fbpx

النخيل آخر خطوط الدفاع البيئي عن البصرة في “أرض محروقة”!

كان العراق ينتج ثلاثة أرباع التمور في العالم، ولكن إنتاجه الآن يمثل 5 في المئة فقط من الإنتاج العالمي، بعدما تحول تركيزة الاقتصادي نحو ما ينتجه من النفط، بعد عقود من الصراع دمرت مزارعه.

كانت الزراعة التي توارثها عبدالله عبدالجبار عن آبائه وأجداده، مصدر الرزق الوحيد له ولعائلته، ولا تزال كذلك حتى الآن. يعمل عبدالله الملقب بـ”أبو غسان” (62 سنة) معظم ساعات النهار في أرضه، يحصد الزرع ويعود إلى منزله محمّلاً بما تجود به مزرعته من تمر وخضروات مختلفة، مثل الباذنجان والخيار والبامية وغيرها. يتحدث عن أصناف مشهورة من أشجار النخيل كان يزرعها في السابق مثل الحلاوي، البريم، البرحي، الخضرواي، الكنطار، الزهدي، وأنواع أخرى، أما في الوقت الحاضر، فيقتصر الأمر على زراعة البريم والبرحي، جراء التلوث والتغير المناخي وجفاف الأنهار التي كانت تروي مزرعته. 

كان العراق ينتج ثلاثة أرباع التمور في العالم، ولكن إنتاجه الآن يمثل 5 في المئة فقط من الإنتاج العالمي

التقينا بأبو غسان في يومٍ تصحبه الغيوم، وهو يتمنى أن تهطل الأمطار لتسقي مزروعاته، لعلّها تخفف ولو قليلاً من أعباء السقي والحصول على المياه النظيفة. يصف لنا هذا الفلاح الجنوبي بنبرة حزينة، كيف كانت النخلة تروى دائماً من صعود المياه إلى النهر القريب من البستان، ثم يقوم بتخزين الماء بنفسه عبر سدة صغيرة يشيّدها يدوياً لمنع رجوع المياه إلى النهر في ظاهرة المد والجزر، لكن منسوب المياه انخفض في السنوات العشر الأخيرة، وانخفض بذلك اعتماد النخلة على مياه النهر، وما يصل إلى البستان لا يكفي لسقي كل الزرع.

يشكل شط العرب، محصلة التقاء نهري دجلة والفرات والفروع الأخرى الآتية من تركيا وإيران، مصدر المياه الأساسي لريّ بساتين النخيل البصرية. وقد عمدت إيران وتركيا إلى بناء مشاريع وسدود عملاقة على مجاري النهرين ومصادرهما، خلافاً لجميع الاتفاقيات والشرائع الدولية، ما أثر سلباً في العراق، خصوصاً أنه الطرف الأضعف في المفاوضات المتعلقة بشأن المياه مع جارتيه، ناهيك بعوامل أخرى جيوسياسية وطوبوغرافية، ساهمت في انخفاض منسوب المياه وارتفاع ملوحة التربة. كما تساهم المشاريع الصناعية والتمدد العمراني والتلوث النهري في موت أعداد كبيرة من أشجار النخيل.

يصف أبو غسان ما يحدث مع أشجار النخيل بـ”مؤامرة ضد المزارع العراقي لبقاء البلد مستورِداً وليس مصدّراً للتمور”، مشيراً إلى عوامل أخرى غير تلك التي تكمن في المتغيرات المناخية وشحّ في المياه، مثل افتقاد الحكومة والجهات المختصة إلى خطط لحماية الزراعة الوطنية أمام الأسعار التنافسية.

يشكل شط العرب، محصلة التقاء نهري دجلة والفرات والفروع الأخرى الآتية من تركيا وإيران، مصدر المياه الأساسي لريّ بساتين النخيل البصرية. وقد عمدت إيران وتركيا إلى بناء مشاريع وسدود عملاقة على مجاري النهرين ومصادرهما، خلافاً لجميع الاتفاقيات والشرائع الدولية، ما أثر سلباً في العراق

كان العراق ينتج ثلاثة أرباع التمور في العالم، ولكن إنتاجه الآن يمثل 5 في المئة فقط من الإنتاج العالمي، بعدما تحول تركيزة الاقتصادي نحو ما ينتجه من النفط، بعد عقود من الصراع دمرت مزارعه. وعلى رغم انحسار زراعة أشجار النخيل في العراق، يصرُّ مزارعون على الاستمرار وطرح منتجاتهم في السوق المحلية، ولكن منافسة التمور المستوردة، تقف حاجزاً أمام انتعاش قطاع النخيل في البلاد. والمفارقة أن التمور المستوردة أصلها يعود إلى أشجار نخيل صدّرها العراق إلى دول الخليج والعالم قبل عقود.

على مرّ الأزمان، عانت أشجار النخيل ما عانته من ويلات الحروب، وأزمات التغير المناخي والجفاف، فتحولت المدينة التي أطلق عليها “أرض السواد” لكثافة أشجار نخيلها المتراصة بعضها ببعض، إلى أراض قاحلة جرداء لم يبق منها غير ذكريات أهلها التي لا تغادرهم حتى اليوم.  

تراجع عدد أشجار النخيل في العراق إلى أقل من 9 ملايين شجرة مقارنة بـ33 مليوناً في الخمسينات، بحسب أرقام حكومية. وانخفض عدد المصانع التي توضّب التمر من 150 مصنعاً قبل عام 2003 إلى 6 مصانع فقط تعمل اليوم. 

إقرأوا أيضاً:

واحدة من أكثر الملوثات التي أصابت الأنهار العراقية هو التلوث باليورانيوم المخصب في حرب الخليج 1991، وحرب 2003، إذ أثر اليورانيوم المخصب في الإنسان عبر التشوهات الخلقية، وفي البيئة من خلال سرطنة التربة والمياه، حتى وصلت الخطورة إلى الأراضي الزراعية، فدمرّت الحرث والزرع، لتلفظ البساتين أنفاسها الأخيرة. أما السنون العجاف التي دفنت نخيل البصرة في مقابر جماعية، فكانت فترة الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988: “استغل نافذون الحرب بين العراق وإيران آنذاك، إذ قاموا بقلع نخيل والفسائل وشحنها إلى محافظات ودول أخرى، ما أدى إلى القضاء على نخيل البصرة بشكل كامل، إضافة إلى ذلك، أدت ملوحة الأرض والتلوث البيئي إلى قلة الأنتاج وتدني نوعية محاصيل التمر”، يقول عبدالرضا العلوان، وهو أستاذ في كلية علوم البيئة في جامعة البصرة.

لا يمكن حصر أسباب تراجع الزراعة في مدينة البصرة بسبب واحد أو سببين، فإنشاء عدد كبير من المستشفيات والمعامل الصناعية، والنشاطات البشرية المختلفة على ضفاف الأنهر أو بالقرب منها، هي أسباب أخرى لتلوث التربة الزراعية. كما أن التضخم السكاني وارتفاع أسعار الأراضي الزراعية، كما يرى العلوان، أدت إلى تحويل البساتين إلى تجمعات سكنية، قلصت من مساحات الأراضي الزراعية. وزارة الصحة والبيئة العراقية ذكرت في تقرير نشرته أن ضعف التشريعات القانونية الرادعة للمتجاوزين أدى إلى الاستيلاء على الأراضي الزراعية. أبو غسان يؤكد هذه المعطيات: “بالفعل لجأ الفلاح في الآونة الأخيرة إلى طريقة الكسب السريع، هناك فلاحون باعوا أراضيهم لتتحول إلى أراض سكنية، ومنهم من حولوها إلى محال تجارية، فلا داعي للعناء الذي يتكبدونه في الزراعة التي تتطلب عناية بالزرع ومتابعة حثيثة ووقت”.  

  • تم انجاز هذا التحقيق بدعم من : “Clingendael Institute” و  “Free Press Unlimited “

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
“الأرقام تبدو مشجعة بالنسبة إلى مشاركة النساء في الانتخابات حيث يمثلن 30 في المئة من المرشحين وهذا من شأنه تحقيق التوازن في صنع القرار”
Play Video
بعد 16 عاماً من توليها منصب المستشارة الألمانية، قرّرت أنغيلا ميركل مغادرة الساحة السياسية بسيرة ذاتية حافلة بالدفاع عن الحقوق المدنية وحقوق اللاجئين وانتقادات لمساوتها مع قوى استبدادية عالمية… من هي أنغيلا ميركل؟

2:52

Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني