المرأة التونسية إذ تهان تحت قبة البرلمان… وفي كل مكان

"الأمهات العازبات إما عاهرات أو مغتصبات"... هكذا من دون أي إجراءات رادعة، تتكرّر حوادث العنف اللفظي والمعنوي والجسدي أيضاً بحق التونسيات، داخل البرلمان، في المناول، في الشوارع، في كل مكان.

فيما تواجه تونس على أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، هي الأسوأ منذ الاستقلال وتتطلب حلولاً عاجلة وقرارات استثنائية، يواصل نواب التونسيون معادون لمدنية الدولة، اللعب على أوتار قضايا جدلية جانبية تم حسمها قانونياً، للتغطية على فشلهم في حل الأزمات الحقيقية الراهنة. ففيما تعجز الحكومة عن تمويل ميزانية البلاد، ولا يجد البرلمان الجرأة لتمريرها بسبب نواقصها ومشكلاتها العالقة، يترك النائب عن “ائتلاف الكرامة” محمد العفاس هذه المعضلة المطروحة أمامه كنائب منتحب من الشعب لإيجاد الحلول وتجاوز الأزمات، ويشنّ هجوماً على المرأة التونسية، محاولاً تحقيرها  والانتقاص من قيمة مكاسبها وحريتها، عبر خطاب متطرف، لم يشهد البرلمان التونسي مثيلاً له حتى في السنوات الأولى التي تلت الثورة وانتعش خلالها التطرف.

النائب التونسي محمد العفاس

ففي مداخلة تحت قبة البرلمان في 3 كانون الأول/ ديسمبر 2020، توجه العفاس إلى وزيرة المرأة والأسرة وكبار السن إيمان الزهواني، مهاجماً المرأة التونسية واصفاً إياها بنعوت نابية، غير آبه للقوانين التي شرعت منذ عقود لحمايتها ولمبدأ مدنية الدولة الذي أقره الدستور الذي أقسم النائب المغمور على احترامه يوم وصل إلى البرلمان. 

ولأكثر من 6 دقائق، صب النائب خطابه التكفيري والتحريضي ضد المرأة وضد المدافعين عن حريتها ومكاسبها من دون أن يقاطعه أحد من الحاضرين، بما في ذلك رئيس الجلسة المطالب بعدم السماح بتمرير خطابات مسيئة ومتطرفة، ووزيرة المرأة الموكلة بحماية النساء في هذا البلد وتفعيل القرارات والقوانين لتحقيق ذلك. واستخدم في خطابه هذا ثنائية ”هم ونحن”، “هم” وتعني بنظره المؤمنين والمؤمنات بالحقوق والحريات والمدافعين عنها، و”نحن” التي عنى بها المؤمنين بالأفكار المتطرفة التي تنظم حياة المرأة، في مشهد جعل البرلمان يبدو كوكر لترويج الأفكار المتطرفة بشأن قضايا خيل للتونسيين أنها حُسمت تماماً.

وقال العفاس: “هم يتكلمون عن حرية المرأة، ونحن نعتبرها حرية الوصول إلى المرأة، ما يسمونه حرية نسميه تحرراً، وهو أن يكون المرء عبداً للموضة والغرب والشهوات ولدعوات الفسق والفجور، المرأة عندهم سلعة رخيصة مكشوفة لمن هب ودب، وعندنا جوهرة غالية نفيسة محفوظة”.

وأضاف: “مكاسب المرأة عندهم الأمهات العازبات، الإنجاب خارج إطار الزواج، الحق في الإجهاض، ممارسة الرذيلة، الشذوذ الجنسي، ونقول لهم إن هي إلا أسماء وضعتموها، ما أنزل الله بها من سلطان، الأمهات العازبات هن إما عاهرات أو مغتصبات، الإنجاب خارج إطار الزواج هو زنا، الإجهاض هو قتل نفس بغير حق، الحرية الجنسية عهر”.

وتابع: “دولتهم هي التي خلفت المواخير، وتاريخنا شرف على شرف، نماذج المرأة عندهم الزوجة الخائنة والطالبة اللعوب والبنت العاقة والشغالة المتحرشة، هم يدافعون عن عمى، عن مجلة الأحوال الشخصية، ويقولون إنها خط أحمر، ونحن ندافع عن بصيرة، عن أحكام رب العالمين ونعتبرها خطاً أحمر. هم رخّصوها والإسلام أكرمها”.

وأردف: ”مأوى العجزة وديار المسنين التي ترعونها نسميها نحن مراكز العقوق”.

وقد لا يبدو غريباً أن تصدر تصريحات مماثلة عن هذا الرجل لاعتبارات عدة، أولها أنه دأب على تمرير خطابات متطرفة حتى قبل وصوله إلى البرلمان، وتم عزله عام 2015 من إمامة المصلين في أحد مساجد محافظة صفاقس (جنوب) لتشجيعه على الإرهاب وتمريره خطابات متطرفة. وثانياً، في ظل اتهامه بالتورط في تجنيد تونسيين للقتال في سوريا وهي قضية أثيرت في الفترة الأخيرة، على خلفية تصريحاته ضد المرأة، وكان آخرها ما صدر عن القيادي في “حزب حركة الشعب”، و”الكتلة الديموقراطية” في البرلمان سالم الأبيض، الذي اتهم العفاس بالتحريض ودعوة الشباب التونسي إلى الالتحاق بجبهات القتال في سوريا خلال إمامته لأحد المساجد عام 2013. كما يتم تناقل مقطع فيديو منسوب إلى العفاس ويعود تاريخه إلى 29 آذار/ مارس 2013 يظهر فيه النائب بصدد إمامة المصلين وحثهم على الجهاد في سوريا. هذا من دون أن ننسى أن العفاس أكد آذار 2020 في مداخلة له في البرلمان أن “التكفير حكم شرعي ولا يجوز الخجل به”.

من جهة أخرى، فإن ائتلاف الكرامة الذراع اليمنى لـ”حركة النهضة الإسلامية”، والذي ينتمي إليه العفاس قد اعتاد نوابه على ممارسة العنف السياسي خصوصاً ضد المرأة، وكيل الشتائم والسباب إلى زميلاتهم داخل البرلمان، حتى أن “نقابة الصحافيين التونسيين” ومؤسسات إعلامية عدة، دعت إلى مقاطعته بسبب مواقفه المتطرفة. وعلى رغم الدعوات المتتالية الموجهة إلى رئيس البرلمان راشد الغنوشي، باتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف عنف هذا الحزب، إلا أنه دأب على التغاضي والتجاهل، في خطوة اعتبرها كثر من النواب مباركة ضمنية لتجاوزاته.

ولعل هذا الصمت أو الضوء الأخضر الذي يتلقاه الحزب من رئاسة البرلمان، التي يدرك التونسيون أنها تتبنى هذه الخطابات المتطرفة، ويتم تبرير تصعيد نواب “ائتلاف الكرامة” مستوى العنف الصادر عنهم منذ دخولهم قبة المجلس. فبعد السب والشتم والتكفير بلغ هؤلاء حد التحريض على المرأة وتهديد مكتسباتها والاعتداء بالعنف المعنوي والمادي على النواب الذين يعارضون خطابهم. وتعرض النائب عن “التيار الديموقراطي” أنور الشاهد الإثنين 7 كانون الأول/ ديسمبر إلى اعتداء من قبل نواب “ائتلاف الكرامة” داخل المجلس، فأثناء مشاركته في نقاشات لجنة شؤون المرأة المخصصة للنظر في تصريحات العفاس، تعرّض للعنف وجرح رأسه.

وأثار هذا المشهد حفيظة عدد من الكتل النيابية على غرار “الكتلة الديموقراطية” و”تحيا تونس” و”الإصلاح”، وبعض النواب المستقلين الذين دعوا العنوشي إلى رفع الحصانة عن نواب “ائتلاف الكرامة”، ومنحوه مهلة إلى حين المصادقة على الميزانية لاتخاذ الإجراءات اللازمة بحق هذه الكتلة ووضع حد لـ”العبث داخل قبة البرلمان” أو مواجهة مطالب سحب الثقة مجدداً. 

ولم يتوقف وقع خطاب العفاس وما تلاه عند النواب وحسب، بل تلقفته أيضاً منظمات المجتمع المدني لا سيما المدافعة عن المرأة، إذ استنكرت يسرى فراوس رئيسة “جمعية النساء الديمقراطيات” خطاب النائب عن ائتلاف الكرامة محمد العفاس معتبرة أنها صادرة عن “أطراف مدفوعة الأجر” تحاول تقسيم المجتمع التونسي بين نحن وهم، واستدعاء الدم والفكر المتعصّب في تونس. 

وحرض خطاب العفاس الأخير مناصري حزبه على استهداف الناشطات في الجمعية السالف ذكرها لا عبر مواقع التواصل الاجتماعي وحسب، بل تجاوزه إلى حد الاتصال بهن وتهديدهن بالاغتصاب. 

تقول فراوس لـ”درج”، “تلقينا كناشطات في الجمعية التونسية للنساء الديموقراطيات تهديدات مرعبة عبر مكالمات هاتفية من جهمور ائتلاف الكرامة من بين ما ورد فيها نحن قادمون لممارسة الجنس عندكن، نحن قادمون لاغتصابكن يا من تردن الحريات الجنسية لن نتأخر عنكن، وغيرها”.  

وحمّلت فراوس مجلس النواب المسؤولية الكاملة عن الاعتداءات على النائبات وعلى المرأة التونسية، إذ لم تصدر عنه قرارات أو تحركات كفيلة بوقف هذه الأشكال من العنف. 

وتقول: “على البرلمان أن يتذكر أنه من شرع قانون حماية المرأة من العنف منذ ثلاث سنوات وعليه اليوم أن يتحمل مسؤوليته ويوقف نزيف الاعتداءات المتواصلة ضد النائبات على غرار سامية عبو مريم اللغماني وعبير موسي. لا بد أن يثبت التزامه بوقف مسلسل العنف ضد المرأة الذي وصل إلى مستويات لم تعد تحتمل. أستغرب كيف تُرك العفاس وهو يبث سمومه وعقده الجنسية علناً في وجه التونسيات من دون أن يوقفه أحد في المجلس”.

وكانت “جمعية النساء الديموقراطيات” نددت في بيان لها بـ”تعمد العفاس إلقاء أبشع التهم على النساء في تونس ونعتهن بأقبح النعوت وبرميه تهم الخيانة والعمالة على كل المنظمات المدافعة عن حقوق النساء وعن الحريات متهماً إياها بالدعوات إلى الفسق والفجور”.

ودعت الجمعية مكتب البرلمان إلى إصدار موقف رسمي يستنكر فيه هذا الانتهاك الصارخ للدستور وللحقوق والحريات، الذي لا يمكن أن يندرج بأي حال من الأحوال تحت غطاء حرية التعبير التي تحجج بها هذا النائب”، وفق نص البيان.

واستنكرت موقف رئيس الجلسة العامة طارق الفتيتي، معتبرة أنه تواطأ معه عندما لم يقم بمقاطعته، وسمح بترويج إهاناته للتونسيات تحت قبة المجلس، مثمنة في المقابل، موقف النائبات والنواب الذين انسحبوا من الجلسة رفضاً لهذا الخطاب الذي وصفته بـ”التحريضي والإرهابي”.

ونددت جمعية “أصوات نساء” بما ورد في تصريحات النائب من “عنف لفظي ومعنوي ضد النساء وبإلقاء الدستور والقوانين عرض الحائط من قبل نائب شعب لا يعترف إلا بالشريعة وبتطبيق الأحكام الشرعية على النساء العازبات وعلى كل امرأة في تونس لا تلتزم بهذه الأحكام”.

واعتبرت “أصوات نساء” أن الخطاب الذي يتبناه “ائتلاف الكرامة” يعد اغتيالاً لقيم الدستور وطموحات الثورة التونسية وبخاصة لطموحات التونسيات والتونسيين المناصرين لجمهورية الحرية والمساواة بلا تمييز أو عنف أو إقصاء.

ويذكر أن هذا يحدث على رغم أن تونس قامت بتجريم العنف السياسي ضد النساء بالقانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المؤرخ في 11 آب/ أغسطس 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة الذي لا يبدو ذات فائدة تذكر حتى الآن.

فبالعودة إلى ما يحدث فعلياً وعملياً على أرض الواقع في البلاد فإنه يمكن الإقرار بأن القانون المناهض للعنف ضد المرأة لم تكن الغاية منه سوى التباهي والاستعراض الأجوف أمام بقية الدول لا غير، ولترويج صورة وهمية تدّعي حماية المرأة التونسية واحترام حقوقها، في حين تقول الوقائع على الأرض غير ذلك، وتؤكد أن هذه القوانين على أهميتها من ناحية تشريعها ولكنها لا تزال مجرد حبر على ورق.

“على البرلمان أن يتذكر أنه من شرع قانون حماية المرأة من العنف منذ ثلاث سنوات

وعليه اليوم أن يتحمل مسؤوليته ويوقف نزيف الاعتداءات المتواصلة

ضد النائبات على غرار سامية عبو مريم اللغماني وعبير موسي”.

فعلى سبيل الذكر لا الحصر، تهكم النائب عن “حزب صوت الفلاحين” فيصل التبيني من الحقوقية التونسية بشرى بالحاج حميدة في أيلول/ سبتمبر الماضي لخلافهما حول تفعيل عقوبة الإعدام.

وقال البرلماني التونسي حينها إن “بشرى بالحاج لا ترفض عقوبة الإعدام في حق المغتصبين والقتلة من باب احترامها حقوق الإنسان إنما لأنها متأكدة أنه من المستحيل أن تتعرض للاغتصاب ولا أحد ينظر إليها كأنثى أصلاً حتى يفكر في اغتصابها”.

وعلى رغم الجدل الكبير الذي أثارته الحادثة حينها وردود الفعل المستنكرة والقضية المرفوعة ضده، إلا أن النائب يواصل نشاطه من دون أي عقوبة تذكر كما أنه ليس من المرتقب أن يواجه أي إجراء ردعي لاحقاً.  

وفي حادثة أخرى أيضاً، في نيسان/ أبريل 2020 داخل البرلمان وأثارت جدلاً كبيراً وضجة في الأروقة السياسية التونسية وخرجت إلى الشارع، قام النائب عياض اللومي من كتلة حزب “قلب تونس” بإهانة النائبة عبير موسي رئيسة “الحزب الدستوري الحر” وشتمها علناً. وقال لها أثناء مداولات لجنة الإصلاح الإداري التي يرأسها، “مكانك الطبيعي في عبدالله قش” وهو اسم ماخور عمومي شهير في العاصمة التونسية. وكغيرها من حوادث العنف السياسي المسلط على المرأة، مرت الحادثة من دون أي إجراء عقابي بحق اللومي، وحاول الخير نفي التهمة، على رغم تشديد موسي على امتلاكها تسجيلاً مصوراً لما ورد على لسانه من شتائم.

هكذا من دون أي إجراءات رادعة، تتكرّر حوادث العنف اللفظي والمعنوي والجسدي أيضاً بحق التونسيات، داخل البرلمان، في المناول، في الشوارع، في كل مكان.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني