fbpx

لبنان : تسجيل عشوائي لمتوفين ضمن لائحة “كورونا”

"حتى بالموت بدكم تتاجروا؟"... تطرح القصص التي رصدها التحقيق أسئلة حول استفادة مستشفيات من تسجيل وفيات ضمن لائحة "كورونا"، علماً أنهم قضوا لأسباب أخرى.

“غسلت جثة أختي بيديّ ورأيت بقعاً زرقاً على جسدها نتيجة التجلطات، لكن لولا المصادفة لما عرفت أن المستشفى سجّلها ضمن وفيات كورونا… هل وصلت بهم الأمور إلى المتاجرة بموتنا؟”… يقول علي طه، وهو مواطن لبناني من مدينة بعلبك، توفيت أخته، لينا طه (40 سنة)، في مستشفى دار الحكمة – بعلبك، في شهر آب/ أغسطس، إثر جلطة قلبية بعد معاناة دامت 3 سنوات مع مرض سرطان الثدي. 

لينا طه (40 عاماً)

بعد يومين من وفاة لينا، فوجئ علي باتصال من صديق يعمل في وزارة الصحة، يواسيه على مصابه ويسأله عن إجراءات الدفن التي اتبعتها العائلة، كون أخته توفّيت إثر إصابتها بوباء كورونا وفق ما ورد في لوائح أسماء وفيات كورونا، التي وقعت تحت يد الصديق نظراً إلى طبيعة عمله، يقول علي. 

المفارقة أن تحاليل لينا الطبية تثبت أنها توفيت إثر جلطة قلبية، كما أن نتيجة تحليل الـPCR، التي أجريت في “مستشفى أمل الجامعي” في بعلبك، أتت سلبية. “لنفترض أن أختي توفيت بعد إصابتها بالفايروس، كنت أنا وأسرتي إلى جانبها طوال أيامها الأخيرة، حضنتها وقبّلتها كثيراً، لكنني لم أُصب، كما لم يُصب أحد من أفراد أسرتي”، يضيف علي. 

نتيجة فحص الـPCR الخاص بلينا أتت سلبية.

يبدو أن لينا ليست الوحيدة التي استُغلّت وفاتها، لإضافتها إلى لائحة أعداد المصابين بالفايروس، إذ يتردد كلام كثير عن وفيات سُجّلت ضمن لائحة “كورونا”، لهدف يرجّح أنه كسب مبلغ مالي تقدّمه وزارة الصحة للمستشفى الذي استقبل الحالة، أو ربما نتيجة  فوضى في الصفوف الإدارية.

تواصل “درج” مع أشخاص تعرّضوا لمواقف مشابهة، لكنهم رفضوا الإدلاء بتفاصيل، منهم رنا (اسم مستعار) التي فضّلت عدم ذكر اسمها واكتفت بسرد قصّتها. 

توفيت والدة رنا في أحد المستشفيات، فعرضت الإدارة على الابنة تسجيلها ضمن وفيات “كورونا”، مقابل مبلغ مالي قيمته 5 ملايين ليرة لبنانية، علماً أن أمها قضت لأسبابٍ مغايرة كلياً. 

ورصدت معدّة التحقيق حالات أخرى لأشخاص عرض عليهم سداد فاتورة المتوفي من أسرتهم مقابل تسجيله ضمن لائحة “كورونا” للوفيات. وهذا ما يؤكدّه علي، إذ يقول لـ”درج”، “بعد عجز صديقي عن سداد فاتورة المستشفى الضخمة عقب وفاة والده، عرضت عليه الإدارة تسجيل والده كمتوفٍ بالفايروس مقابل إلغاء الفاتورة، إلا أنه رفض”، مشيراً إلى أنها حالة تتكرر كثيراً في منطقة بعلبك. 

“سقط سهواً”…

مارس علي وأسرته ضغطاً على المستشفى والوزارة لمعرفة سبب تسجيل أخته ضمن وفيات “كورونا”، إلا أن إدارة المستشفى أكدت له أن “أخته توفيت نتيجة جلطة قلبية”، كما تلقى اتصالات كثيرة تدعوه إلى التوقف عن إثارة الموضوع إعلامياً لأنه “خطأ سقط سهواً”، وفق علي. 

تواصلنا مع إدارة المستشفى، إلا أنها نفت معرفتها بالقضية، مشيرةً إلى أن المستشفى لم يكن يخصص قسماً لـ”كورونا” في ذلك الوقت، وأن “هذا القسم افتُتح في الثامن من شهر كانون الأول/ ديسمبر في دار الحكمة بحضور وزير الصحة حمد حسن”. 

وفي هذا السياق، تواصل “درج” مع الطبيب ع.خ، وهو متخصص بأمراض القلب والشرايين، والذي بدوره تهرّب من الإجابة بصراحة عند سؤاله عن حالاتٍ تسجّل ضمن وفيات الوباء، في حين أنها تكون لأسباب أخرى. إلا أنه فسّر ذلك باعتبار أن “الوباء لا يزال جديداً والأطباء لا يعلمون عنه الكثير، فيُقال مثلاً إن الفايروس قد يفتك بشرايين القلب فيسدّ مجرى الدم، وبالتالي تحصل الجلطة، بإمكان المستشفى أن يسجل أن سبب الوفاة هو الجلطة، بينما يسجله آخر، كورونا”، مضيفاً، “الأمور قد تختلط في الموت، ولا يوجد شكل علمي أو أكاديمي دقيق لتشخيص الحالة، وهذا ما يفسّر حالات الوفاة المرتفعة جراء الفايروس في لبنان”… ليعود ويؤكّد لاحقاً أنه “يُفترض تسجيل سبب الوفاة وفقاً للعلّة الأساسية التي دخلت فيها الحالة إلى المستشفى”، وهي ليست “كورونا” في حالة لينا. 

هذا عدا أخطاء طبية أخرى، منها أخطاء مخبرية في نتائج فحوص الـPCR، إذ يقول الطبيب نفسه لـ”درج”، إنه كشف على مريضٍ يعاني من التهاب رئوي، وفي صورة شعاعية تبيّن أن الفايروس تمكّن من رئتيه بالكامل، لكن المفارقة أن نتيجة فحصه أتت سلبية، ليموت المريض لاحقاً”. 

في إشارةً إلى أن لبنان سجّل 1210 حالات وفاة بـ”كورونا” حتى منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2020، وأعلى نسبة يومية كانت 24 حالة وفاة وسُجّلت في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر، إضافةً إلى أن معدّل الوفيات هو 178 بالمليون، وفق البيانات الدولية للوباء.   

ما حقيقة القروض المخصصة لوفيات “كورونا”؟ 

وفق بيانات البنك الدولي، يُقدّم للبنان قرضاً قيمته 120 مليون دولار لمشروع “تعزيز النظام الصحي في لبنان”، ويُخصص منه 40 مليون دولار لمكافحة وباء “كورونا”، مقسّماً على 3 جوانب أساسية، هي مراقبة الحالات المُصابة وكشفها، حماية أعضاء القطاع الطبي، دعم قطاعات متعددة وأنشطة مرتبطة بالوباء وحملات إشراك المجتمع المحلي. ولكن البيانات لا تتطرّق صراحةً إلى موضوع دعم المستشفيات في حالات الوفيات بـ”كورونا”.

تواصل “درج” مع ممثلة “منظمة الصحة العالمية” إيمان شانكيتي في لبنان، التي نفت تقديم أي مساعدات مادية للمستشفيات، مؤكدةً أن ما تقدّمه المنظمة يقتصر على المساعدات العينية فقط. 

يأتي ذلك فيما ينفي سليمان رشيد، نقيب المستشفيات الخاصة في لبنان سليمان هارون، أي معرفة بالموضوع المطروح، مؤكداّ أنه “ليست هناك أموال مخصصة لدعم المستشفيات في حال وقوع وفيات لمصابي كورونا عندها”. وعند مواجهته بالحالات الموثقة التي تظهر ذلك، أشار إلى أن “هناك لجنة حكومية مخصصة لمراقبة عدد وفيات كورونا والتدقيق في ظروف موتهم، والمسؤولية تقع عليها”. 

24

هو أعلى معدّل وفيات سجّلها لبنان في يوم واحد.

كما نفت مصادر من وزارة الصحة لـ”درج” أي معلومات عن مخصصات مالية للمستشفيات مقابل كل حالة وفاة بـ”كورونا”، في إشارة إلى “وجود لجنة دولية تابعة لشركة خاصة هي “ميد غولف”، وهي مسؤولة عن مراقبة ملف المريض الصحي والمالي قبل تحويله إلى الإدارة المالية، وبناءً على تقاريرها يُحاسب المستشفى، فيُعاقب بتخفيض درجته أو توقيف عقده مع الوزارة في حال أخطأ”. 

قصة علي وغيرها من القصص تطرح أسئلة حول استفادة مستشفيات من تسجيل وفيات ضمن لائحة “كورونا”، علماً أن هذه الأخبار لا تقتصر على لبنان، بل تنتشر في دول أخرى. 

رسم بياني يظهر معدّل وفيات “كورونا” في لبنان.

هذا فيما تسود القطاع الطبي في لبنان حالة من الفوضى، بين أخطاء مخبرية تؤدي إلى نتائج خاطئة في تحاليل “كورونا”، ومخالفة للمعايير الصحية التي تطرح شكوكاً حول صحّة عدد الإصابات اليومي، خصوصاً بعد ثباته على مستوى محدد بعد إقفال عامٍ ثانٍ في تشرين الثاني/ نوفمبر استمر أسبوعين، كل هذا يحتّم وجود ضحية واحدة، هي المواطن اللبناني.  

أُنجز هذا التحقيق بدعم من مؤسسة إنترنيوز.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ندى محمد – باحثة في علوم الأحياء في جامعة اكسفورد البريطانية
بين الأمس واليوم الحال واحدة، ووجود رافضي التلقيح ما زال ظاهرة بارزة. ما تغير هو أن هؤلاء باتوا يملكون وسائل أكثر لنشر أفكارهم، وبالتالي استقطاب أعداد أكبر وشرائح أوسع من الناس.
Play Video
6 سنوات مرت على غياب محمد الصنوي عن منزله وزوجته وأطفاله مذ اختطفته “جماعة أنصار الله” الحوثية. أسرة الصنوي أنموذج للكثير من أسر المختطفين والمخفيين في سجون جماعة أنصار الله، والذين لا يُعرف مصيرهم وحقيقة التهم الموجهة إليهم وإن ما زالوا أحياء أم لقوا حتفهم.

2:26

Play Video
كيف يعالج الصحفيون الأردنيون المواضيع المتصلة بالأسرة الهاشمية الملكية مع محاذير النشر القائمة ومن أين يستقون معلوماتهم ومصادرهم من دون خطر التعرّض للقمع والملاحقة؟ وهل يمكن اعتماد تطبيق كلوب هاوس مساحة آمنة ومهنية لتبادل المعلومات في العمل الصحافي؟الامير حمزة

34:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني