كيف تكون مختاراً بعثياً؟

اعتز أبو العز بنفسه دائماً. فقد غدا وجهاً من وجوه المنطقة منذ أن تبوّأ "المخترة" مع صعود الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى سدة الحكم. وتزوج ست مرات أولها من ابنة عمه، وأنجبا الكثير من الأولاد على مدى أربعين عاماً باع خلالها أكثر العقارات والأراضي التي ورثتها زوجته الأولى عن أهلها.

أنشأ حزب البعث الحاكم في سوريا لأكثر من نصف قرن ثقافة استتباع وارتزاق للنظام لها ممثلوها المحليون. هنا سيرة أحد ممثلي هذه الثقافة في منطقة الزبداني.

أواخر القرن الماضي، وسعياً منه لنقل “الرفاق” إلى مدينة الزبداني للمشاركة في “المسيرة الجماهيرية العفوية” بمناسبة “تجديد البيعة” للرئيس حافظ الأسد، أوقف مختار القرية حافلة وطلب من سائقها الغريب أن يفتح الباب. وحين اكتشف السائق المأزق، تذرع بأنه بحاجة لملء خزان الوقود. فعاجله المختار بالقول: “يا بُنَي، أعرفك على نفسي: أنا المختار أبو العز، أحد منجزات الحركة التصحيحية التي قادها الرفيق المناضل حافظ الأسد!” كانت العبارة الأخيرة الـ “افتح يا سمسم” السحرية التي جعلت السائق يبلع ريقه ويضغط زراً ليشرّع باب حافلته “للرفاق”.

عند جسر منطقة “التكية”، وعلى يمين المسافر من الزبداني باتجاه دمشق، انتصبت يوماً شاخصة من قطع خشبية زرقاء مستطيلة عليها بالأبيض أسماء قرى المنطقة. وارتبطت تلك الشاخصة المرورية بشائعات طريفة.

كانت قرية أبو العز الوحيدة التي تجاهلتها الشاخصة القديمة. فكان بوصفه مختارها، ساخطاً من ذلك التجاهل. وكلما مر بها، جرب أن “يصححها” بأن يلصق اسم قريته أو يحفره عليها في مكان ما. لكن عبثاً حاول المختار. إذ كان على القرية أن تكافح كثيراً لتثبّت مكانها تحت الشمس. سقوط اسم القرية، سهواً ربما، من ذهن الجغرافيا، برره أحد زجّاليها المغمورين في مسرحية مدرسية بالقول: “ما في إلا ضيعتنا الله غضبان عليها..”.

اعتز أبو العز بنفسه دائماً. فقد غدا وجهاً من وجوه المنطقة منذ أن تبوّأ “المخترة” مع صعود الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى سدة الحكم عام 1970. وقد ولد المختار والرئيس في العام نفسه، 1930، وأدى لاحقاً الخدمة الإلزامية العسكرية. ثم تزوج ست مرات أولها من ابنة عمه، وأنجبا الكثير من الأولاد على مدى أربعين عاماً باع خلالها أكثر العقارات والأراضي التي ورثتها زوجته الأولى عن أهلها. وأكبر أولاده عبد العزيز، المولود منتصف خمسينات القرن الماضي، وأصغرهم فارس، الذي سمّاه تيمناً بالصبي الفلسطيني، فارس عودة، الذي قُتِل برصاص إسرائيلي في قطاع غزة عام 2000، أثناء “انتفاضة الأقصى”.

أحب أهل القرية صوت أبي العز مؤذّناً في المسجد متخصصاً، لسبب مجهول، بصلاة الجمعة فقط. واستذكروا به خشوع أبيه الراحل إمام مسجد القرية الطيب الذي، ربما، جرب المختار أن يرث “مشيخته” بطريقة ما. لكن “حنّية” الصوت تنقلب حين يخرج من دور المؤذن ليدخل في شخصية المختار فتغدو نبرة مذيع تلفزيوني كوري شمالي مزمجر تصحب صوته موسيقى مارشات عسكرية. ويخرج حينها ذلك الصوت من مكبرات المسجد معلناً بكلمات يعيدها أبو العز في كل مناسبة “وطنية”: “على كافة الرفاق الحزبيين، أعضاء عاملين وأنصار، التواجد أمام منزل المختار الساعة التاسعة غداً صباحاً للمشاركة في المسيرة الجماهيرية الشعبية العفوية بمناسبة كذا وكذا من كلاسيكيات المناسبات “الوطنية” المرتبطة بحزب “البعث” ورئيس الجمهورية وغيرها من احتفالات “سوريا الأسد”. ذلك النداء لازمة تتكرر بعد صلاة الجمعة حيث يصلي المؤذن أبو العز خلف الإمام تماماً. وما إن يسلّم المصلون حتى ينقضّ على الميكروفون وينقلب المؤذن الوديع إلى مذيع كوري مع مارشات عسكرية. وكانت تلك المناسبات سبباً في تعطّل عمل غالبية دوائر الدولة والمدارس والجامعات وتُغلق أكثر الأعمال الخاصة ليُجبر العاملون فيها على المشاركة في المسيرات.

في اليوم التالي، تستيقظ القرية على أزقّتها المقفرة حيث يتسلل المحظوظون ممن يصحون باكراً إلى الفرن ليجلبوا الخبز ويعودوا قبل أن يستيقظ المختار فـ”يلقي القبض” عليهم و”يسوقهم” إلى “المسيرة العفوية”.

ومع طلوع الشمس، وأمام منزله القديم، يقف أبو العز مزهواً كديك شابكاً يديه خلف ظهره فتسمع قرقعة “مسبحته” من غير أن تراها. ويختال المختار جيئة وذهاباً ببدلة جوخ بنية داكنة وربطة عنق كحلية، و”كندرة” بيضاء لامعة وسُلُك أحمر وأبيض مع عقال سميك أسود. كان ذلك زيّه الرسمي في “المناسبات الوطنية”. يقف أمام دكان جاره الشرطي محمد حسيبة، مالك محل أشرطة الكاسيت. يمجّ سيجارته بفلتر خشبي ويدقق النظر في الصور الكبيرة على الواجهة الزجاجية ويحك شفته السفلى ويرفع حاجبه الأيمن: نوال الزغبي، سيلين ديون، كلوديا شيفر ثم فرقة الفوركاتس. يطلق زفرة طويلة يخرج بها ما بصدره من دخان. وحين يصل إلى عمرو دياب، يهتز كمن صحا من حلم جميل، ويشيح بوجهه في الأفق باحثاً عن “رفيق” ما.

أحب أهل القرية صوت أبي العز مؤذّناً في المسجد متخصصاً،

لسبب مجهول، بصلاة الجمعة فقط.

واستذكروا به خشوع أبيه الراحل إمام مسجد القرية الطيب الذي،

ربما، جرب المختار أن يرث “مشيخته” بطريقة ما.

ثم يجتمع حوله بضعة “رفاق بعثيين” منهم من يشدّ على يده في “طريق النضال” ومنهم من يُداهنه خوفاً أو طمعاً، وآخرون يحاولون أن يُوقِفوا حافلات لتقلّهم إلى تجمّع “المسيرة العفوية”. ويسلّم المختار بعض “الرفاق” من طوال القامة صوراً قديمة للرئيس أيام شبابه وأعلاماً قديمة بهتت ألوانها ولافتات بشعارات تصلح لكل مناسبة من قبيل “منك العطاء ومنا الوفاء، يا قائد المسيرة، يا حافظ الأسد”. وعلى كل “رفيق” أن يتعهد شفهياً بإعادة “الأمانة” عند انتهاء المسيرة. أما الهتافات، فالاتفاق عليها ضمني منذ الأزل وهي ملخصة بـ: “بالروح.. بالدم.. نفديك يا حافظ” و”حافظ.. أسد.. رمز الثورة العربية”. ولا بأس بمشاركة تجمعات القرى الأخرى أثناء المسيرة بترديد شعارات أكثر انبطاحاً في حضرة “القائد”.

ومن نافل القول أن جميع الحافلات تتوقف عن العمل أيام “المسيرات” لأن سائقيها لا يرغبون بالعمل مجاناً على أقل تقدير. ما يضطر المختار إلى شحن “الرفاق” إلى موقع “المسيرة” بسيارات “بيك أب” أو جرارات زراعية لا يهتم أصحابها بالسياسة. ولا مانع أحياناً من صعود الرفاق مع الصور واللافتات والأعلام في شاحنات المواشي وفاء “للأب القائد”.

في الانتظار، كان المختار يفتح مكتبه المطل على الشارع، ويشرّع مكبر صوت يسميه أهل القرية “الهبّرلُو” (haut-parleur) بأعلى استطاعته. “واحد واحد.. تنين تنين..” يجلجل صوت أبو العز كمذيع كوري لتجريب “إذاعته” الخاصة. صوت مزعج شبيه بـ “الله الله، بسم الله..” التي يقولها حين يتفحص “إذاعة” مسجد القرية قبل أن يؤذن لصلاة الجمعة. ومع أن الصوت يوقظ أهل القرية، إلا أن أحداً لا يجرؤ على الشكوى أو حتى الإطلالة لتحري الأمر إلا إن اعتزم المشاركة في “المسيرة”. فما إن يمد أحد رأسه من شرفة منزل ما حتى يقنصه أبو العز بنظرة لوّامة داعياً إياه للمشاركة. وحين يمرّ شخص سيء الحظ مع بعض الخبز، يطلب منه المختار باسم “الوطن وقائد الوطن” أن يوصل الخبز، ثم يعود من فوره للمشاركة وتقديم “الولاء للقيادة”. لذلك كان خواء الشوارع والأزقة حتى من الدجاج والكلاب الشاردة أمراً مفهوماً.

وبسبب ذلك الخوف الذي يعتري أولئك القرويين، أدركت لاحقاً لماذا كان أطفال القرية يهتفون حين يلعبون (وهنا أخفف الألفاظ): “أبو العز قاعد ع الإذاعة.. أحدث ريحاً طيَّرَ الجماعة..”

وعلى وقع أغنيات “تسلم للشعب” للمطرب السوري جورج وسوف، و”أبو الرجال” للمغربية سميرة سعيد، و”أبو باسل قائدنا” للبناني علي حليحل، كان أبو العز يلقي تحية صباحية خاصة على كل من يظهر بقوله: “صباح الوطن!”، وتفسيرها: “تفضل للمشاركة في المسيرة”.

ويحضر “الوفد الرفاقي” الممثل للقرية في “المسيرة” إمام المسجد البعثي ومديرا المدرستين الابتدائية والإعدادية البعثيان، ورئيس الجمعية الفلاحية البعثي، ورئيس البلدية البعثي، وهو الذي ما يزال في منصبه منذ تأسست البلدية في القرية مع استلام الرئيس بشار الأسد زمام الحكم عام 2000.

أما في المسيرة، فيضيع المختار و”الوفد الرفاقي” بين “حشود الجماهير” التي أتت “لتجدد البيعة”. إذ لا يشارك من قريته الصغيرة التي لم يتجاوز عدد سكانها ثلاثة آلاف نسمة أكثر من عشرين أو ثلاثين “رفيقاً” لا تعثر بينهم على “رفيقة” واحدة إلا إذا تقررت “المسيرة” فجأة وجرى إحضار طلاب المدارس. حينها يصبح العدد بضع عشرات من المعلمين والمعلمات المتذمرين يتبعهم بضع مئات من أطفال “طلائع البعث” ومراهقي ومراهقات “اتحاد شبيبة الثورة” الذين يستمتعون برحلة ترفيهية في يوم عطلة لم يكن في الحسبان.

ويُفترض أن يجتمع “موكب المسيرة” في “ساحة المحطة” في الزبداني، ثم يتجه “هاتفاً بالولاء للقائد” نزولاً إلى “جامع الجسر” ثم ينعطف باتجاه “جامع المراح” إلى أن يصل إلى “المركز الثقافي” عند “ساحة السيلان” حيث تنتصب أمام “روضة طلائع الزبداني” منصة يقف عليها صف من مسؤولون بعثيون مصفقين. وعلى رأس المصفقين أمين شعبة حزب “البعث” في المنطقة، ومدير المنطقة وهو عادة عميد في الشرطة، وبالطبع بعثي الانتماء.

وحين يصبح “موكب” أبي العز قريباً من المنصة، يلوّح الرجل الستيني بيديه مشيراً “لرفاقه” القرويين أن يرفعوا الصور واللافتات والأعلام بأقصى استطاعتهم، وأن يبدؤوا بالهتاف بأقصى طاقتهم بالشعارات المتفق عليها ضمنياً في السابق. وحين يعبر الموكب المنصة، ويتأكد أبو العز أن “الرفاق فوق” على المنصة قد تبسّموا وزاد تصفيقهم مع حماس “رفاقه” القرويين، تنفرج أساريره ويتنفس الصعداء. وإن لم تثاءب أحد “الرفاق فوق” أو شرد أو حك جبينه مثلاً، تجهّم أبو العز، وانتظر حتى يمر الموكب ليبدأ بتقريع “رفاقه” القرويين ولومهم. وبينما تنحلّ صبغة شعره وتسيل مع تعرّقه على خديه، يقول بحسرة “الرفاق فوق لن يهتموا بقريتنا بعد اليوم!”.

ومن يكترث؟! فقضية “الرفاق” القرويين تنحصر في الإجابة على سؤال: “كيف نعود إلى القرية؟” والجواب هو أن هناك اتفاقاً ضمنياً آخر يقضي بالانصراف من “المسيرة” بشكل “كيفي”؛ أي كلٌّ بحسب استطاعته. فمنهم من يذهب لتناول الإفطار في منزل قريب له ريثما تنفض “المسيرة”، ومنهم من يصعد في جرار زراعي، وآخرون يستقلون حافلة “هاربة” من “المسيرة”، وآخرون، وغالبيتهم من المراهقين والمراهقات، يسلكون طريق العودة سيراً على الأقدام.

ومع طلوع الشمس، وأمام منزله القديم،

يقف أبو العز مزهواً كديك شابكاً يديه خلف ظهره فتسمع قرقعة “مسبحته”

من غير أن تراها.

سلوك المختار أثناء الاحتفالات والمسيرات البعثية لم يكن الصفة الوحيدة المكروهة فيه. فلجهله أو لأسباب كيدية، سجّل أراض تعود ملكيتها لأفراد على أنها أملاك للدولة أثناء “التحديد والتحرير“، وهي عملية تنظيم الدولة وثائق فنية وحقوقية تنظم ملكية العقارات.

كما رافق المختار، وبحكم عمله، دوريات المخابرات للقبض على المهربين والمطلوبين من أبناء القرية حتى أولئك الذين تربطهم به صلة قربى. كما اقتضت مهنته أن يقدم إفادات للمخابرات في حال سؤالها عن أبناء قريته ممن تُجرى عليهم “دراسات أمنية”، وهي إجراء معروف يسري على من يتقدمون لشغل وظائف في الدولة أو تحوم حولهم شبهات ما. وغالباً ما كانت إفادات المختار إيجابية يُتبعها بتواصل مع من تتقصى عنه المخابرات، ليبادره بالقول: “سألوني عنك اليوم!”. وتفسيرها: “زكّيتك أمام المخابرات، وأريد مقابلاً لذلك.” ويمكن اعتبار ذلك جزء من دخل المختار. فهو ليس موظفاً حكومياً وإنما شخصية اعتبارية، أي لا يتقاضى مرتباً شهرياً ولذلك يلجأ إلى أساليب كهذه مقابل بضعة كيلو غرامات من السكر أو الرز وغيره.

لكن الإزعاج والتخويف والترهيب كان أكثر تركيزاً أثناء الاحتفالات بالمناسبات على صعيد القرية فقط. فمثلاً، في شتاء عام 1999، وأثناء آخر استفتاء رئاسي يسفر عن فوز حافظ الأسد ، طال الأمر بإذاعة الأغاني الوطنية وامتد حتى ساعة متأخرة من الليل على مدى أسابيع عديدة. وكان تشغيل الأغاني التي تمجد حافظ الأسد و”البعث” مجالاً تنافس فيه أبو العز مع محمد حسيبة، مالك محل الكاسيت. واتفقا أخيراً على أن أبو العز يبث صباحاً ومحمد حسيبة يبث مساء. المهم ألا يتوقف البث تعبيراً عن “الولاء للقائد الأسد”. وكان الجيران يعتبرون “صمودهم” أمام ذلك “الإرهاب الإذاعي” محافظة على بيوتهم. فقد اعتقد كثيرون أن تجار العقارات يحاولون عبر رشوة أبو العز أن يجبروهم على بيع منازلهم بأسعار زهيدة والرحيل. لكن صمتهم كان خوفاً من أبو العز ومن “مخبرين” آخرين يترقبون أي اعتراض. وأغلب الظن أن “نظرية المؤامرة العقارية” تلك غير صحيحة، فأهل القرى لا يبيعون أراضيهم بتلك السهولة.

في تلك الفترة، بدا أبو العز متوتراً إلى حد ما رغم تنظيمه “احتفالات شعبية” احتفاء بـ “تجديد البيعة للقائد”. كان مبعث قلقه ما يسمعه همساً من سخرية من تقدم رئيس الجمهورية في السن وأن تكون تلك “البيعة الأخيرة”. إحدى تلك النكات مفادها أن المخابرات اعتقلت أيام “مبايعة” الرئيس بائع خضار سعى لجذب الزبائن لشراء محصوله بسعر منافس عبر نداء معروف يقول: “هالبيعة آخر بيعة..”!! كان أبو العز في الحقيقة يخشى موت حافظ الأسد، فذلك على المستوى الشخصي قفز في المجهول بالنسبة للمختار.

في السنوات الأولى لتسلم بشار الأسد مقاليد الحكم قلّ اهتمام السلطة بالمخاتير. وصارت طريقة تقديم “الولاء” للرئيس غامضة بالنسبة لأبي العز إذ لم تعد هناك “مسيرات جماهيرية عفوية” يسفح فيها المرء ماء وجهه أمام ممثلي “القائد” كما في عهد الأسد الأب. كما أن الرئيس الطبيب الشاب القادم من بريطانيا لا يبدي اهتماماً بـ “الطبقة الكادحة” التي يُفترض أن يمثلها المخاتير.

ومع صعود سماسرة العقارات من رؤساء بلديات وغيرهم من المحسوبين على متنفذين في نظام الأسد، تضاءل نفوذ حزب “البعث” ولم يعد يقيم “المسيرات” لتقديم “الولاء للقيادة”. بل غدت “تضامناً مع الانتفاضة الفلسطينية” ما بعد عام 2000، أو “شجباً للاحتلال الأمريكي للعراق” عام 2003، أو “دعماً لصمود سورياً في وجه الهجمة الإمبريالية” إثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005.

صار “الرفاق” يسجلون أسماءهم حين يتسلمون الأعلام والصور واللافتات الجديدة. “ما في ثقة! ما عاد في رهجة أيام زمان” كما قال أبو العز متذمراً من أداء “البعثيين الجدد” بعد أن أقعده المرض وحيداً لسنوات.

واقتصرت مشاركات أبي العز على حضور أعراس ونشاطات محلية أخرى. لكنه كان ممتعضاً من رئيس البلدية الأزلي الذي بنى ثروة هائلة في زمن قياسي على عكس المختار الذي أورث أولاده الديون. كان امتعاضه، ربما، سخطاً من “أسد التحديث” وحنيناً لأسد “التصحيح” الذي “يقدّر الناس مو متل غيرو”. امتعاض سياسي كاريكاتوري حافظ على كرسيه لأكثر من 37 عاماً بالرغم من مرضه حيث سلم أحد أبنائه “ختم المخترة” وعلمه “سر المصلحة”. لكن ابنه تنازل عن الختم فور وفاة والده الذي ترك فراغاً في القرية. وترشّح لشغل منصبه 34 شخصاً نافس بعضهم عبر رفع تقارير وشاية بمنافسيهم لجهات في المخابرات وحزب “البعث” للظفر بالمنصب. صراع على الخلافة ربما يلخص التحول إلى سوريا أخرى، سوريا التي اختفى فيها، ولسبب مجهول، أحد أبناء أبي العز في سجون “أسد التحديث” بعد عام 2011 ولا يعلم مكانه أحد حتى اليوم.

إقرأوا أيضاً:

أواخر أيامه، وبعد صلاة الجمعة في يوم ربيعي بارد من عام 2007، جلس أبو العز يتشمس أمام مكتبه صامتاً متوكّئاً على عكازه. وما إن انتهت صلاة الجمعة، حتى قرقع “الهبّرلُو” في دكان مصطفى، ابن محمد حسيبة، على الطرف المقابل من الشارع. ثم صدحت أغنية “منحبّك” التي غنتها المطربة شهد برمدا كجزء من حملة إعادة “انتخاب” بشار الأسد رئيساً للبلاد. تلمّظ أبو العز كأن في فمه شيئاً يريد أن يبصقه. صبر قليلاً إلى أن وصلت المطربة إلى قولها لبشار:

“نحنا الْـ منعلم أجيال ومنقدم لبلادي رجال

يا بو العز الـْ ما بينطال منحبك.. منحبك..”. 

التفت إلى شماله واضعاً كفه فوق فمه وهو ينظر إلى الأرض قرفاً من الأغنية، ثم همس غاضباً: “خرا عليكون و ع أبو العز!!”

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني