الناصرية تعيش “على قلق” كأن ريح التغيير تحتها!

على رغم توسّطها جغرافياً جنوب العراق، وسباحتها على بحيرة من النفط، إلا أن مدينة الناصرية تعاني الفقر والإهمال، إضافة إلى مشكلات إدارية وسياسية، كما باتت مركزاً للاحتجاجات والثورة على الظلم وحاملة راية المطالبة بالإصلاح وتغيير النظام.

محافظة ذي قار ومركزها مدينة الناصرية التي يناهز عمرها الإداري 124 عاماً، تأسست على يد الوالي العثماني ناصر باشا عام 1869 وكانت تشتهر آنذاك بالزراعة وصيد الأسماك، لاحتوائها على أكبر مسطح مائي طبيعي في الشرق الأوسط (الاهوار). تسكن المحافظة قبائل عربية معروفة لعلّ أبرزها قبائل الحسينات وخفاجة وبني خيكان وآل غزي وآل ازيرج وعبوده وبني ركاب بني سعيد وآل سهلان والبدور البو صالح، وتتخذ كل قبيلة مكاناً خاص لها في ضواحي المحافظة، وقد  اشتق اسم ذي قار من مادة “القار” (مادة نفطية) التي تكثر في جوفها فقيل إنها ذات القار واستقر اسمها النهائي على “ذي قار”. تسكن في المحافظة قوميات واثنيات وطوائف ومذاهب وأعراق متنوّعة لعل من أبرزها العربية والكردية. أما الديانات ففيها الإسلام بمذهبيه، السني والشيعي، فضلاً عن أتباع الطريقة الصوفية، إضافة إلى الديانة الصابئية والايزيدية والمسيحية. أما اليهودية فانقرضت بفعل عوامل سياسية. معظم سكان المحافظة من الطائفة الشيعية، والآخرون يعدّون من الأقليات.

جغرافياً تعتبر ذي قار متميزة عن بقية المحافظات العراقية، إذ يقول أستاذ الجغرافيا في جامعة ذي قار حسين الزيادي إنها تضم تضاريس مختلفة تتمثل بالمنخفضات المائية المسماة محلياً بالاهوار، والتي دخلت عام 2017 لائحة التراث العالمي مع مواقع أثرية أخرى. كما يخترق مدينة الناصرية نهر الفرات مخضوضراً ضفتيه بأنواع من النخيل والأرز والحبوب. ويلفت الزيادي إلى أن المحافظة التي  تبعد  من العاصمة بغداد  350 كلم جنوباً و160 كلم من مدينة البصرة الحدودية مع الكويت وإيران كانت تعتبر منطقة زراعية إلا أنها تعاني اليوم من ظاهرة التصحر وملوحة التربة والزحف العمراني باتجاه الأراضي الزراعية وانخفاض مستوى الدعم الحكومي الذي تسبب بهجرة الفلاحين إلى محافظات أخرى. تعدّى عدد سكان المحافظة المليوني نسمة فباتت بذلك رابع أكبر محافظة بحجم السكان، بعد كل من بغداد والموصل والبصرة، إلا أن هذا التضخم السكاني لم يقابله تحسن في البنى التحتية والصحية والتعليمية، ولم تستثمر المحافظة كنوزها النفطية والمعدنية لتنحدر إلى ثالث أفقر محافظة في العراق.

هذا ما دفع أبناء المحافظة إلى المشاركة بكثرة في ثورة تشرين. فمع نهاية عام 2019 شهدت ذي قار مع محافظات أخرى في العراق احتجاجات شعبية واسعة مطالبة بالخدمات وتحسين الواقع الاقتصادي والسياسي، ودخلت إلى المشهد السياسي العراقي من أوسع أبوابه. 

المؤرخ عبد الحليم الحصيني يشرح أن الناصرية لها تاريخ في الحراك السياسي منذ بداية القرن الماضي، فعام 1924 ظهر تشكيل سياسي تحت عنوان “جمعية اتحاد التضامن العرب”، وكان ذات توجه قومي عربي وكان مؤسسه ثابت السعدي الذي اختار مدينة الناصرية منطلقاً للتأسيس، وعام 1928 تأسست أول خلية للحزب الشيوعي العراقي في المدينة، وكان مؤسسها يوسف سلمان الملقب بـ”فهد” كاسم حركي آنذاك. بعدها اطلق فؤاد الركابي من الناصرية في الخمسينات النواة الأولى لـ”حزب البعث العربي الاشتراكي” الذي حكم العراق منذ عام 1963 وحتى سقوط نظام صدام حسين عام 2003. كما تشكلت في الناصرية تنظيمات لأحزاب وحركات معارضة لنظام صدّام حسين، لعلّ أشهرها “حزب الدعوة الاسلامية”، الذي يعد السيد طالب الرفاعي أحد مؤسسيه لتستمر المدينة بلعب أدوار سياسية مختلفة، كان معظمها ضد الأنظمة القمعية، إذ تحولت الناصرية عام 1991 بعد الانسحاب المذل للجيش العراقي من الكويت وتكبده خسائر فادحة على يد قوات التحالف الدولي، إلى بؤرة لانتفاضة كبرى ضد نظام البعث.

تحولت الناصرية عام 1991 بعد الانسحاب المذل للجيش العراقي

من الكويت وتكبده خسائر فادحة على يد قوات التحالف الدولي،

إلى بؤرة لانتفاضة كبرى ضد نظام البعث.

رئيس قسم السياسات العامة في “مركز ذي قار للدراسات التاريخية” فاضل عبد علي يقول إن العامل الاقتصادي يلعب دوراً مهماً في نشوء الحركات السياسية أو مجموعات الكفاح المسلح، فالناصرية على رغم غناها بالموارد الطبيعية، إلا أنها فقيرة اقتصادياً كما أن أبناءها لا يستفيدون من خيراتها، لهذا يلجأون إلى النضال السياسي في محاولة لانتزاع الحقوق وتغيير الواقع.

ويربط عبد علي بين نظرية سياسية تقول إن “المستوى الاقتصادي للفرد يحدد سلوكه السياسي وبين الغليان الذي تشهده الناصرية، إذ لا تجد الأثرياء والأغنياء منخرطين في المعتركات السياسية بقدر الذين يعانون من مشكلات اقتصادية، وما تشهده الناصرية اليوم من تظاهرات خير دليل على ذلك فمستوى الخدمات المتردي يدفع للتظاهر والمطالبة بالحقوق وقراءة المعطيات”، والسيرورة التاريخية تؤكد بحسب عبد علي أن “مدينة الناصرية مؤثرة في تاريخ العراق السياسي”.

دفعت المحافظة منذ اندلاع الثورة في نهاية العام الماضي ثمناً باهظاً على مستوى الأرواح، إذ سقط في المواجهات مع السلطة وميليشياتها 130 قتيلاً ومئات الجرحى. وشهدت المدينة حرق جميع مقار الأحزاب السياسية والحركات الإسلامية والفصائل المسلحة، ليعلن الشباب المحتج أن الناصرية “مدينة خالية من الأحزاب”، وتغدو ساحة الحبّوبي التي تتوسط المدينة من أبرز رموز هذا الاحتجاج لما تحمله من رمزية كونها تضم تمثال الشاعر والمجاهد ورجل الدين الشيعي محمد سعيد الحبوبي الذي قتل خلال مقاومته الاحتلال البريطاني عام 1915، فتحوّلت الساحة إلى مقر للاعتصام الدائم، ينصب فيها المعتصمون خيامهم مطالبين بمحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين وإجراء انتخابات نيابية مبكرة وشفافة وخالية من السلاح.

يتعرض المحتجون في مدينة الناصرية إلى عمليات قمع ممنهج، تارة من القوات الحكومية وطوراً من ميليشيات مساندة للسلطة. ولا تزال الساحة معرّضة لغزوات الميليشيات في محاولة لقمع حراك شباب المدينة، لكن المتظاهرين يعودون دائماً إلى رحم “الحبوبي” رافضين إنهاء الاعتصام الدائم حتى تحقيق مطالبهم المعلنة.

يدور حالياً الحديث عن مفاوضات “تحت الطاولة” بين تنسيقيات التظاهر من جهة وخلية أزمة الطوارئ المشكلة لإدارة المحافظة (بعد غزوات ميلشيوية نفذها أنصار مقتدى الصدر راهناً، وأسفرت عن مقتل عشرة أشخاص وجرح 80، من جهة أخرى، من أجل التوصل إلى اتفاق يفضي إلى إنهاء اعتصام الناصرية الذي بات من أولويات الحكومة الحالية الراغبة في إنهاء الاعتصامات سلمياً، إلا أن هذا النوع من المفاوضات مع الحكومة لا يزال يلقى رفضاً واسعاً من قبل ذوي ضحايا التظاهرات، ما يصعّب المشهد المحتقن في المدينة ويُبقي الناصرية “على قلق” كأن ريح التغيير تحتها.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني