fbpx

وصف الجمهوريات التي كانت تُعرف بالجمهورية اللبنانية (7): جمهورية الضاحية الجنوبية والدواء الذي يصنع العقل الواحد

ديسمبر 13, 2020
وسط هذه الفوضى كلها، تشكلَ مؤخراً حزب يسمي نفسه "حزب غير المغضوب عليهم ولا الضالين" الذي يطرح نفسه منقذاً من هذه الأحوال الباعثة على اليأس التي تعيشها الضاحية.

ينشر موقع “درج” على حلقات كتاباً صدر هذا العام (2050) في نيويورك لكاتبه مارك دبوسي، وهو صحفي أميركي من أصل لبناني عاش في بيروت قرابة عشر سنوات. الكتاب، كما يقول عنوانه، يصف واقع الجمهوريات التي انقسم إليها ما كان يُعرف حتى العام 2040 بدولة لبنان.

الحلقات الست السابقة تناولت جمهوريات جبل لبنان وطرابلس والبقاع والجنوب ومشروع الوحدة بين صيدا وجزين وإمارة البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا. هنا الحلقة السابعة عن جمهورية الضاحية الجنوبية وصنع العقل الواحد فيها:

حين وصلت ليلاً إلى منطقة الجناح، حيث الحدود الفاصلة بين جمهورية بيروت الصغرى وجمهورية الضاحية الجنوبية، كان العتم الشامل يحول تماماً دون وضوح الرؤية. ذاك أن كلاً من الجمهوريتين تتخوف من أعمال تسلل تحصل في الليل بهدف التخريب عليها من الجمهورية الأخرى. وبالفعل بدا السكان قليلين جداً على الطرقات وفي الشوارع كأنهم خائفون من شيء ما يأتيهم على حين غرة. وفيما كانت المطاعم مقفلة والبيوت المضاءة قليلة تتناثر هنا وهناك، كانت تُسمع، بين فينة وأخرى، أصوات كلاب شاردة في الأزقّة النائية المتفرّقة.

وحينما استفسرت من السيد أبو أنيس الرحال عن سبب ذلك كله، قال بكل ثقة وحزم: إما أن نُفنيهم أو أن يُفنونا. وإذ تقدم بنا الحديث قليلاً، أحسست أن هذا الرجل المسنّ يعاني اكتئاباً يحاول تصريفه بالكلمات العنيفة التي يصبّها على آل العيتاني وباقي العائلات السنية البيروتية التي يسميها “العدو المصيري”. لكن أبو أنيس يوزع بعض شتائمه على جمهورية الضاحية نفسها. “فهل يعقل – كما قال بمرارة – أن يكون اسمنا الذي أقره اتفاق الفجيرة جمهورية الضاحية، وكيف يقبل أبناء شعبنا بمثل هذه التسمية المهينة؟”. وكي أخفف عنه قليلاً ذكرت له بعض ما كنت قد قرأتُه في كتاب قديم من أن “الضاحية هي بالنسبة لعديدين اسمٌ يبعث على الافتخار. فهي كثيراً ما وُصفت بالبطولة في التصدي لأعداء داخليين وخارجيين قبل عشرات السنين، كما تحدّت الولايات المتحدة الأميركية في عز قوتها وخطفت مواطنين أميركيين احتجزتهم لديها، فيما سمّاها أحد أبرز الصحفيين يومذاك بالضاحية النوّارة”.

لكن هذا كله لم يُقنع الرجل الثمانيني الذي راح يحدثني عن الصراعات الداخلية التي تعيشها الضاحية وتمنعها من أن تتوحّد كي تلحق الهزيمة الكاملة والنهائية بالأعداء البيروتيين. فهناك، كما روى، مشكلة حادة بين أصحاب الأصول الجنوبية وأصحاب الأصول البقاعية، وهي تتفاقم يوماً بيوم، حيث يؤمن البقاعيون بأنهم يتعرضون للتمييز في حجم التمثيل الحكومي الذي يحظون به، وفي إخضاعهم لقوانين لا يريدون أن يطبقوها، فضلاً عن الصرامة المتبعة في مكافحة بعض السلع الممنوعة التي ينتجها البقاع ويستوردونها منه بطرق غير شرعية. وهم يشكون كذلك مما يعتبرونه تشدداً في جمع الضرائب منهم وفي منعهم من إقامة المباني غير الشرعية، وهي أمور لا تُطبق بنفس الجدية على الجنوبيين. وفوق هذا، كما أضاف محدثي، يتأثر كل طرف من الطرفين بـ “تعليمات” تصله من جمهوريتي جبل عامل والبقاع، وهي في معظمها متضاربة تؤجج الخلافات بينهما وتفتح الباب للعنف والاشتباكات المسلحة.

وبالفعل يتجه شبان متذمرون ومن أصول بقاعية إلى نبش ماضٍ قديم جداً لم تعد تذكره أغلبية كاسحة من السكان، ولم يعد يعني لها شيئاً. فهؤلاء باتوا يتحدثون، ظانّين أنهم يحرجون الجنوبيين، عن رغبتهم في التسلح لأنهم، كما يقولون، يريدون أن يحرروا فلسطين ويصلّوا في المسجد الأقصى بالقدس. وهذا الموضوع، فضلاً عن غرابته، شديد الحساسية لدى الجنوبيين الذين يعرفون مدى الصداقة التي باتت تربط جمهورية جبل عامل بالدولة العبرية. ما هو أكثر من هذا هو الحيرة التي تضرب أغلب الجنوبيين الذين يتساءلون ببراءة مصطنعة: منذ متى يريد إخواننا البقاعيون تحرير فلسطين، ومنذ متى يتحمسون للصلاة في المسجد الأقصى، علماً بوجود مساجد كثيرة هنا لا يدخلونها بتاتاً.

على أي حال، يكفي قضاء يومين في فندق “أبو ذر الغفاري” في منطقة الشياح لإدراك خطورة ما يحصل في جمهورية الضاحية: فالاشتباكات الليلية لا تتوقف ولا تقتصر على الجنوبيين والبقاعيين. فعند الجنوبيين، تندلع بين وقت وآخر اشتباكات بين “النبطانيين الأحرار” و”أشبال الصوريين” و”شبان عنقون”، وهؤلاء الأخيرون هجّرهم البيارتة السنة، المتحالفون مع ميليشيا “بني معروف” الدرزية في جل البحر، من عين المريسة إلى الضاحية. وفي أوساط البقاعيين تدور حروب متقطعة أخرى بين “نمور آل علو” و”أسود آل ناصر الدين” وتشكيلات ميليشياوية متعددة لآل زعيتر وأمهز والمقداد وسواهم. وإلى هذا ينفذ شبان من الطرفين، بين وقت وآخر، غارات حربية مشتركة على المناطق التي يسكنها فلسطينيون على أطراف الضاحية، وعلى الأحياء المسيحية في المناطق الحدودية مع جمهورية جبل لبنان.

إقرأوا أيضاً:

وسط هذه الفوضى كلها، تشكلَ مؤخراً حزب يسمي نفسه “حزب غير المغضوب عليهم ولا الضالين” الذي يطرح نفسه منقذاً من هذه الأحوال الباعثة على اليأس التي تعيشها الضاحية. فالأمل، كما شرح لي حزبيّ متحمس في مقتبل العمر، هو أن يتولى السلطة الكاملة من يسمونه “السيّد روح الحق” ويلقّبونه بـ “الكومبيوتر الإلهي”. وعندما سألت هذا الشاب عن سر اللقب، قال: “لأن السيد يعرف كل شيء ويستطيع أن يفعل كل شيء. فالملاك جبريل هو الذي وضع في رأسه كومبيوتراً لم يستطع البشر حتى اليوم أن يصنعوا مثله، لا في أميركا ولا في اليابان. وروح الحق لا يأمر إلا بالحق الذي هو روحه”.

وبعدما دفعت الحوار قليلاً إلى الأمام سألته عما يريده السيد روح الحق هذا، فأجاب أنّه “سيجعلنا شخصاً واحداً، نلبس اللباس نفسه ونأكل الأكل نفسه، ونفكر مثلما يفكر هو ونتحدث مثلما يتحدث… لقد آن أوان التخلص من أزمنة التشرذم والفرقة، والانتقال من العتم إلى النور”. بعد ذاك شرح طريقة اشتغال “الكومبيوتر الإلهي” الذي يصب الناس في قالب حديدي واحد: “في هذا الكومبيوتر، يجتمع أذكى ما أنجبه البشر بأذكى ما أنتجته التقنية لإجراء عملية التحويل الضخمة من إنسان قديم إلى إنسان جديد متجدد”. وأضاف مستطرداً: “في البداية، يسلّط السيد بعض الأضواء الخافتة على رأس الشخص المعني الذي يراد تغييره، ثم يتمتم بضع كلمات سحرية يحاور بها الغيب ولا يفهمها أحد سواه، ليرفع بعد ذاك الأضواء بالتدريج لمدة خمس دقائق يحصل بعدها التحول”.

“لكنْ هل يمكن أن يظهر أشخاص لا يؤثّر فيهم هذا العلاج؟”، سألته.

“نعم، هناك قلة قليلة جداً ممن تمكّن منهم العهد القديم وعاداته الشريرة. هؤلاء يطبق عليهم السيد مرتبة العلاج رقم 2، وهي أن يصفع واحدهم كفّين على وجهه لأن الطاقة التي تنتقل من يده إلى خد الشخص المضروب طاقة سحرية لا يلبث مفعولها أن يصعد إلى الرأس ويعدّله. أما الذين لا يتحولون بنتيجة علاج المرتبة رقم 2، وهم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، فيُطبق عليهم علاج المرتبة رقم 3، إذ يبخّ السيد على وجه المريض سائلاً سحرياً، فيبرأ نهائياً ويتخلص من عاداته القديمة ليغدو مثله مثل الجميع تماماً. ذاك أن هذا السائل المصنوع من عرق السيد ومن مواد أخرى يتكتّم العارفون على ماهيتها، هو خلطة مادية – روحية عُرضت على أهم المختبرات العلمية في الغرب وجاءت التقارير كلها لمصلحتها”. 

وفي محاولة مني لترطيب كلامه بالغ الجدية، سألت الشاب المتحمس: “إذاً لماذا لا تستورد تلك المختبرات هذه المادة وتستخدمها في بلدانها”، لكنه أجابني بثقة لا تردد فيها بأن المفاوضات تجري فعلاً لهذا الغرض، وأنه علم من مصادر قريبة من السيد أن جمهورية الضاحية بدأت تفكر في تصديرها، لا بل أنها تراهن على عائدات اقتصادية دسمة توازن بها عجزها التجاري المتصاعد.

على أي حال، فالمعارضون للسيد يرفضون هذه السياسات والعلاجات برمتها ويعتبرون أنها تهين المواطنين وتهدد بتحويلهم إلى أشخاص مسحورين بلا هوية ولا شخصية. وبالفعل بادر هؤلاء إلى تأسيس حزب معارض أكد على تفضيله بقاء الانشقاقات والنزاعات، بل تفضيل أعمال التهريب والإخلال بالقوانين، على المشاريع المعمول بها “لخلق إنسان جديد”.

لكن قصة هذا الحزب لا تخلو بدورها من طرافة: فأعضاؤه المؤسسون حين تقدموا بطلب لنيل الرخصة الرسمية، أسموا أنفسهم “حزب الأفراد الأحرار”، لكن وزارة الداخلية، التي يسيطر عليها “حزب غير المغضوب عليهم ولا الضالين”، مثلما يسيطر على باقي الوزارات، اشترطت عليهم كي ينالوا الترخيص أن يحملوا تسمية “حزب المغضوب عليهم والضالين”، وألا يحملوا أية تسمية أخرى. وهكذا كان للأسف، لأن جميع الاعتراضات كانت تُقابَل بجواب واحد: “طزٌ فيكم وفي الديمقراطية والمساواة أمام القانون”. وعلى العموم أدى قبولهم بهذا الاسم المفروض عليهم إلى انتصاف الحياة السياسية بين حزب الموالاة، أي “حزب غير المغضوب عليهم”، وحزب المعارضة، أي “حزب المغضوب عليهم”. لكنه أدى أيضاً إلى ابتعاد الجماهير عن الحزب الأخير وتزايد عزلة أعضائه لأن قلة قليلة جداً من الناس هي التي تقبل أن تتسمى بـ “حزب المغضوب عليهم والضالين”.

واليوم يتوقع أفراد هذا الحزب الصغير أن يتعرضوا لحملة تستأصلهم ويقف وراءها السيد و”حزب غير المغضوب عليهم” ممن يتهمونهم بالعمالة للقوى الأجنبية وباستيراد أفكار “لا تمت بصلة إلى أصالتنا”، فضلاً عن “شق الوحدة الوطنية في جمهورية الضاحية”. وقد تناهى إليّ أن قيادة “المغضوب عليهم” تتهيأ للانتقال إلى العمل السري لأنها متخوفة من الضربة التي سيوجهها إليهم السيد وأتباعه تمهيداً لإعلان نظام بوليسي صريح لا يتسع إلا لحزب واحد. 

ويجزم الذين يروجون لهذا الاحتمال بأن مطار خلدة استقبل مؤخراً وفداً من “علماء كوريا الشمالية” مهمته تدريب النظام على إنجاز هذه المهمة الانتقالية بنجاح. فحين سألت مُحدثي عن هذا الوفد ولماذا يوصف أفراده بالعلماء، قال إن “علمه” يقوم على “تحويل البشر إلى كلاب، لكنها كلاب تظن نفسها بشراً”. وهذا، كما شرح لي، ليس مزاحاً أو سخرية، بل هو التصنيف الرسمي الذي تعتمده جمهورية كوريا الشمالية في عهد رئيسها الحالي كيم جونغ أون كيم إيل سونغ الذي حمل في اسمه جميع أسماء جدوده ممن تعاقبوا على الحكم منذ مئة عام. ويبدو أن هذا “العلم” هو أهم المنتجات الحالية لجمهورية كوريا الشمالية، حيث بُنيت لتدريسه جامعة تضم عشر كليات.

في هذه الغضون يتردد أن السيد روح الحق يزمع زيارة كوريا الشمالية ولقاء زعيمها في أقرب وقت بهدف التعارف المباشر وتوجيه الشكر وتبادل الخبرات بين التجربتين، وربما أيضاً لإجراء مقايضات مع الكوريين بحيث يصدّر لهم سائله العلاجي مقابل خبراتهم العلمية. وهذا ما يبدو أن اقتصاديي جمهورية الضاحية يعولون عليه كوسيلة وحيدة للتغلب على المشاكل الكثيرة، الاقتصادية وغير الاقتصادية، التي تتخبط بها دولتهم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
آمال شحادة – صحافية فلسطينية
اللد، البلدة الفلسطينية التي تواجه منذ سنوات سياسة تمييز وقهر ، شهدت هبة غضب كبيرة لم تقتصر على الاحتجاج على غزة والاقصى او الشيخ جراح، بل اشتعلت في وجه سياسة اليمين الإسرائيلي ضد المجتمع الفلسطيني.
Play Video
معطى جديد دخل على التطورات الفلسطينية مع تحرّك فلسطينيي الداخل في مدينتي اللدّ ويافا، فكيف تُقرأ هذه التصعيدات وهل ستتحدث تغييراً على المستوى السياسي الفلسطيني؟ الكاتب الفلسطيني مصطفى إبراهيم يُجيب.

5:16

Play Video
مشهدية هجوم مستوطنين على منازل فلسطينيين والاعتداء عليهم في مخطط لإجلائهم وتغيير وجه القدس الديمغرافي، جعلت شخصيات عامة داخل إسرائيل وخارجها تنتقد إسرائيل علناً…

1:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني