fbpx

أن تكون معارضاً في جمهورية “حزب الله”… قصص تهجير وتعنيف ومحاولات إسكات

ليست قصة الصحافية اللبنانية مريم سيف الدين أولى حكايات الترويع التي يتعرّض لها نشطاء وصحافيون ومواطنون، لا سيما في بيئة يسيطر عليها الثنائي الشيعي، وتسجّل الدولة غياباً واضحاً فيها، وهو غياب ينسحب على بقية المناطق اللبنانية، إنما يصل إلى ذروته في مناطق الثنائي.
الصحافية مريم سيف

سيف الدين تعرضت وأفراد عائلتها للاعتداء والتهديد بالقتل، من أقرباء لها ينتمي بعضهم لـ”حزب الله”، وهذا ليس الاعتداء الأول، بحق مريم وعائلتها، لكن الجديد هذه المرة هو تلكّؤ مخفر منطقة المرَيجة، في ضاحية بيروت الجنوبية، ورفض عناصره الحضور «إذا ما في قتلى أو جرحى». ووصل الأمر إلى حد التواطؤ بين عناصر في المخفر والمُعتدين عبر حجز مريم التي ظنّت أنها حين ستلجأ إلى المخفر ستكون بأمان، وستأخذ حقها.

فما بدا خلافاً عائلياً قديماً، بين خال مريم وعائلتها، تحول إلى قضية رأي عام أثارت جدلاً حول سطوة “حزب الله” مع الخارجين عن عباءته في مناطق نفوذه، الذين قد لا يعرف أحد قصصهم أو ما يتعرّضون له من ضغوط أو مضايقات.

بحسب مريم تعرّض شقيقها للضرب، علماً أنها ليست المرة الأولى التي يُعتدى عليه كما تقول على يد أحد الأشخاص المدفوعين من أحد أقرباء العائلة ومن بينهم شخص منتسب لـ”حزب الله”.  ما أثار قلق العائلة هو محاولات «لفلفة القضية ووضعها في إطار القضية العائلية، خصوصاً مع كل ما يُمارَس من نفوذ سياسي تُرجم بتدخّل أحد أقرباء النائب أمين شرّي (من كتلة حزب الله النيابية) ووقوفه إلى جانب المعتدين في المخفر»، كما تقول مريم. وعلى رغم التضامن مع مريم، إلا أنها تعرضت لحملة شرسة خصوصاً من جيوش #حزب_الله الإلكترونية لدحض ما حصل. مريم رأت أنّ هذه الممارسات «تكشف مجدّداً عن وجه الحزب الحقيقي، وتؤكّد أكثر فأكثر حجم التدخّل في القضية».

تروي مريم، أنها عندما ذهبت إلى المخفر كي تشتكي، عاملها المخفر بازدراء وتمييز مقابل معاملة لطيفة للأشخاص المعتدين عليها لتأخذ هنا الدولة ممثلةً بالمخفر صفة الانحياز للقوي، وهو غالباً ما يحدث مع من يملك وساطة أو نفوذاً سياسياً.

“حزب الله” وجدل الحرب السورية

قصة مريم أعادت النقاش حول حجم نفوذ “حزب الله” و”حركة أمل” أو ما يعرف بالثنائي الشيعي في الشؤون السياسية والشخصية للقاطنين تحت نفوذه أو المناطق الحاضنة.

الصحافية مروى عليق

الصحافية مروى عليق وهي من بلدة يحمر، جنوب لبنان، انتهى بها الأمر بعد ضغوط كثيرة إلى ترك لبنان مع عائلتها وهي تعيش حالياً في تركيا، تروي لـ”درج”: “وضعوا على مدخل منزلنا ورقة تهديد لمنعنا من العودة إليه…”، وذلك إثر دعم مروى الثورة السورية منذ عام 2011 وانتقادها تدخل “حزب الله” لمساندة رئيس النظام السوري شار الأسد.

بالتزامن مع معركة القصير عام 2013 والتي شارك فيها “حزب الله” إلى جانب النظام ضد فصائل المعارضة وتسببت بتهجير مجموعات واسعة من السوريين، كانت مروى تتعرض للنفي من قريتها أيضاً بسبب كتابتها منشوراً على “فايسبوك” يستنكر المعركة، وفق روايتها.

“حاصر مناصرون من حزب الله وحركة أمل بيتنا وحاولوا اقتحامه وحرقه إلا أن الجيران منعوهم. كسّروا أجهزة إنترنت كان أبي يعمل بها، ودعوا الناس إلى مقاطعتنا اجتماعياً واقتصادياً، فاضطر والدي إلى التوقف عن عمله، وهو توزيع الإنترنت على المنازل”.

مع بداية الثورة السورية، كان الانقسام الحاد حول تدخل “حزب الله” في المعارك الميدانية طاغياً على السياسة في لبنان، وكانت وسائل التواصل الاجتماعي تعبّر عن هذا الانقسام بطبيعة الحال.

الآن أصبح جميع أفراد العائلة في إسطنبول، بعدما فقدوا الشعور بالأمان، وتراجع مدخولهم المادي، ما سرّع قرار الهجرة.

17 تشرين وحملات الاعتداء

عام 2019 ومع بدء الانتفاضة اللبنانية، تعددت وقائع تعرض أشخاص للاستهداف بسبب مواقف سياسية معارضة أو غير منسجمة مع توجهات “حزب الله” العقائدية والسياسية.

علي جمول، من قرية عزة، جنوب لبنان، ناشط على وسائل التواصل الاجتماعي وفي والتظاهرات أيضاً، كان كتب منشوراً ساخراً من “حزب الله” على “فايسبوك”، في شباط/ فبراير 2019.

“شباب الحزب لا أحد يستدعيهم للتحقيق”

علي جمولtweet

انهالت عليه التهديدات والاتصالات التي ما لبثت أن تحولت إلى اعتداء، إذ هجم على منزله شخصان مناصران لـ”حزب الله”، ضربا شقيقه الأصغر (كان عمره 17 سنة) بدلاً عن علي الذي كان خارج البيت، ما استدعى نقله إلى المستشفى. علي لم يستطع العودة إلى قريته، حتى عقدت جلسة مع مسؤولي الحزب في المنطقة، من دون إسقاط الدعوى التي رفعها جمول على المعتدين، وكان رد فعل المسؤول حينها بحسب جمول عدم الاكتراث “شباب الحزب لا أحد يستدعيهم للتحقيق” وانتهت القصة هنا. لم يترك علي منطقته لكنه بات حذراً وينتبه لما يقوله ويفعله فعائلته لا تزال تسكن في منطقة ترزح تحت نفوذ الحزب.

“الخوف على عائلتي هو ما يقلقني”، يقول علي، “ففي ظل غياب الدولة لا تعلم ما الذي يمكن أن يحدث، لذا أصبحت آخذ بعض الاحتياطات، وأصبحت منشوراتي على السوشيل ميديا متاحة للأصدقاء فقط”.

قاسم سرور تعرض لاعتداء مماثل. فهو طالب جامعي يقطن في قرية السماعية قضاء صور. في آخر آب/ أغسطس 2020 كان يشارك في التظاهرات ويجاهر بمواقفه المنتقدة للسلطة التي على رأسها “حزب الله”. يوم 29-7-2020، دخل إلى المقهى الذي يجلس فيه يومياً مناصرون لـ”حزب الله”، فهددوه بأنهم سيلقنونه درساً إذا استمر بكتاباته، فما كان منه إلا أن شتمهم، فضربوه ضرباً مبرحاً.

ذهب قاسم إلى المستشفى ثم خرج وبحوزته تقرير طبيب شرعي. عائلته وقفت إلى جانبه وساندته، إلا أن رفاقاً له باتوا يتجاهلونه أو ينبذونه. يقول قاسم إنه لم يغير في تصرفاته ولا في كتاباته، فعائلته إلى جانبه وهذا يعطيه بعض الحماية.

حسين مرعي طالب جامعي أيضاً، من قرية عين بعال- قضاء صور، استفاق في أحد أيام عام 2016، على منشوراته الفايسبوكية، مطبوعة على أوراق وموضوعة في غرفته، ليكتشف أن عناصر من “حزب الله” أعطوا المنشورات لوالده ما أدى إلى خلاف داخل العائلة.

والضغط العائلي هو سلاح يستخدمه أصحاب النفوذ الحزبيين للضغط على الأفراد ومحاولة ترويض الخارجين عن الإجماع والانصياع للحزب عبر عائلاتهم ومحيطهم الاجتماعي. وقد تصاعد هذا الضغط كثيراً في مرحلة انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 وما تلاها من احتجاجات رفعت منسوب النقد الاجتماعي والسياسي، وشملت في قسم واسع منها رموزاً وشخصيات قيادية في “حزب الله” و”حركة أمل”. 

اللافت في حالات الاعتداء هذه هو أنها تجابه غالباً بمحاولات

التشكيك والسخرية من قبل مناصري الحزب والحركة،

وهذا ما حدث في قضية مريم سيف مثلاً.

في أيام الانتفاضة، نشر شاب صورة تسخر من رئيس مجلس النواب وزعيم “حركة أمل” نبيه بري. حينها أقدم مناصرون من “أمل” على خطفه وتصويره يتلو اعتذاراً بشكل مهين، كما تعرض لضرب مبرح وتكسرت أسنانه وحلق شعره. وعند سوقه إلى مركز للحركة، قام المسؤول بلكمه قائلاً: “لا بقى تعيدها”.

ذهب الشاب إلى المخفر لتقديم شكوى، لكن يبدو أن المخفر كان “حركي الهوى”، فنصحه من فيه بعدم تقديم شكوى “لأنو ما بتجيب نتيجة”، وعندما أصر كُتب في المحضر أنه “مضروب ضرباً خفيفاً”، وكأن أحداً لم يلحظ الدماء التي تملأ وجهه وأسنانه المكسّرة.

هذا الشاب الذي فضّل عدم ذكر اسمه، ليس خائفاً على نفسه الآن، بل على أهله، وهذا الخوف يفرض في حالات مماثلة حذراً في التعبير عن الرأي.

المخرج والناشط السياسي بشير أبو زيد، نال نصيبه من محاولات الإسكات خلال الانتفاضة اللبنانية. فبعدما كتب منشوراً على “فايسبوك” ينتقد فيه الإضاءة الدائمة أمام منزل رئيس مجلس النواب نبيه بري، فيما اللبنانيون يعانون أزمة تقنين كهربائي، تعرض أبوزيد للضرب أمام منزله ولمحاولة اختطاف ونقل إلى المستشفى وكشف عليه طبيب شرعي. لكن كما في حوادث مماثلة تمت لفلفلة القضية ونجا المعتدون.

اللافت في حالات الاعتداء هذه هو أنها تجابه غالباً بمحاولات التشكيك والسخرية من قبل مناصري الحزب والحركة، وهذا ما حدث في قضية مريم سيف مثلاً، إذ يحاول المدافعون عن “حزب الله” رد تلك الاعتداءات إلى كونها فردية وشخصية أو ردودو فعل عفوية، لا أكثر.

لكن الوقائع تثبت حقيقة أن سطوة “حزب الله” على محيطه وعلى الدولة وعلى أجهزة أمنية رسمية وغيرها، تجعل من قبضته على مناطقه أقوى، فتصبح معارضته داخل بيئته الاجتماعية محفوفة بالخطورة. ولعل حكاية النائب نواف الموسوي توضح حجم التداخل بين العام والخاص في العلاقة مع الحزب. فالنائب الذي قرر عام 2019 أن يخوض معركة مواجهة مع طليق ابنته بسبب تعنيفه إياها، أُجبر على الاستقالة والتخلي عن الحياة السياسية بالكامل، لأنه في لحظة ما قرر أن يسلك طريقاً لا ينسجم مع خيارات الحزب…

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

3:47

Play Video

7:06

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني