fbpx

بيروت المروّية عبر الثقافة والفنون

تتبع سمير قصير عالم بيروت الثقافي والفني والفكري، فجعل من كتابه رسالة إلى المرحلة البيروتية الراهنة، مفادها أن الفنون والثقافة هي البوصلة لحيوية واستمرارية أي مدينة...
سمير قصير

تعيش بيروت منذ سنوات كثافة في الأحداث.أزمات أمنية واضطرابات سياسية واجتماعية، ومؤخراً انهيار مالي. لكن انفجار مرفأ بيروت في آب الماضي كان الحدث الذي أجبر الجميع على التأمل في تاريخ المدينة. 

من هنا تبدو أهمية استعادة كتاب “تاريخ بيروت” (دار النهار، 2003) للكاتب والصحافي الراحل سمير قصير في المرحلة الراهنة. 

قرأتُ الكتاب فيما كان أصدقاء فنانون وفنانات من سوريا راغبون بالتعرف أكثر إلى المدينة، يقرأونه أيضاً، وهم مقيمون في أوروبا وأميركا. اقتنوا الكتاب بعد انفجار المرفأ، فدارت نقاشات حول الكتاب، الذي يتميز  بتقنيات واساليب سردية أجادها سمير قصير. 

فالمؤرخ يوظف كل أنواع التقنيات التي تسمح له برواية حكاية المدينة مرحلة بمرحلة، فإضافة إلى الحدث السياسي، نجده يوظف الفنون، الصحافة، الروايات، أفلام السينما، الخرائط، الصور الأرشيفية، مجلات الموضة والأزياء، وأحياناً الدلائل السياحية ليروي لنا جانباً أو حدثاً أو ميزة عاشتها المدينة، عبر هذه الوسائط. ومن اللافت للانتباه، اعتماد المؤرخ على الفنون في كتابة تاريخ مدينة منذ العصر الحجري الأوسط أي منذ 600،000 سنة حتى عام 2003.

حضور المدينة في الأدب بين الأمس واليوم

يفتتح الكتاب بقطع أدبية منها لنونوس البانوبوليسي، تعود إلى القرن الخامس الميلادي، قصيدة للشاعر والمسرحي جورج شحادة عن أثر المدينة، وفقرة للكاتب الإنكليزي إريك أمبلير، يصف فيها بيروت: “كل شيء من حولك يوحي بالجو الذي مهد للأساطير العظيمة. وتبدو لك الصور التي تشاهدها بعيون الروح حقيقية أكثر من الكرسي الذي تجلس عليه”. لكن الفقرة الأكثر أهمية هي من مذكرات المستشرق الأشهر جيرار دي نرفال، عن شعوره حين أطل على مرفأ بيروت إبان زيارته الشرق عام 1843. إن تطبيق التقنية ذاتها على اللحظة الراهنة، أي النظر إلى حضور بيروت في القصائد الشعرية أو الغنائية، وبذلك نتلمس حضورها إما بطريقة رثائية على الحال الذي تعيشه، أو بطريقة نقدية تفند المشكلات التي تعاني منها المدينة، أو انتقاد الوضع السياسي والاقتصادي فيها. وكنا قد كتبنا عن حضور بيروت في كلمات أغاني الراب، والأسلوب المختلف لحضور المدينة عما كانت عليه في أغاني الخمسينات والستينات.

الفنون والثقافة هي البوصلة أو المؤشر الأساس لحيوية واستمرارية أي مدينة، أو ثقافة، أو حضارة، وهذا ينطبق على استثنائية بيروت، لكنها (الفنون والثقافة) لم تكن يوماً أولوية الحكام أو الزعماء العرب.

يلجأ المؤرخ إلى وثائق متعلقة بالرحلات البحرية إلى مرفأ بيروت ليطلعنا على تطور دور المرفأ عبر التاريخ الذي خسرته المدينة، بعد تفجير الرابع من آب/ أغسطس. كما يروي لنا المؤرخ حكايات نموذجية في التعبير عن المرحلة المختارة منها، حيث حكاية ساعة ساحة البرج التي تدق على التوقيت الفرنسي والتركي للدلالة على المزاوجة الثقافية، أو التحول الثقافي الذي تعيشه المدينة، والذي يبدو اليوم منسياً كخاصية للمدينة من قبل السلطات السياسية التي تحاول التجاذب بين المحاور السياسية في المنطقة. كما يروي حكاية مدفن مفكر النهضة أحمد فارس الشدياق، الذي لم يكن مسيحياً ولا مسلماً، فتصارعت الطوائف عند وفاته على جثمانه ومدفنه، وهي حكاية مفكر مثقف يتجاوز الطوائف والأديان في فكره وفي جثته، أما الآن فقد اعتذرت نائبة عن “تيار المستقبل” لدخولها إلى الكنيسة، كأنها ارتكبت على خطيئة. 

الازدهار مع نشأة الفنون

يبرهن المؤرخ في الكتاب أيضاً، العلاقة الطردية بين ازدهار المدينة ودخول الفنون الجديدة إليها، كفن المسرح مع مارون النقاش، والسيرة الذاتية مع الشدياق وميخائيل مشاقة، والرواية التي اقتبسها سليم البستاني في “الهيام في جنان الشام وزنوبيا”، ومن بعدها مع جرجي زيدان، المولود في بيروت. وكذلك أيضاً، سيشدد على دور الصحافة. ويتوقف عند أثر البعثات التبشيرية التي ضخت في المدينة حيوية ثقافية تتوجت في النهاية مع إنشاء جامعة القديس يوسف والكلية السورية الإنجيلية، وعبر هذه المعاهد الجامعية ستعرف بيروت المطبعة الأولى. ويرصد المؤرخ دخول اللوحة بمفهومها الحديث إلى العالم العربي وبيروت بعد عصور من التحريم، وانتشار عادات الديكور والتزيين على النمط الأوروبي، وصولاً إلى الافتخار بالصور الفوتوغرافية على الجدران التي أصبحت مدعاة المفخرة العائلية. ويتوقف المؤرخ عند التغييرات التي تتعلق بحقوق المرأة وحياتها السياسية والثقافية. وإن نظرنا إلى كل ما سبق، لمقارنته بالآن، ندرك مدى التراجع الثقافي والفني الذي تشهده المدينة الآن.

الصحافة والنشر بين العصر الذهبي والحرب والآن

رسالة الصحافة يركز عليها سمير قصير من بين الخواص المميزة لبيروت، يعدد الصحف والانتماءات الأيديولوجية والفكرية لمحرريها، ويزهو ببيروت حين تكون عاصمة الصحافة العربية، ففي هذه المدينة وحدها من مدن العالم العربي ستتاح فرصة نشر كتابات معارضة لجمال عبد الناصر. ولاحقاً، حين يتناول مرحلة الانحطاط والأفول يرصد الممارسات الرقابية على الصحافة اللبنانية وخصوصاً بعد الحرب. وبالتالي، فإن قصير يعتبر حال الصحافة معياراً دقيقاً للحكم على العوامل الحضارية الأخرى، من سياسية، أو اقتصادية أو اجتماعية.

في الفترة الممتدة بين الحربين، اجتذبت دور النشر البيروتية، التي تتمتع بثراء مطبعي عريق، المخطوطات إليها وتوسعت حركة النشر فيها بشكل ملحوظ إثر الحرب العالمية الثانية. وأول الوافدين لنشر كتبه في بيروت كان بالطبع الشاعر الدمشقي نزار قباني. كما نشرت في بيروت أيضاً دواوين الشعراء العراقيين وتحديداً بدر شاكر السياب، وديوانه الأبرز “أنشودة المطر”، 1960، واحتكرت “دار العودة” ابتداءً من أواسط الستينات نشر كل ما له علاقة بالشعر الفلسطيني، وإليها بعث محمود درويش من حيفا، بديوانه الأول المنشور خارج فلسطين عام 1966، وفي غضون ذلك، استقبللت بيروت عام 1959 المخطوطة الثورية “أولاد حارتنا” التي لم يستطع نجيب محفوظ نشرها في القاهرة. لكن الظاهرة الفنية الأبرز جاءت على يد شعراء أقل انتشاراً تحلقوا حول مجلة “شعر”، التي أنشأها يوسف الخال. كما اجتذبت بيروت المفكرين السياسيين مثل ميشيل عفلق وصلاح بيطار.

كانت بيروت المكان العربي الوحيد الذي بإمكان مجمل أنواع المنشورات العربية أن تصدر منه، حتى تلك التي تعارض جمال عبد الناصر. وذلك بعدما انطفأت الصحافة في مصر ودمشق. وأتى كثر من رجال الصحافة إلى بيروت مثل رياض الريس، ورفيق خوري، ونبيل خوري، والروائي غسان كنفاني. وما من مسألة حساسة في العالم العربي إلا وعبرت عن نفسها من خلال الصحافة اللبنانية. وسرعان ما أصبحت تعددية الصحافة في لبنان سلاحاً تستخدمه الأنظمة في المعركة التي تخوضها على جبهات الحرب العربية الباردة. 

من خلال ما كتبه المؤرخ سمير قصير عن هذه المرحلة، فإننا ندرك أن الارتباط بين التطور السياسي، والاقتصادي مرتبط بحيوية الثقافة والفنون في المجتمع. وهذا ما يساعد على النظر إلى المرحلة الحالية، إذ تركز معظم الجهود الرسمية والدولية على الإنعاش الاقتصادي، على المساعدات المالية، بينما نرى أن هناك إمكانات ثقافية وفكرية تمتكلها المدينة بيروت يمكن استثمارها وتفعليها في الفترة الحالية. لكن تنشيط الحركة الثقافية والفنية كحل للخروج من الأزمة السياسية والإجتماعية، يتطلب فضاءً كامل الحرية من التعبير، وهذا ما لا يتوافر في الفترة الحالية، فمن المعروف مدى التضييق الذي يتعرض له الوسط الثقافي والصحافي والفني في الفترة الحالية في لبنان.

الحرب في الفنون

وحتى حين الكتابة والتأريخ للحرب، يستمر سمير قصير في بحثه عن الأعمال الفنية التي تمكنه من سرد الوقائع بالأسلوب الفني. يختار المؤرخ سمير قصير أن يروي عن الجو السابق للحرب، من خلال فيلم ومسرحية. الفيلم السينمائي هو “بيروت يا بيروت”، 1974 للمخرج مارون البغدادي بالاشتراك مع الممثل عزت العلايلي. موضوع الفيلم نقد يوجهه شاب يناهز الخامسة والعشرين من العمر إلى مدينته العاجزة عن تفهم هواجس أبناء جيله السياسية والفكرية والثقافية والجنسية، والمفتوحة على رغم ذلك على جميع الاحتمالات. إنه فيلم الوداع، شهادة استثنائية عن اللحظة التي سبقت السقوط، الفيلم يصور مدينة أخرى مختلفة عن التي طالعناها من خلال الكثير من الأفلام سابقاً، فهو يتضمن مزيجاً من التشنج والخفة اللذين سيكشف عنهما لاحقاً في زمن الحرب المخرج الألماني فولكر شلوندورف في فيلمه المزور، والمخرج الجزائري فاروق بلوفة في فيلمه نهلا. وهذا قبل أن يرسم مارون بغدادي مجدداً لوحة عن بيروت تتميز بقدر أكبر من العبثية في فيلمه الروائي الثاني “حروب صغيرة”، 1982. أما المسرحية المختارة فهي الأولى أيضاً للمسرحي روجيه عساف، وهي مسرحية “مجلون”، 1968 التي كتب نصها هنري حاماتي، ولعبت فيها دور البطولة نضال الأشقر. لكن قوى الأمنية منعت العرض الأول للمسرحية بالقوة، لأنها تندد بالموقف السلبي الذي اتخذته الدول حيال ما يحصل في الجنوب وتدعوها إلى دعم المقاومة الفلسطينية. فما كان من الفرقة إلا أن انتقلت إلى مقهى الهورس لتتابع عرضها أمام جمهوره.

أما عن حراك الـ68، فيروي المؤرخ قصير أحداث التمرد الطلابي من خلال أغنية. كانت الحركة الطالبية، التي تشكل حلقة الوصل بين سجالات الإنتلجسنسيا والصراعات الاجتماعية، تعزز التسييس المتنامي للنضالات النقابية في أوساط الطبقة العاملة وأيضاً في الفئات الوسطى. تدفق الطلاب إلى الشوارع على أثر القمع الدامي على أثر تظاهرة قام بها مزارعو الجنوب وكذلك أثناء إضراب عمال معمل غندور. ومن هنا استوحى بول مطر، أغنية بالفرنسية تدعو المستمعين إلى تجنب أكل الشوكولا لأنه ملوث بدم الأبرياء. وكان وقع هذه الأغنية إيجابياً في صفوف زملائه الشبان الفرنكوفونيين المعارضين في المعهد العالي للأداب. وكان الحديث عن الحرب من خلال مسرحية “نزل السرور”، 1974 للمخرج والموسيقي زياد الرحباني. يرى المؤرخ أن هذه المسرحية تجمع العناصر والشروط التي تشرح الأسباب والعوامل التي أدت إلى اندلاع الحرب الأهلية، إذ يظهر أحد الجائعين المنادين بالثورة في نزل عائلي اجتمعت فيه شخصيات متباينة للغاية. فالمدينة المختلطة اجتذبت الأضداد وكانت عاجزة عن صهرها في بوتقة واحدة. 

إن إصرار المؤرخ على رواية الحرب أيضاً عبر الأعمال الفنية، يبين عمق العلاقة بين الفن والمدينة. فالفنون ليست نتاج فترات الازدهار أو الترفيه أو الكماليات وحسب. وإنما، نرى في الحرب، وسيلة تعبر فيها المدينة عن تجاربها. وهنا يمكن استنتاج أن الفنون عنصر جوهري ومصيري في أي ثقافة أو مدينة، إنها الوسيط الذي يمكن من التواصل مع روح المدينة وعوالمها وهواجسها. وبعد ذلك، فإن كان للفنون دور في الازدهار، فإن دورها البارز في الحرب اللبنانية يشدد على الكتابات الثقافية التي تزكي من دور الفنون في فترات النزاعات المسلحة أو الحروب الأهلية، وكذلك الكتابات التي تتناول دور الفنون في صناعة السلام. إن تعامل المؤرخ سمير قصير مع الفنون التي أنتجتها الحرب، يؤكد أهمية استمرارية العمل على دعم الفنون في فترات النزاع، لأن المؤرخين أو التاريخ عموماً يلجأون إليها لتحليل وإدراك أثر هذه الحروب على المجتمعات، وعلى الفكر، وعلى التجربة الإنسانية.

إقرأوا أيضاً:

ما بعد الحرب… أسئلة الفن والذاكرة

واجهت الفنون في مرحلة ما بعد الحرب أسئلة جديدة، كان جلها يتعلق بكيفية التعامل مع الذاكرة. فمنها من حاول الحفاظ على الذاكرة، كالمكان الخاص بالفن والموسيقى Bo18، والذي صمم على أساس العلاقة مع الذاكرة، فالمكان أنشئ في الكرنتينا في وهدة من الأرض على غرار المقبرة الجماعية المجاورة، وقد صممه المهندس برنار خوري الذي أراد لهندسته أن تعيد إلى الذاكرة زمن الحرب. في المقابل، كانت الجماليات والهندسات التي فرضتها مشاريع رفيق الحريري على المدينة تحاول القطع مع الذاكرة. يصف سمير قصير مشروع رفيق الحريري بالرغبة الدفينة في الانطلاق من الصفر، مع محاولة إضفاء وجه آخر على المدينة يخالف المورفولوجيا المعروفة للمدينة لأهداف اقتصادية بحتة ناتجة عن الاستثمار الخارجي: “يرتدي مشروع الحريري طابع مشروع مدينة جديدة لا تربطها بأصلها القديم أية علاقة، أي بكلام آخر مدينة بدون ذاكرة. إنها قطيعة مع الذاكرة الهندسية لتاريخ المدينة”.

سنتابع عبر الكتاب محاولات الفنون للنهوض مجدداً بعد الحرب، فقد أعاد مسرح بيروت فتح أبوابه بفضل إدراته الجديدة عام 1992، وظل يقاوم الظروف صامداً لـ6 سنوات، بعدما شهد عروض مسرحيات مهمة، كعروض الفرق التونسية بإدارة فاضل الجعيبي وتوفيق الجبالي، ومسرحية “الخادمتان” للكاتب الفرنسي جان جينيه، التي أخرجها العراقي جواد الأسدي، وعودة روجيه عساف إلى أحضان الدراماتورجيا الكلاسيكية إنما الخلاقة دوماً. أما “مسرح المدينة” فانطلق من نقطة الصفر بفضل جهود الممثلة نضال الأشقر، وقد عُرضت المسرحيتان الأخيرتان للكاتب السوري سعد الله ونوس. لكن “مسرح بيروت” و”مسرح المدينة” سيلهثان تعباً، بحثاً ممولين، على رغم أن أحد مصارف الحريري قدم الدعم لـ”مسرح المدينة”. 

أما في الأدب، وعلى رغم أن الحرب أنتجت جيلاً كبيراً من الروائيين فرضوا أنفسهم نخبة لما تنتجه الرواية العربية المعاصرة، ومنهم جبور الدويهي وإلياس خوري وحسن داوود ورشيد الضعيف ومحمد أبو سمرا وربيع جابر، وعلى رغم مواصلة الأدباء العرب نشر كتبهم في بيروت التي ظلت محتفظة بهذا الدور طيلة الحرب، لكن بدأت فترة من الرقابة الصارمة لم تشهدها البلاد سابقاً، إذ تدخلت الرقابة مراراً بطلب من السلطات الدينية السنية تارة لحظر الديوان الإيروسي لـ”حديقة الحواس”، عبده وازن، 1993، وتارة أخرى لمنع كتب المفكر الليبي صادق النيهوم على أساس أنها معادية للتقاليد. وكذا خضعت أعمال أدبية أخرى للسلطات الدينية والسياسية المتنوعة، في محاولات منعها أو التقليل من قيمتها. ولم يكن وضع الصحافة أفضل، فانتشار الصحف في بيروت في تلك الفترة، لم يتجاوز الانتشار الذي حققته جريدة “النهار” وحدها سابقاً في عام 1975.

ينتهي كتاب “تاريخ بيروت وفنون المدينة” في محاولة يائسة للنهوض، ولكنها تقابل بصعوبات مالية، ورقابة وخنق للحريات. إنها حالة تشاؤمية حيال المستقبل، وهذا ما يجعل قراءة الكتاب في المرحلة الراهنة مفيداً، فهو يبين الطابع الاستشرافي الذي توقعه المؤرخ سمير قصير للحظة الراهنة، وذلك من خلال تتبع ما كتبه عن الفنون. مع نهاية الكتاب، نكتشف أن الكثير من المؤشرات على مرحلة التدهور موجودة، ومثبتة، وواضحة في الكتاب. وليس ذلك لامتلاك المؤلف سمير قصير رؤية غيبية أو طرحه توقعاً منطقياً، بل لأن معياره في الحكم على ثقافة المدينة مستمد من الفنون وحرية الصحافة والفكر ودور النشر، وهذا ما مكنه من التقاط احتمالات التدهور والتراجع.

الفنون والثقافة خصوصية المدينة 

هكذا ينهي المؤرخ كتابه بانتقال مركز الثقافة العربية من بيروت إلى مدن أخرى في المحيط الإقليمي والعربي، وهذا الغياب التدريجي لدور بيروت الثقافي الذي يبدأ مع نهاية الكتاب، يصل اليوم في المرحلة الحالية إلى وضع الإنهيار مع ازدياد ظواهر التشدد والقمع والرقابة على الحريات الصحافية، الفكرية، والجنسية، خصوصاً مع ازدياد أعداد الملاحقات القضائية والدعاوى المقدمة بحق إعلاميين وكتّاب وصحافيين، وحتى نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي. إن كتاب تاريخ بيروت هو رسالة في أسلوبه وفي مضمونه، مفادها أن الفنون والثقافة هما الوصية الأساسية التي استخلصها المؤرخ الحاذق من رحلة التاريخ. هذه الوصية، حاول الكاتب المميز في حياته وأسلوبه سمير قصير أن يرسلها لنا عبر صفحات التاريخ الثقافي والفني لمدينة غاية الإشكالية وغزيرة التنوع. تتبع سمير قصير عالم بيروت الثقافي والفني والفكري، فجعل من كتابه رسالة إلى المرحلة البيروتية الراهنة، مفادها أن الفنون والثقافة هي البوصلة أو المؤشر الأساس لحيوية واستمرارية أي مدينة، أو ثقافة، أو حضارة، وهذا ينطبق على استثنائية بيروت، لكنها (الفنون والثقافة) لم تكن يوماً أولوية الحكام أو الزعماء العرب.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
عبدالرحمن الجندي – كاتب مصري
خالط الفرح الريبة والتوجس، أمسى جيلنا يخاف الأمل ويرهبه، توالت على رؤوسنا الخيبات تباعاً حتى خاصمنا الأمل ولم نعد نراه إلا بعين الشك.
Play Video
في عالم تسوده تقنيات حديثة يمكن استهداف أي شخص حتى الملوك والرؤساء والزعماء. محاولات الاختراق حصلت عبر برنامج مجموعة NSO الاسرائيلية ولكن لصالح حكومات اشترت هذه الخدمة بملايين الدولارات. الأرقام شملت هواتف رؤساء دول وملوك وزعماء ورؤساء حكومات. الأرقام المستهدفة تشمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي كان ضمن نحو 10 آلاف هدف تقف المغرب وراء محاولة اختراقها.

4:30

Play Video
تثير شركة NSO الاسرائيلية منذ تأسيسها الكثير من الجدل. الفريد في حالة NSO هو العلاقة الوثيقة والصريحة بأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. عدد كبير من موظفي الشركة هم ضباط متقاعدون في جهازي “الشين بيت” و”الموساد”

5:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني