية… أنقذوها من شرطة النحو والتنميط!

أنا لا أدعو إلى إحراق تاريخ أحد، ولا إلى إتلاف كتب النحو والصرف وجنودها الأوفياء، لكنني أتمنّى للغة في عيدها بعض الحرية والتجدّد، أتمنّى أن يُسمح لها بالتبسّم أمام تعبير جميل، وإن ورد فيه خطأ.

ماذا يحصل إذا قلتَ “حُنجرة” بدل “حَنجرة”؟ ماذا يحدث إذا كتبت في معرض نصٍّ ما “حِنكة” بدل “حُنكة”؟ حسناً وماذا يتغيّر في شكل الأرض ولون البحر والغيمة إذا انتفض كاتبٌ ما وقرر الانحياز إلى النساء واستخدام “عضوة” بدل عضو، وإشهارها كسلاح في مواجهة عالم يعمل على قمع علامات التأنيث وتطويقها، وليست التاء المقصورة سوى وسيلة من وسائل كثيرة تستهدف النساء، وأيضاً اللغة بمفهومها المعاصر والقابل للتطوّر؟

ماذا يحدث؟ لا شيء على الإطلاق. في أسوأ الأحوال، قد يلعنك فقيه متشدد ما، أو قد يدخل أحد اللغويين شديدي الحساسية إلى مجموعة خاصة أسسها هو وأصدقاؤه اللغويون المتزمتون، وهناك سيعلنون أنك فشلتَ في امتحان اللغة. 

وكأنّ مفهوم اللغة عند هؤلاء ضيّق حتى التسبب في موتها. اللغة في مفهومهم “قل ولا تقُل”، “صواب وخطأ” وأخطاء شائعة وقصاصات إقصائية ينزلونها بلا رحمة على رؤوس مرتكبيها، علماً أن بعض تلك الأخطاء، هو أجمل ما في اللغة. ربّما أرادت تلك اللغة بث تعقيدات كثيرة في تفاصيلها وزواياها، لتدفعنا إلى ارتكاب أخطاء جميلة. ليست كل الأخطاء في مرتبة واحدة، ليست كل الأخطاء قبيحة. لكنّ رفع اللغة إلى مصاف القداسة، جعلها غير قادرة على التواطؤ معنا والمجازفة في سبيل نصٍّ مختلف، ينحاز إلى الجمالية قبل النحو وقبل سيباويه وصحبه.

وإن كانت كتابة “كمّامة” بدل “كِمامة” لن تُحدِث شيئاً مهماً، فبزوغ أجيال من كارهي لغتهم وما تحمله من ثقافات وتنوّع وغنى، ليس حدثاً عادياً، وليس أمراً يمكن أن نمرّ عليه بلا توقّف طويل. وكره اللغة العربية أو الامتعاض منها في عيون كثيرين، له أسباب لا جدوى من مواربتها. إنها لغة صعبة بالنسبة إليهم. لماذا؟ لأن تعليم اللغة وترسيخها في الأذهان، يبدأ من مكان قد يسبب شرخاً أبدياً بين طفل في الخامسة ولغته. إننا نبدأ بتقديم اللغة كمادّة سمجة، علينا الالتزام بقواعدها وإلا… إننا نقدّمها كقصاص أبديّ لا هروب منه، فيمضي المتعلّم حياته هارباً من نفسه، من حقيقته، من لغته، باحثاً عن وجهه في لغات وثقافات أخرى.

ما زال البحث في تطوير اللغة وقواعدها وغير من المسائل التي تتناولها الأبحاث العلمية، خاضعاً لسلطة فقهاء الماضي، ورأيهم في فصاحة كلمة ما أو صواب قاعدة ما. وبالتالي إننا في حال سعينا إلى تطوير اللغة أو الاشتغال عليها، فإننا نفعل ذلك وفق قوانين وضعها فقهاء ماتوا منذ أكثر من ألف سنة، كانت ظروفهم وحاجاتهم ونفعيتهم من اللغة، كلّها مختلفة. نريد إدخال التكنولوجيا إلى اللغة أو إدخال اللغة في عصر التكنولوجيا، إنما من باب عصور لم تكن تعرف لا الكهرباء ولا الهواتف ولا الحاسوب.

ما زال الوقوف أمام كلمات مثل “نائبة” أو “قاضية” أو حنونة” يستغرق وقتاً ونقاشاً وآراء متباينة، في كتابة المواد الصحافية والأدبية أو في كتابة بيان أو قرار إداري في دولة عربية ما، وغالباً ما ينتهي النقاش إلى اختيار أهون الشرّين وكتابة “نائب” للدلالة على امرأة. فخطأ بحقّ الأنوثة وكيان النساء ونضالهم عبر السنوات، قابل للغفران، أما زيادة تاء مربوطة تتعارض بنظر البعض مع قواعد وضعها الأنباري أو سواه، فهذا خطأ لا يُغتفر. 

معلّمو اللغة، جزء وافر منهم، غير مستعدّ للبحث عن نص معاصر لطلّابه مثلاً،

أو طرح سؤال للتعبير الكتابي لا دخل له بيوم جميل في الجبل

ولا بفصل الربيع ولا حتى بحب الوطن.

ما زالت كتابة “التاء المربوطة” في آخر بعض الصفات والمراكز الاجتماعية، منوطة بعوائق، ليس مجمع اللغة أبرزها، بل عناصر شرطة اللغة الواقفون عند كل فاصلة ونقطة، وهم مستعدون للانقضاض على كل تحديث أو تغيير في عمق اللغة. وعناصر شرطة اللغة، يلاحقون الإنسان العربي أو الراغب بتعلّم العربية منذ البداية، يدأبون على جعل اللغة العربية شبيهة بمسائل الرياضيات المعقّدة، يستأصلون منها روحها ويحوّلونها إلى مجموعة قواعد صعبة، تؤدي بسهولة إلى جعل الفرد يكره اللغة، وينصرف إلى بذل جهوده في أماكن أخرى. وبدل أن تكون اللغة وسيلة يستخدمها الإنسان للتعبير عن أفكاره وحاجاته، يتحوّل سريعاً إلى خادم لهذه اللغة، يسعى طوال الوقت إلى إرضائها، ويخشى ارتكاب أخطاء.

معلّمو اللغة، جزء وافر منهم، غير مستعدّ للبحث عن نص معاصر لطلّابه مثلاً، أو طرح سؤال للتعبير الكتابي لا دخل له بيوم جميل في الجبل ولا بفصل الربيع ولا حتى بحب الوطن. إنه التسطيح، واستغباء المتعلّمين، وهذان سببان كافيان ليكره الواحد لغته كونها قُدّمت له بقالب لا يحترم عقله وذكاءه.

وعناصر الشرطة الذين ما زالوا كثراً، يمتهنون ملاحقة مستخدمي العربية طوال حياتهم، لتصحيح أخطائهم وتعقبها، ليبدوا بمظهر العالمين الفقهاء، وتبقى اللغة عصيّة على الناس العاديين، وكأنّ سرّها النبيل لم يعطَ للجميع.

في يوم اللغة العربية، لو عاد الأمر لي وأنا متخصصة باللغة والأدب، إضافة إلى الصحافة، لحذفت كتب القواعد ودروس الإعراب، ودسست مكانها نصوصاً وكتباً هائلة لا تدخل في معظم البرامج التعليمية العربية، إضافة إلى معلومات أهم ممّا إذا كانت “لا النافية للجنس” من جنس الملائكة أو البشر. لو عاد الأمر لي، لقدّمت ذلك وغيره راقصةً مغنية، لقدّمته بعيداً من علب السردين التي تحشر فيها الجمالية والكلمات. لو عاد الأمر لي لقدّمت اللغة قائلة: “إليكم راقصة فالس وزومبا، تتمرّن طوال الوقت من أجل عروضٍ أجمل، وتفعل ذلك بحب، ولا تُكرِه أحداً على حبّها، تكتفي بمواصلة فنّها، بعيداً من فكرة اللغة المنزلة التي لا يمكن تطويرها أو تغيير قواعدها أو فتح نافذة في داخلها من أجل عصفور بارد”. 

إدخال كلمة واحدة إلى معجم اللغة قد يستغرق دهراً، تموت خلاله الكلمة، ولا يعود من داعٍ لها. لو عاد الأمر لي، لمررت على عنترة بن شداد وعبلة كحدث عابر جداً، أو ربما ما كنت لأنتبه لوجودهما في هذا العالم أصلاً، وكنت اتّجهت مباشرةً إلى نجيب محفوظ وسعدي يوسف ونازك الملائكة، وبعدهم فتحت باباً واسعاً لمحمد ناصر الدين ودارين حوماني ومهدي منصور وعلي السقا، وهم شعراء وكتّاب من سنّي. أتوقّع أن ما يكتبونه يهمّ طالباً في الثامنة عشرة، أكثر مما قد تهمّه قصيدة جاهليّة، تبدأ بوقوف على أطلال الحبيبة ولا تنتهي إلا بالدماء والوغى (الحرب) والغنائم والافتخار بها. وأفيد للطالب أن يقرأ كتاباً أو نصاً معاصراً يتحدّث عن زمن يعرفه، قد يستخرج منه فكرةً أو شعوراً، بدل الانحياز إلى النصوص القديمة، التي تعجّ بالتناقضات والافتخار بالعنف والقتل، ومفهوم الحب الذي لم يعد يمتّ بصلة إلى أيامنا وقصص حبّنا. لو عاد الأمر لي أيضاً، لأكثرت من النصوص التي كتبتها نساء، تعويضاً عن قرون طويلة طُمس خلالها كل ما كتبته أقلام أنثوية، ولم يُقدّم إلينا سوى أدب قديم تفوح منه الوحشية والذكورية مقابل تمجيد العفّة والعذرية. 

أنا لا أدعو إلى إحراق تاريخ أحد، ولا إلى إتلاف كتب النحو والصرف وجنودها الأوفياء، لكنني أتمنّى للغة في عيدها بعض الحرية والتجدّد، أتمنّى أن يُسمح لها بالتبسّم أمام تعبير جميل، وإن ورد فيه خطأ. هناك أخطاء تُغتفر. الجمال يغفر الأخطاء. وأتمنّى أن يهدّئ عناصر شرطة النحو من روعهم، وهنا أقصد المتشدّدين أكثر مما ينبغي، وأن يضعوا المعاجم وكتب الفقه جانباً قليلاً، لعلّهم ينقذون اللغة قبل فوات الأوان.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يونس عيسى – صحافي عراقي
“بسبب فقدان الكثير من الأسر لمعيلها تلجأ للأطفال كبديل معتمد للعمل فضلاً عن استسهال أصحاب المهن لتشغيل الأطفال مقابل أجور زهيدة إذا ما قورنت بالشباب الأكبر عمراً والذين يطالبون بأجور أعلى”.
Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

Play Video
عشِق المسرح والحرية ولُقّب بـ”رمز الانتفاضة”… من هو زكريا الزبيدي أحد الأربعة الذين عاودت إسرائيل اعتقالهم بعد الهرب من سجن جلبوع؟

2:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني