fbpx

المحكمة الجعفرية والسفير “ذو الشأن”: صرف نفوذ سياسي لانتزاع طفلين من أمهما!

نحن أمام قضية طلاق، تواجه فيها المرأة السلطة الدينية مدعومة من سلطة سياسية. هنا نشهد قصة انتزاع طفلين من امهما بقرار قضائي شرعي بسبب حظوة سياسية لوالدهما المحسوب سياسيا على حركة أمل...

حكايات المحاكم الجعفرية في لبنان تتشابه. الدموع أيضاً، وإن كان لها طعم مختلف من حكاية إلى أخرى، إلا أنها كلها مالحة وحارة تنهمر على وجوه الأمهات. الغصة واحدة في قلوب كثيرات يعانين من الأحكام الجائرة التي تفرّق بين الأم وأولادها في سن صغيرة. وما يقال عن جور هذه المحاكم وفسادها بات أكثر مما لا يقال. ومع أن الحكايات كثيرة ومتشابهة، إلا أن هذه التي سنرويها هنا، في هذه السطور، لا تكشف ظلم المحاكم الجعفرية اللبنانية التي تجور بذكورية طافحة على النساء، فحسب، بل تكشف عن تدخّل السياسة في عمل هذه المحاكم، بما يسمح بصرف نفوذ فاضح على قضاة المحكمة الذين يتواطأون مع الزوج “ذي الشأن” في هذه الحكاية ضد طليقته التي باتت تواجه مافيا سياسية تتكاتف مع مافيا دينية لمحاولة أخذ ولديها (التوأمين) منها. 

الحكاية بدأت مذ وقع الطلاق بين السيدة عبير خشاب وزوجها السابق حسن نجم، وهو ديبلوماسي لبناني في ساحل العاج (أبيدجان)، كان يشغل منصب سفير لبنان في قطر لفترة طويلة، وهو محسوب على حركة “أمل” التي يرأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري. نجم طلّق زوجته غيابياً في الخامس من آب/ أغسطس الماضي، بعد انفجار مرفأ بيروت مباشرة، ليفجّر عائلته (مجازياً)، بإرساله أشخاصاً من قبله لتغيير أقفال منزله الزوجي بينما زوجته وولداهما خارج المنزل. عادت عبير لتجد أن مفتاحها لا يفتح أبواب بيتها. انتهى بها الحال مع طفليها عند بيت أهلها. واستكمل السفير، بأسلوبه “الديبلوماسي” عملية تدمير “إهراءات” العِشرة بين الطرفين، فاستخدم بوضوح نفوذه السياسي ليستحصل من المحكمة الجعفرية عبر القاضي بشير مرتضى على حكم بحضانة الولدين وتسفيرهما إلى ساحل العاج، معتبراً أن “شأنية والدهما الاجتماعية والمرموقة سترتد إيجاباً على الولدين كونهما سيستمتعان بحياة اجتماعية مرموقة وبرفاهية في العيش” ،كما جاء في القرار الذي انتهى إلى إعطاء الحضانة للسفير، وإبعاد الطفلين من حضن أمهما.  

المقطع الذي يشير الى “شأنية” الزوج لتبرير انتزاع الطفلين من امهما

دعوني أترجم: يقول القاضي مرتضى، المحسوب على حركة “أمل” أيضاً (المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي تتبع له المحاكم الجعفرية في يد حركة “أمل” منذ تأسيسه)، إن طالب الحضانة من محكمته، السفير المتنفّذ الذي يتمتع بـ”شأنية اجتماعية مرموقة”، أي يتمتع بحماية سياسية صلبة تؤمنها علاقته برئيس مجلس النواب نبيه بري ونفوذه الكبير كديبلوماسي، والذي أرسل من يغير أقفال المنزل الذي يعيش فيه طفلاه، قادر على تأمين “حياة اجتماعية مرموقة ورفاهية في العيش” لطفليه (بنت وصبي توأمين)، إذا انتزعهما من حضن والدتهما وهما على مشارف السابعة من عمرهما، وأخذهما معه إلى حيث يعمل في موقع سفير في ساحل العاج بعدما أُرسل إلى هناك، من دون حسم التشكيلات الديبلوماسية، التي تجمدت بعد استقالة الحكومة ودخولها تصريف الأعمال. 

 نحن إزاء قضية بين رجل “ذي شأن”، وامرأة يعتبرها النظام الديني والسياسي الذكوري الذي تواجهه، “بلا شأن” في تربية طفليها واحتضانهما، بل هذا شأن والدهما الذي سيؤمن لهما “حياة اجتماعية مرموقة” مسنودة بمركزه “الديبلوماسي”، وبـ”رفاهية في العيش”، بما يؤمنه له مستواه الاقتصادي الذي يمكّنه من شراء شقة من نبيه بري شخصياً! 

حسن نجم ارتبط اسمه بقضية فساد في السفارة اللبنانية في قطر، قبل أن يطلب العودة إلى الإدارة المركزية “لأسباب عائلية”، ولتحلّ مكانه كقائمة بأعمال السفارة اللبنانية في قطر فرح برّي ابنة نبيه بري، بقرار من وزير الخارجية آنذاك جبران باسيل. أثار تعيين ابنة بري مبعوثة ديبلوماسية إلى قطر، بدل نجم، موجة من الأسئلة دفعت وزارة الخارجية إلى إصدار بيان توضح فيه أن “التكليف حصل بعد كشف عملية اختلاس وسرقة للمال العام في السفارة اللبنانية في قطر. وتم استدعاء سفير لبنان في قطر حتى انتهاء التحقيق وتحديد المسؤولين عن هذا الجرم”. إذاً بحسب بيان الخارجية “تمّ استدعاء” السفير حسن نجم حتى انتهاء التحقيق، ولم يعد بإرادته “لأسباب عائلية” كما جاء في تعليله. ويتبين بعد التدقيق أن نجم مدّعى عليه من قبل النيابة العامة المالية في قضية الاختلاس مع السفير حسن سعد وحاتم نصر الله، كما يبيّن مستند حصل “درج” على نسخة منه، موجه من وزارة العدل إلى وزارة الخارجية لإبلاغ المدعى عليهم وبينهم نجم بحضور جلسة بتاريخ 20/01/2020 أمام قاضي التحقيق الأول في بيروت بالإنابة جورج رزق. وهذا يضع نجم في دائرة الشبهة، لكن بما أنه من حصّة “أمل”، تم “اختيار فرح نبيه بري لترؤس البعثة في قطر بانتظار جلاء الحقيقة وإجراء المناقلات الديبلوماسية خلال الفترة المقبلة”. 

المناقلات الديبلوماسية وضعت نجم في ساحل العاج، مع أنه كان طلب العودة إلى الإدارة المركزية “لأسباب عائلية كما قال”. لكن “الأسباب العائلية” تنتفي عندما تسنح فرصة للبقاء في المنصب، فانتقل إلى ساحل العاج، على رغم “الأسباب العائلية” التي دفعته للعودة إلى لبنان، من دون أن يعيّن رسمياً سفيراً هناك. لكنه يتمتع بصلاحيات سفير (قائم بأعمال السفير)، ويتمتّع أيضاً بنفوذ سياسي تؤمنه له الجهة السياسية التي وضعته في منصبه، والتي تغطّيه، ويصرف من نفوذها في المحكمة الجعفرية، ليصير عند القاضي رجلاً يتمتع بـ”شأنية اجتماعية مرموقة”، تسمح له بانتزاع ولدين من أمهما بعد احتساب القاضي عمريهما على التقويم الهجري ليبلّغهما السابعة من عمرهما (لم يبلغاها بعد بحسب التوقيت الميلادي)، ويصير من الممكن شرعاً إعطاء حضانة البنت لأبيها، بما أن حضانة البنت تجوز للأب بعد بلوغها السابعة، فيما سن الحضانة للصبي هي سنتين بحسب القانون الجعفري. 

يصرف نجم في المحكمة الجعفرية من نفوذ تؤمنه له علاقة متينة تجمعه بآل بري، لا يخفيها نجم نفسه، ولا تخفى عن أحد من عارفيه. وأبعد من ذلك، حصل موقع “درج” على مستند يعود إلى عام 2009، عبارة عن عقد بيع ممسوح لشقة في منطقة الشياح عقارياً، باعها نبيه بري شخصياً لحسن نجم. وطبعاً لبري الحق في أن يبيع، ولنجم الحق في أن يشتري. ولمن يجد مستنداً كهذا الحق أيضاً في أن يطرح أسئلة عن العلاقة التي تدفع بنبيه بري إلى بيع شقة لنجم. طبعاً لم يعرض بري شقته على تطبيق OLX، وعثر عليها نجم مصادفةً، واتصل ببري وذهبا معاً إلى الكاتب العدل وباع دولة الرئيس الشقة لـ”صاحب السعادة”!

نحن أمام قضية طلاق، تواجه فيها المرأة السلطة الدينية مدعومة من سلطة سياسية. نحن أمام امرأة تواجه سلطتين مجتمعتين في مواجهة رجل يستخدم “البلطجة” بحسب توصيف طليقته للانتقام من زوجته وانتزاع طفليها منها بسلطة الأمر الواقع وبسلطة المحكمة الجعفرية المتخلّفة عن مواكبة العصر وإنصاف النساء والأطفال. نحن إزاء قضية بين رجل “ذي شأن”، وامرأة يعتبرها النظام الديني والسياسي الذكوري الذي تواجهه، “بلا شأن” في تربية طفليها واحتضانهما، بل هذا شأن والدهما الذي سيؤمن لهما “حياة اجتماعية مرموقة” مسنودة بمركزه “الديبلوماسي”، وبـ”رفاهية في العيش”، بما يؤمنه له مستواه الاقتصادي الذي يمكّنه من شراء شقة من نبيه بري شخصياً! 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني