fbpx

كارتلات المخدّرات المكسيكية: بين “الاتصال الآسيوي” والسوق الأوروبي

تتّصل كارتلات المخدّرات المكسيكيّة بشبكة علاقات واسعة من أقصى الشرق في الصين إلى أوروبا تحديداً هولندا. فيستخدم "طهاة" مكسيكيين المواد الأوليّة الصينيّة لطهي مخدّر الفنتانيل وتصديره. كما تستفيد العصابات الهولنديّة من خبرة المكسيكيّين بطهي مخدّر الميثامفيتامين.
هذا التحقيق هو جزء من “مشروع الكارتيلات”، وهو سلسلة من التحقيقات التي ينشرها مشروع “القصص المحظورة” وشركائه الـ 25 من بينهم “درج” بعد ثماني سنوات على قتل الصحافية المكسيسكيّة ريجينا مارتينيز، بسبب تحقيقاتها التي أزعجت كارتيلات المخدرات والسلطات المحلية.
يشارك “درج” بهذا المشروع انطلاقاً من إيمانه بضرورة وواجب حماية مهنة الصحافة ودورها في كشف المعلومات ومحاسبة من هم في السلطة. فمن يقتل صحافياً، سيدفع ثمناً باهظاً. من يخنق صوتاً، سيجد أصواتاً تلاحقه حتى المحاسبة.

فنتانيل: مواد صينيّة أودت بحياة الآلاف

تتحايل الشركات المصنعة الصينية عمداً على القوانين لإرسال المواد الأولية الكيميائية المستخدمة في إنتاج الفنتانيل إلى المكسيك.

ويلخص تقرير سري لإدارة مكافحة المخدرات الأميركية يعود إلى تشرين الأول (أكتوبر) 2019 ونُشِر في “التسريبات الزرقاء” الوضع في شكل واقعي: “تشير بيانات إنفاذ القانون التي جرى تحليلها وتعود إلى ما بين عام 2018 ونهاية شباط (فبراير) 2019 إلى أن كارتيل سينالوا كرس نفسه كمنتج ومهرب بارز للفنتانيل انطلاقاً من المكسيك وباتجاه الولايات المتحدة”.ً  وعلى رغم اعتقال خواكين غوزمان، زعيم الكارتيل الشهير المعروف باسم “إل تشابو”، عام 2016، اعترفت إدارة مكافحة المخدرات بأن تجارة المخدرات لا تزال تعمل بكامل طاقتها.

وفي الجهة المقابلة من الحدود، في الولايات المتحدة، أودت المخدرات بحياة الآلاف. وعام 2018، تحمل الفنتانيل والعقاقير الاصطناعية المماثلة مسؤولية ما يقرب من نصف الوفيات الناجمة عن جرعة زائدة من المخدرات في الولايات المتحدة والبالغ عددها 67 ألفاً و367 حالة وفاة. ويمثل هذا زيادة بنسبة 10% عن عام 2017 – وهو وباء يعادل أزمة الهيروين في 2000-2010. وفي ذلك الوقت، كان الهيروين (المصنوع باستخراج المورفين من نبات الخشخاش) يعيث فساداً في أميركا الشمالية. وكانت العصابات المكسيكية تجني المنافع. وعام 2016، جاء 90% من الهيروين المباع في الولايات المتحدة في المكسيك.

وفي تقرير يعود إلى عام 2019، قدرت إدارة مكافحة المخدرات أن حبة الفنتانيل يكلف إنتاجها دولاراً واحداً فقط. ومن ثم يُعَاد بيع كل حبة في الولايات المتحدة في مقابل 10 دولارات أو أكثر. وهذا يشبه الفوز بالجائزة الكبرى في نظر الكارتيلات المكسيكية، ويحتل كارتيل سينالوا الطليعة.

وحتى وقت قريب جداً، أنتجت الصين أغلبية الفنتانيل المباع في الولايات المتحدة. لكن القواعد الأكثر صرامة التي فُرِضت على الصعيد الدولي وفي الصين عام 2017 و2019، غيرت اللعبة. فقد أصبح شحن الفنتانيل مباشرة أكثر خطورة.

ومع الشبكة الراسخة لكارتيل سينالوا، كانت لديه بنية تحتية متينة للتوسع في المخدرات الاصطناعية. ووصفت إحدى مذكرات إدارة مكافحة المخدرات الصادرة من خلال “التسريبات الزرقاء” حلقة منظمة للغاية شملت مستودعات على الحدود وموزعين في أنحاء الولايات المتحدة كلها. وبالإضافة إلى ذلك، فصّل التقرير إحدى تقنيات الكارتيل في الحصول على المواد الأولية، مشيراً إلى تورط “فرد مقره في مدينة كولياكان بولاية سينالوا المكسيكية”، كان يعمل بائعاً مستقلاً. وكانت مهمته شراء “كميات كبيرة إضافية من المواد الأولية الكيميائية للفنتانيل مباشرة من الصين” نيابة عن الكارتيل.

ولتجنب تشديد القواعد في الصين، يغتنم بعض المواطنين الصينيين الفرصة لنقل أجزاء من أعمالهم الى بلدان ذات مراقبة اقل صرامة، ولاسيما الهند.

وعام 2019، قالت إدارة مكافحة المخدرات: “يُعتقد أن هذا المواطن الصيني يواصل إرسال المواد الأولية الكيميائية إلى الكارتيلات المكسيكية لتصنيع الميثامفيتامين، ونظائر الفنتانيل، ومشتقاته، وكذلك الفنتانيل المكتمل”.

تجارة الميثامفيتامين: العصابات الهولنديّة 

يُرسَل خبراء الميثامفيتامين (أو “الطباخون”) إلى أوروبا من المكسيك من أجل مساعدة العصابات الهولندية في إنتاج هذا المخدر المربح للغاية وإرساله إلى آسيا.

وفي السنتين الماضيتين، فُكِّكت عشرات من مختبرات الميثامفيتامين في هولندا وبلجيكا. ووفق أرقام “القصص المحظورة”، أُلقِي القبض على ما لا يقل عن 16 طباخاً مكسيكياً، على بعد أميال من موطنهم. وتتوقع السلطات الأوروبية الأسوأ: فمع إشباع السوق الأميركية، يمكن للكارتيلات المكسيكية، أي الخبراء الحقيقيين في إنتاج الميثامفيتامين، أن تبحث عن أسواق جديدة. وبفضل المعلومات الحصرية المتأتية من اختراق شبكة الاتصالات الأوروبية “إنكرو تشات”، الذي أدى إلى تفكيك مختبرات الميثامفيتامين، تعمق “القصص المحظورة” وشركائه في حياة المواطنين المكسيكيين الذين عبروا نصف العالم للعمل لصالح العصابات الأوروبية.

قدرت إدارة مكافحة المخدرات أن حبة الفنتانيل يكلف إنتاجها دولاراً واحداً فقط.

ومن ثم يُعَاد بيع كل حبة في الولايات المتحدة في مقابل 10 دولارات أو أكثر.

ما الذي يفسر وجود مواطنين مكسيكيين في مختبرات الميثامفيتامين على بعد آلاف الكيلومترات من الموطن؟ لمن يعملون؟ وبمجرد إنتاج هذه المخدرات، إلى أين يذهبون؟
بمساعدة 25 من وسائل الإعلام والوصول إلى معلومات حصرية عن واحدة من أكبر عمليات الشرطة في أوروبا حتى الآن، حقق “القصص المحظورة” في رحلة الكيميائيين المكسيكيين الذين يأتون للعمل لملوك المخدرات الاصطناعية في أوروبا: العصابات الهولندية.

فتلك الشبكة الهولندية يجب أن توفر المواد الخام، والأجهزة، وكل شيء يجب أن يكون سليماً، وفي النهاية يقول المكسيكي: “حسناً، هذه هي الطريقة التي يمكنني أن أنتج المنتجات لكم”، وفق توضيح من رئيس الشرطة الهولندية. “وهذا ما نقوم الآن ببحثه بمساعدة إنكرو تشات: كيف نسحب هؤلاء الوسطاء من السوق. وهذا أمر معقد للغاية، لأنهم موجودون في المكسيك ولا يأتون إلى هنا إلا في شكل متقطع، عندما كان ذلك لا يزال ممكناً”.

ووفق أرقام مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، توجد معظم المختبرات المفككة التي أنتجت الإكستاسي في أوروبا، ولا سيما في بلجيكا وهولندا. “لديها المعدات الضرورية والبنية التحتية الكاملة لتوريد المواد الأولية الكيميائية، ولاسيما من الصين أو الهند”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني