fbpx

إلى رياض سطّوف: كن شجاعاً بعكس الجبناء من الناشرين العرب

هل أنت ككل السوريين تخاف انتقام النظام السوري منك ومن أهلك في حال توجهت لهذا النظام بالانتقاد أو السخريّة؟
“عربي المستقبل”

أنهيت الجزء الخامس من كتابك “عربي المستقبل” يوم صدوره، وصلني إلى المنزل والتهمته فوراً، وككل الأجزاء السابقة، أبحث عن الكلمات العربيّة في النص، تلك التي تتسلل أحياناً في الرسائل المتبادلة بين الشخصيات وفي خلفية الأحداث وأحياناً على لسان البعض، أبحث عن كيفيّة كتابتها ولفظها وأسلوب استخدامها.

سمِّ بحثي هذا فضولاً إن شئت، أو حساً وطنياً مبتذلاً، خصوصاً أن “قصتك” تدور في بلدٍ أظنّ أنني أعرفه، كوني مثلك، ولدت فيه، ثم اضطررت للمغادرة، وذاكرتي عنه أصبحت صوراً منفصلة، يتلاشى بعضها، وبعضها الآخر يتضح ولا يتزحزح، وأحياناً أعجز عن التفريق بين الحقيقة ومتخيليّ الشخصي عن المكان، فالذاكرة، لعبة الخيال الجدّية، تتكوّن من دون أن يكون لي دور واع في ذلك.

 سمِّ فضولي هذا إن شئت قراءة ساذجة لحكاية أحاول أن أبحث فيها عمّا يشبهني، لا كناقد متحذلق، أو صحافي شبه مغمور، بل كـ”معجب” يحاول أن يكرّس وقته لمنتج فنّي يخاطبه ويكشف له عمّا نسيه أو تناساه.

ما يثير الغيظ في كلّ مرة يصدر جزء جديد من كتابتك، هي الصفحات الأولى، 22 لغة ترجمت إليها أجزاء “عربي المستقبل” تذكر أمامي وتتكرر في كل مرة أبحث فيها على الانترنت عن كتابك، العربية غير موجودة بين هذه اللغات.

ظننت أن الأمر بداية يتعلق بالمُترجمين، ألا يوجد مترجم واحد يتقن اللغتين قادر على أن ينال ثقتك؟ استبعدت الأمر، مستحيل ألا يوجد مترجمون. هل الأمر عنصري؟ لا أظن ذلك، لكنها فكرة ومرّت، خصوصاً أن الكتاب لم يصدر بالعبرية أيضاً. 

الحكايات في عربي المستقبل تمسّنا نحن القرّاء عموماً والسوريين خصوصاً كما تمسك أنت شخصياً، ربما نجوت أنت من براثن الأسد، لكن الكثيرين منا لم ينجوا، ويحقّ لنا أن نقرأك كما يحق لنا أن نقرأ أي عمل فنّي آخر يتحدث عنّا وما تبقى من بلادنا.

هل تخاف على أهل تبقوا لك هناك؟ أي هل أنت ككل السوريين تخاف انتقام النظام السوري منك ومن أهلك في حال توجهت لهذا النظام بالانتقاد أو السخريّة؟ 

هذا مستبعد أيضاً، لا خوف بعد 2011، كما أنك عملت في “تشارلي إيبدو”، أي أنك لا تخاف من السخرية أو الانتقاد والتهكم، والأهم لا تخاف رد الفعل تجاهها.

ربما خضعت لخطاب ساذج يقول إن اللغة العربيّة في فرنسا تخيف الفرنسيين، إذ سمعت مرة أن أصحاب الأكشاك ينفرون من وضع المنشورات العربيّة على العلن أمام المارة، هناك خوف من شكل الأحرف وتكويناتها لأنها تذكرهم بالإرهاب الإسلامي، رأي ساذج لكنه حقيقة، إذ لا مكتبات عربيّة كثيرة، وأصحاب الأكشاك يخفون الصحف العربيّة عن الواجهات خوفاً من رد فعل الزبائن، وعليك أن تطلبها بالاسم لتحصل عليها.

لكن من غير المنطقي أن تكون بهذه السذاجة.

قرأت لاحقاً أن السبب عملياتي بحت، ففي بورتريه طويل عنك في “فرانس أنفو”، يقتبس الصحافي التالي: “أصحاب دور النشر في البلدان العربيّة أقل التزاماً من أولئك في الموجودين في أنحاء العالم، فبعض منهم أرادوا شراء حقوق كتاب الأول، من دون أن يتضمن ذلك حقوق الكتاب الثاني، لذا تفضل أن تنتظر الانتهاء من السلسلة بأكملها كي تناقش مع الناشر حقوق السلسلة بأكملها، والحصول على الضمانات، كل شيء ينجز و يتابع بصورة دقيقة”، وتعلق الصحافية لاحقاً، على القرّاء العرب أن يكونوا صبورين!

طز بالصبر! هذا العبارة الأولى التي خطرت في بالي حين قرأت استطراد الصحافيّة إيلودي دروارد.

المشكلة إذاً هي الناشر العربيّ وغياب الضمانات، والاختيار الانتقائي من دون احترام العمل بأكمله ككتلة، أقدّر بشدّة هذا الحرص من قبلك على عملك الفنّي، وضرورة الحفاظ على وحدته العضويّة، لكن، يا رياض، في العالم العربي، كل  صناعة النشر مغامرة، كل كتاب مهدد بالتلاشي، لا أدّعي أن هناك خصوصيّة للعالم العربي فكل صناعة النشر العالمية تعاني، لكن إلى أي دور توجهت؟ من هي التي رفضت أو لم تقدم ضمانات؟

أطلب منك أسماء كي نتمكن نحن المهتمين بالشأن الثقافيّ، من الإشارة بدقّة إلى أولئك الذين حرموا ولو قارئاً واحداً من “عربي المستقبل”.

لكنني أود أن أخبرك، بأن هناك دور عربيّة تغامر بنشر عشرات الدواوين الشعريّة، تلك التي يُقال إنها لا تشترى، لكنها تنشر وتتبادل، وتنقل أصوات أصحابها للآلاف، أليست هذه مغامرة بلا ضمانات؟ هناك دور نشر عربيّة تحاول أن ترتقي بالذائقة العربيّة، ويبحث أصحابها جاهدين عن كتاب يضاف إلى العربيّة وقرّائها المعدودين إن افترضنا ذلك؟ أليست هذه ضمانة كافية؟

إقرأوا أيضاً:

قرأت مرة أن الكوميكس في العالم العربي غير جماهيري، هو فنّ موجّه للنخبة والصالونات والمعارض، يحصل صناعها على منح لينشروا أعداداً قليلة تختفي لاحقاً، ويصبح من الصعب العثور عليها، وكأنها أعمال نادرة وأغراض فيتيشيّة ذات ثمن مرتفع، لا منتجات متاحة للجميع، ولو كانت هذه حجتك، لصمتت ولما كتبت لك.

لا أقول إن “عربي المستقبل” سيكون الاستثناء، وأن ملايين النسخ ستباع في حال توافر بالعربيّة، لكنه قد يساعد قارئاً واحداً  فقط على ترميم ذاكرته والحفاظ على ما تبقى منها.

أحاول أن أعيد النظر في موقفك لأن حرمان القارئ العربي من هذا الكتاب خسارة، أولاً على المستوى الفنّي، وثانياً على المستوى الثقافي فالحكايات في عربي المستقبل تمسّنا نحن القرّاء عموماً والسوريين خصوصاً كما تمسك أنت شخصياً، ربما نجوت أنت من براثن الأسد، لكن الكثيرين منا لم ينجوا، ويحقّ لنا أن نقرأك كما يحق لنا أن نقرأ أي عمل فنّي آخر يتحدث عنّا وما تبقى من بلادنا.

“عربي المستقبل” جزء من ذاكرتنا جميعاً، نحن الذين نقرأك بالفرنسيّة والإنكليزيّة، ونذكر طريق خروجنا من سوريا، ويحزّ في النفس أن هناك آخرين لن يستطيعوا قراءته، كشكل من أشكال الوثائق، حكاية عن قرية “تير معلة” في ريف حمص التي لم يسمع بها كثر من السوريين من قبل، إلا حين قصفها الطيران الروسي، أيهما برأيك أفضل، أن نعرف عن تير معلة من “عربي المستقبل” أم من فيديوات القصف؟

أكتب لك داعياً إياك إلى المغامرة، وإن كان الأمر فعلاً مجرد جبن من دور نشر عربيّة، فلا يمكن أن نقدم لك ضمانات، بل أدعو الشجعان من المغامرين في عالم النشر بأن يتواصلوا معك، وأن يضمنوا لك نشر الجزءين الخامس والسادس الذي لم يصدر بعد.

ربما لن تصل هذه الرسالة إليك، سيتبادلها بعض من أصدقائي، ممن قرأوا الكتاب، ويتجاهلها من لم يفعلوا بوصفها نحيباً أو تزلّفاً من نوع ما، وإن وصلتك، لا مانع في أن تتجاهلها، لكن خذ في الاعتبار أن ذاكرتك جزء مما نفقده نحن، وربما لن يتبقى سوى القليل عن “تير معلة”، هو ما كتبته أنت.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني