fbpx

ماري أنطوانيت ليست من الأشرفية… بل تسكن قصر بعبدا!

أراد النائب روجيه عازار أن يقول لنا: "كلوا البسكويت ولا تتذمروا من فقدان الطحين". قالها فعلاً، وصراحة، لكن مع شحنة كبيرة من الجهل والعنصرية والاستخفاف بآلام الناس ومصائبهم. قالها صراحة وضحك، كما لو كان جوع الناس مجرّد نكتة.

في الفيلم الذي يحمل اسمها (إخراج صوفيا كوبولا- إنتاج عام 2006) تكون الملكة ماري انطوانيت في جلسة مع صديقاتها وجارياتها وهنّ يخبرنها عما يتناقله الناس عنها ومنه “عندما قصد الجياع الملكة ليخبروها بأن رعاياها ليس لديهم خبز أجابتهم: فليأكلوا الكايك (الحلوى)”. وهنا تجيب الملكة التي تلعب دورها كريستن دانست باستغراب: “هذا هراء، لن أقول ذلك أبداً”. وهي محاولة من مخرجة الفيلم صوفيا كوبولا لإزالة هذا الالتباس التاريخي حول حكاية هذا القول المنسوب إلى آخر الملكات الفرنسيات قبل ان تعدمها الثورة الفرنسية بالمقصلة مع زوجها الملك لويس السادس عشر.

إعلان فيلم ماري أنطوانيت (2006)

الواقع أن هذا القول ظهر في كتاب لجان جاك روسو وكانت الملكة لا تزال في التاسعة من عمرها، والترجمة عن الفرنسية لا تشير بوضوح إلى نوع الخبز المقصود في القول، ويدعى بالفرنسية LA BRIOCHE، وهو نوع من أنواع الخبز المصنوع باستخدام الكثير من البيض والزبدة، وكان يعتبر في حينه خبزاً فاخراً وغالي الثمن. وهو كذلك بطبيعة الحال في لبنان اليوم، إذا قيس بسعر صرف الدولار، خصوصاً مع رفع الدعم.  

الواضح ان النائب في كتلة “لبنان القوي” روجيه عازار لم يشاهد هذا الفيلم. وواضح أنه لم يقترب من أي كتاب تاريخ يحكي عن الملكية الفرنسية أو الثورة الفرنسية أو أي شيء يتعلق بتاريخ فرنسا، وواضح أيضاً أنه لم يقرأ جان جاك روسو. فالرجل في حكايته التي حكاها على هواء محطة OTV، والتي تحولت بسرعة إلى مادة لسخرية رواد مواقع التواصل الإجتماعي، يخلط بين ماري انطوانيت وسيدات الأشرفية، مضمّناً خلطه هذا الكثير من التنميط المقزّز لسيدات منطقة لبنانية، يعتبرهن النائب العوني متعاليات ومتكبّرات على نعمة الطحين المدعوم التي يمنّ بها العهد القوي برئاسة ميشال عون على اللبنانيين. والحكاية، على علّاتها، تبدو حاضرة بتشرذم في ذهن النائب المقتدر اقتصادياً (يملك معامل ومصانع للرخام وهو من كبار رجال الأعمال الذين رشحهم التيار العوني لما يملكونه من مال واستثمارات)، ومع ذلك فيها عناصر من الشبه الذي دفعه إلى إسقاط مماثل بلا وعيه، وبلسانه الذي يسبق تفكيره.

من على منبر التيار الذي أسسته ماري انطوانيت، عفواً اقصد أسسه رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، آخر “ملوك الطوائف” الذي يسكن قصر فيرساي… عفواً، قصر بعبدا.

فهو اختار أن يسترجع الحكاية لأنه يحكي عن الطحين والخبز. فتذكّر البسكويت (أو الكايك)، وهو اختارها لأنها، من دون أن يدري، تحكي عن ثورة. ثورة جياع ضد من يمنع عنهم الخبز. ثورة ضد الملكية التي تستحوذ على كل البذخ والامتيازات فيما الناس خائعون ومخنوقون، تماماً كما تفعل الطبقة الحاكمة في لبنان، والنائب عازار أحد أركانها المستفيدين من فسادها في أعماله وصفقاته. راودته الحكاية عن نفسه، لأن لا وعيه أحضرها إلى ذهنه، وقذفها إلى لسانه المتهوّر، من دون ان يعرف لماذا. حضرت مشتتة وضبابية، فخلط النائب بين فيرساي والأشرفية، وبين ثورة تشرين والثورة الفرنسية، وبين جبران باسيل ولويس السادس عشر.

أخبر الحكاية كما راودته، بالأسماء التي حضرت إلى ذهنه أولاً: “يمكن ماري روز بالأشرفية”. وحينما صحح له المحاور بأنها تدعى ماري أنطوانيت، أجاب أيضاً بما توفر له من “ذكاء”: “يقال إنو كانت موجودة بالأشرفية”. ضحك النائب ضحكة مدوّية بعد تصحيح الإعلامي. ضحكة لا توحي أبداً بأنه يحكي الحكاية كما يرويها صاحبها الأصلي جان جاك روسو، أي من وجهة نظر الفقراء الذين لا يملكون ثمن الخبز. لو أنه استحضرها في سياقها الأساسي، لكان الأجدى به أن يبكي بدل أن يضحك. روسو يستحضر القول على لسان أميرة في “الاعترافات” (سيرة ذاتية)، أجابت عندما اخبروها أن الفلاحين ليس لديهم خبز، “إذاً دعوهم يأكلوا الـBRIOCHE”.  

أراد النائب أن يقولها بنفسه. أن يكون هو ومن يمثّل، ماري انطوانيت المفترضة، أو الأميرة في سيرة روسو. أراد أن يقول لنا: “كلوا البسكويت ولا تتذمروا من فقدان الطحين”. قالها فعلاً، وصراحة، لكن مع شحنة كبيرة من الجهل والعنصرية والاستخفاف بآلام الناس ومصائبهم. قالها صراحة وضحك، كما لو كان جوع الناس مجرّد نكتة. قالها على الهواء مباشرة. من على منبر التيار الذي أسسته ماري انطوانيت، عفواً اقصد أسسه رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، آخر “ملوك الطوائف” الذي يسكن قصر فيرساي… عفواً، قصر بعبدا.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني