كتاب كنعان مكية الجديد… القسوة كموضوعة سياسية وفلسفية

"في القسوة" لم يأت للتشديد على الضرورة الأخلاقية في رفض القسوة فقط، إنما في تأكيد أيضاً أن عدّ ظاهرة القسوة في المجتمعات العربية صوراً نمطية وكليشهات استشراقية ليس نقاشاً عقيماً وحسب، إنما هو نقاش مبتذل ومتدهور أيضاً.

ثمة دلالة أخلاقية وفكرية كبيرة في صدور كتاب “في القسوة” لكنعان مكية هذا العام عن دار الجمل في بيروت، وهو الكتاب الأول من نوعه -حسب علمي- يصدر باللغة العربية يخص الاحترام الوضعي وكرامة الجسد البشري والتأمل الفكري في جميع التشوهات الأخلاقية لظاهرة القسوة والممارسات السياسية المرافقة لها. 

وهذا الأمر لا يخص ثقافتنا وتقاليدنا الفكرية وحدها في تعالي المثقفين، بشكل نمطي ومتكرر، على الأحداث الضارة والعنيفة والبالغة الخطورة على حياة الأفراد وأجسادهم والاهتمام بالقيم التجريدية العالية والمتسامية على العذابات البشرية، إنما هي ظاهرة عالمية، وهي جزء من نقد المثقفين الغربيين تاريخهم الفكري والفلسفي، وجزء من نقدهم انشغال الفلسفة الغربية بقضايا تجريدية تخص الميتافيزيقيا، والظاهرة، والمنهج، وتعاليها على قراءة القسوة والعنف الذي يتوجه بوعي من قبل أفراد يملكون السلطة إزاء أفراد ضعيفين لنزع إنسانيتهم وتدمير أجسادهم وإيلامهم وتمزيقهم وجعلهم يمرون بالتجربة المديدة للعذابات القصوى قبل الموت. 

لذلك شكك الفيلسوف النمساوي البلجيكي هانز ماير “جان أمري” الذي تعرض للتعذيب على يد الألمان بصلاحية الفلسفة الغربية وأهليتها العقلية والأخلاقية لأنها لم تدرج القسوة موضوعاً من موضوعاتها، ويشرح أمري أوجه القصور وعدم اللياقة في النظريات الفلسفية لتفسير التعذيب، وتجربة التشرد، والإهانات التي تعرض لها البشر في الحربين العالميتين في أوروبا، وعدم قدرة الفلسفة على المساعدة في التغلب على الاستياء، بل وعجز فلسفة الحداثة وفلسفة الأنوار عن التنبؤ بتدهور الروح في حضارتها، والفشل السياسي في محو عارها وتفادي تدمير نفسها، ونكوصها عن حل اللغز المظلم للشر في واحدة من أكثر مظاهره فظاعة. 

التأمل في القسوة

وبحكم التعريف، يصل كنعان مكية إلى أن القسوة هي التعذيب المنظم في أقصى الحدود الموجهة للجسد أو النفس وبطريقة تتحدى الفطرة السليمة والعقل، وهو ما يسميه جان اميري تعدي “حدود العقل”. 

أي أن “القسوة هنا هي إلحاقُ الألم الجسديّ بالدرجة الأولى، والنفسي بالدرجة الثانية، عن قصد وإرادة، بفرد أو أفراد هم بالضرورة في موقع ضعف وعجز مقارنة بالجهة المؤذية، وذلك لأهداف أهمّها التخويف والمعاناة الشديدة التي قد تصل حدّ تدمير الذات”. 

ويفرق مكية بين العنف والقسوة، فالقسوة تتضمن بالضرورة استخدام العنف، ولكن العنف هو ليس معادلاً أو مكافئاً للقسوة، من كونه ظاهرة عامة أو بيولوجية الأصل وقائمة حتى بين الحيوانات، وهو موضوعة شائعة في الطبيعة، وتاريخياً تعبر عنها الحروب بين البشر، إذ تتخذ الجماعات أو الأفراد قرارات الحرب عن وعي كامل وتكون متهيئة لها وهي في الغالب بين أطراف عاقلة ومتكافئة. 

فالعنف إذاً، قديم قدم الطبيعة وهو لدى الانسان من قبل نشأة الحضارات وتمددها. أما القسوة بالنسبة إلى مكية فهي شكل متطور من الوعي الشرير يتضمن تدميراً شاملاً للضحية جسدياً ونفسياً. وقد ابتكرته البشرية عبر مراحل متعددة من التاريخ، وتمارسه الجماعات التي تملك قوة على الأغلب سياسية أو دينية، عن قناعة وإرادة ضد جماعة أو أفراد مهزومين وضعيفين يكونون في حالة من حالات الخضوع أو العجز.

يطرح مكية موضوعة القسوة بوصفها موضوعة سياسية وفلسفية أخلاقية، من هنا أهمية هذه الكتاب برأيي. بل تتحول إلى أساس لكل القضايا اللاحقة، طالما أنها تشكل جوهر التشوه الأخلاقي للسياسة والأشكال الاجتماعية المرتبطة بها على مدار تشكل مفهوم الدولة والمجتمع في التاريخ العربي، لا سيما بعد شروع حركات التحرر العربي في تصفية إرث الاستعمار، ومع أنه يركز بشكل خاص على التاريخ والمجتمع العراقي، إلا أنه يتولى وصف المسارات الراديكالية التي أبقت الثقافة السياسية في العالم العربي والشرق الأوسط رهينة للعنف والفوضى. 

يصل كنعان مكية إلى أن القسوة هي التعذيب المنظم في أقصى الحدود الموجهة للجسد أو النفس وبطريقة تتحدى الفطرة السليمة والعقل، وهو ما يسميه جان اميري تعدي “حدود العقل”. 

من بابل إلى تشرين

ينقسم الكتاب من الناحية المنهجية إلى مجموعة من اللحظات الزمنية التي تبدأ من الزمن البابلي وتنتهي في احتجاجات الشباب الأخيرة في تشرين الأول/ أكتوبر 2019. حيث نحصل على تأويلات تصف موضوعات متعددة:

 في فصل القسوة، يأخذ كنعان مكية تنوعات القسوة ذاتها مع مجموعة كبيرة من الموضوعات الموازية، مثل الخيانة والإرهاب، القسوة والدين، القسوة والرواية، الأفكار الشيطانية، الأفكار الناقصة، المظلومية، القسوة والفقر، المنفى والاغتراب. وعلى خلاف كتبه السابقة يحاول إلقاء الضوء على الأشكال الجديدة لاحتجاجات الشباب الراديكالية منذ تراجع الأشكال التقليديّة للصراع الطبقيّ، ويدافع عن الأطروحة الثابتة بوجود نزوع طبيعي نحو الحرية والفن التي ستواجه راديكاليّة راسخة في الإسلام السياسي وتنوعاته الحاكمة. ووفقاً لتفسيراته، هنالك قطيعة ثقافيّة كبرى مع النخب السياسيّة التي تولت السلطة بعد صدام حسين، وقد دعّمت سلطتها بالاقتصاد الريعي البتروليّ الذي مكنها من بسط هيمنتها، مستغلة ثرواتها في تمويل أيديولوجيا متشدّدة ومحافظة. لكن، يبدو لي أن هذه الأطروحة ما يعيبها ويظهر عجزها في تفسير الأسباب البنيويّة الأساسيّة التي سمحت بعد الاحتلال الأميركي الذي ادعى ديموقراطية شاملة للمنطقة، بأن يسود الإسلام المتشدّد والمحافظ في مجتمعات الشرق الأوسط، في حين بقيت المجاميع المدنية والتي تطالب بالديمقراطية أقليّة هشة ومرتبكة فكرياً وتنظيمياً. 

 تاريخ الحاضر

ينطلق كنعان مكية في كتابه هذا من تاريخ الحاضر، وفاة الأب، التفكير بالموت، الترويع الذي يحدثه “داعش”، الماضي في ممر المتحف البريطاني حيث يشهد تاريخ تدمير بابل، القسوة المسلطة على الأسود في الدولة الآشورية. ويهدي الأب محمد مكية ابنه قطعة مستنسخة عن منحوتة الأسد الذي يصارع الموت، التي اشتراها سابقاً من متجر في المتحف البريطاني في لندن. فيقرر الابن في ذكرى وفاة الأب الأولى صيف عام 2016، زيارة الممر الطويل في الطابق الأرضي للمتحف البريطاني، حيث يوجد العمل الآشوري الأصل الذي كان هذا الأسد أحد تفاصيله، والذي عثر عليه عالم الآثار الإنكليزي أوستن هنري لايارد مع العراقي هرمز رسام في قصر آشور بانيبال (668-631 قبل الميلاد) في نينوى. من هنا يبدأ مكية رحلة تأملاته الفلسفية المكتوبة بطريقة حزينة وشعرية لتستغرق جميع الصفحات الأولى من الكتاب…

إن الربط الدائمي بين عالم الأب المتهاوي والابن الذي يخشى تكرار المصير ذاته، هي ثيمة متكررة في أعمال مكية، وهي تذكر بالعالم الذي صنعه هرمان هسه في رواية “كنولب”، حيث يخشى البطل تكرار مصير الأب، مع أنه معجب بنجاحه، ومن ثم يتماهى الابن مع تاريخ الأب بمقدار التمرد على نموذجه، شيء قريب من مفتتح الكتاب المأخوذ من جواد سليم الذي يصف الفن العراقي الرافديني بأنه لا يصل مرحلة الانحطاط ولا يبلغ كماله. 

يذهب مكية، وهذه نقطة جوهرية من وجهة نظري في الكتاب، إلى العصر البابلي ويتخذ من لوحة “عذاب الأسود” نوعاً من الاستمرارية المفترضة بين الماضي والحاضر، أو نوعاً من التوليد الذاتي لأشكال من القسوة المستعادة ثقافياً وسياسياً واجتماعياً وبشكل أزلي. فالربط بين الأسد المنحوت قبل آلاف الأعوام والمعبر عن القسوة المفرطة مع القسوة الحالية، التي أنتجها تفكك الدولة العراقية والصراع السياسي الإقليمي، يقدمه كنعان مكية كمتوالية أساسية في تاريخ العراق وفي تاريخ المنطقة عموماً، إنها نوع من الاستمرارية المفترضة بين الماضي والحاضر، أو نوع من التوليد الذاتي لأشكال من القسوة المستعادة ثقافياً وسياسياً واجتماعياً وبشكل أزلي.

إن هذه الاستمرارية التي تشمل حياتنا حتى هذه اللحظة، مقترنة بالنسبة إلى مكية بجو من اليأس المحبط بكل ما يدور حول المستقبل أيضاً. فالقسوة التي يعرضها الفنان البابلي والتي تظهر على وجه الأسد المعذب، توحي بميل محلي لأنواع متعددة من القسوة، وأنواع متعددة من النزوع التدميري الموجه إزاء الآخر، وعلى مدار طويل من التاريخ، ومن التعاقب الزمني للسلالات وتبدل الدول وتحول المجتمعات. من هنا يصبح استدعاء مثل هذه الاستمراريات أمراً رئيسياً في الثقافة العراقية، وهي مراجعة للتاريخ أولاً، وطريقة سياسية صحيحة للتفكير في الأصول العميقة والجذرية للقسوة وأشكالها في تاريخ المجتمع العراقي ثانياً. 

لذلك يقيم مكية نوعاً من التناظر الذي تستدعيه اللحظة الحاضرة، أو الذي يستدعيه الثقل الذي يفرضه تاريخ الحاضر، أو التأريخ الآني بتعبير الكسندر سولجنيتسين في أرخبيل الغولاغ، حيث النظر أو التفكير بالقسوة الممنهجة التي قام بها “داعش” في الموصل عام  2014، مع ما ورد من خطاب القسوة في التعامل مع “الأعداء المهزومين” في النقوش الآشورية في المكان ذاته، يبدو متماثلاً. فعلى أسوار المدينة الآشورية ذاتها “الموصل”، انبثقت هذه القسوة التي اتسم بها المحاربون الآشوريون والتي نقلت فيها النقوش الآشورية خطاب آشور بانيبال عن تدمير بابل، حيث تستدعي هذه النقوش في هذا النص الآني التأمل في الوحشية التي تعامل بها “داعش” مع ضحاياه. 

القطيعة والاستمرار

إن الخط التاريخي الرفيع الممتد لحالة القسوة في التاريخ منذ البابليين إلى هذا اليوم، وإن بدا لنا أن ثمة قطيعة تفصل بين التاريخ الإسلامي والصراعات الطائفية الكبرى التي ولدت خطاب الكراهية الحالية وبين التاريخ ما قبل إسلامي الذي استمر قروناً في منطقة الشرق الأوسط وقد أصبح الإسلام حاجزاً لاستمراريته الحضارية والثقافية في المنطقة، إلا أن ثمة خيطاً متصلاً من تكرار التجارب البشرية في المكان ذاته، وبالهيئة والطريقة ذاتها وإن اختلف الحدثان التاريخيان عن بعضهما. 

إن استمرارية مظاهر القسوة هي التي جعلت كنعان مكية يصل هذا الخيط الرفيع بين مظاهر القسوة التاريخية ومظاهر القسوة المعاصرة، وهو أمر معروف في العلوم الاجتماعية الحضرية أو ما يطلق عليه جون لوفيفر “الفضاء” Space لتمييزه عن المكان Place، فلا تعدّ الموصل هنا مكاناً فقط إنما هي فضاء تاريخي واجتماعي وسياسي أيضاً. وهو أمر مهم في فلسفة لوفيفر. فباريس أو طهران أو نيويورك أو الرياض أو بيروت أو الموصل، هي ليست أمكنة جغرافية فحسب، إنما هي فضاءات تاريخية وفضاءات اجتماعية وثقافية متعددة ومتجذرة. وإن نطق أي اسم أو أي مدينة لا يستدعي موقعها الجغرافي ومناخها وطبيعتها الجيولوجية فقط، إنما يستدعي على الفور أحداثها التاريخية والثقافية، بوصفها طرساً حدثت على جغرافيتها آلاف الأحداث التاريخية، وتقطرت في كيانها تحولات الثقافة والسياسة والاجتماع. وبمقدار ما تكون لحظتها التاريخية الحاضرة بينة فإن لحظتها التاريخية القديمة ظاهرة وبارزة، وربما تبزغ في لحظات الانعطافات التاريخية الكبيرة كل مسيرتها التاريخية، فتصبح مركزاً مقطراً لكل هذه السلسلة الطويلة من الابطال الحقيقيين والاسطوريين، ومن الاحداث الحقيقية والمتخيلة، ومن الواقع الظاهرة والكامنة والمختزلة أيضاً.    

استمرارية مظاهر القسوة هي التي جعلت كنعان مكية يصل هذا الخيط الرفيع بين مظاهر القسوة التاريخية ومظاهر القسوة المعاصرة.

القسوة والقطيعة

يطرح كنعان مكية في كتابه هذا تحدياً جذرياً لأسطورة القطيعة التاريخية التي ورثها المثقفون عن عصر الأنوار ورددوها طويلاً. فالأمر نسبة له تاريخي وثقافي وليس علامة بشرية ذات واقع جوهري وان استمرار القسوة يتعلق بإغفالها وعدم تقديم أي نقد منهجي لها. والدليل أن العديد من المجتمعات استطاعت التخلص منها أو تخفيفها بعد أن دشنت مشروع نقدها عبر مثقفين ملتزمين بالقضايا العادلة للبشر، أما هو على الصعيد الشخصي فيورد الأمر ضمن تاريخه الشخصي حينما تلمس القسوة عياناً في خريف عام 1991، حيث تعرض بحسب تعبيره لقسوة “جسدية جسيمة” أثناء رحلة سرية قام بها إلى شمال العراق مع المخرج غوين روبرتس، فكشفا للعالم عبر الفيلم الشهير “The Road to Hell” (الطريق إلى الجحيم) الذي عرض على قناة “بي بي سي” BBC عمليات الأنفال، وهي محاولة بعثية ممنهجة عام 1987-1988 لاستئصال “المسألة الكردية” من خلال إبادة وحشية للقرويين وللقرى الكردية. “فرؤية القسوة بطريقة شخصية وعن كثب والكتابة عنها فوراً تحدث تأثيراً من عدم التوازن الرهيب”، إذ يستعصي التعامل مع هذه الظاهرة من دون مواجهتها، وبقي مصدوماً من تجربته هذه، إذ بقيت آثار تلك الحالة الذهنية معه منذ ذلك الحين. وعن هذا الحدث يقول مكية إن كتابه “القسوة والصمت” صدر عام 1993، وسلط الضوء على تلك الفظائع وانتقد المثقفين العرب الذين وقفوا صامتين إزاء الأهوال التي شاهدها لتوه في شمال العراق. ويفسر نجاح كتابه بين العراقيين بأن الديكتاتورية كانت شغلهم الشاغل في تلك الأيام، ولكنها جوبهت بشكل سيئ من المثقفين العرب الآخرين. ومع ذلك واصل العمل على موضوعة القسوة من خلال تصميم مقرر دراسي في جامعة برانديز بعنوان “وصف القسوة”، وكان منطلقه الأساس هو استكشاف هذه الظاهرة وعدد لا يحصى من المناهج المختلفة لجعلها مفهومة للآخرين. 

الأسس النظرية لكتاب في القسوة

يؤسس كنعان مكية كتابه نظرياً على مصدرين، الأول هو تأملات المفكر الفرنسي ميشيل دي مونتين الذي عاش في القرن السادس عشر، وهو أول من طرح موضوع القسوة في تأملاته فلسفياً، فقال: “من الرذائل، بالطبيعة وبالعقل، أكره القسوة. كما وأكرهها بقسوة، إذ إنها الأكثر تطّرفاً بين الرذائل. أكرهها إلى الدرجة التي لا أطيق فيها النظر إلى دجاجة وهي تُذبح من غير أن أحّس بالكرب، كما لا أطيق سماع صرخة أرنب وهو بين أسنان ِكلابي، على الرغم من أن في مطاردته متعة بالغة”.

ويحلل مكية رؤية مونتين للقسوة عبر مجموعة قليلة من العبارات في التعليق على كتابه التأملات ويشيد به كفيلسوف عقلاني وجد نفسه في أوروبا، وسط الحروب الدينية والطائفية، وقد اعتزل العالم ليؤسس مجاله الفكري الفلسفي بعيداً من صخب الحياة وصراعاتها. 

لكن المصدر الثاني وهو الأهم في التأثير في فكر كنعان مكية وربما هو العامل الأساس والبارز الذي جعله يفكر بموضوعة القسوة فلسفياً، سواء في هذا الكتاب، أو في كتابه السابق “القسوة والصمت”، هي المقالة الرائدة “ضع القسوة أولاً” للفيلسوفة الأميركية المعاصرة جوديث شاكلار. وقد نشرت مقالتها هذه في مجلة “ديدالوس” عام 1982، ومن ثم ضمنتها في كتابها “رذائل عادية” عام 1984، وتتمحور نظرية شكلار السياسية حول فكرتين رئيسيتين: القسوة باعتبارها أسوأ الشرور الممكنة و”ليبيرالية الخوف” وهو ميل الحكومات لإساءة استخدام “التفاوتات الحتمية في السلطة” لإنتاج نوع من التنظيم السياسي يتيح لها من خلاله السيطرة على الأفراد. 

إن إبراز موضوعة القسوة عند شكلار بالنسبة لكنعان مكية هي محاولات لملء الفجوة في الفكر الفلسفي بالارتكاز على الأدب، مثلما فعل كنعان مكية حين أراد ملء هذه الفجوة ذاتها من خلال إبراز موضوعة القسوة في الفن. فعمد إلى قراءتها عبر مجموعة من اللوحات والمنحوتات، بدءاً من النحات الآشوري المجهول الذي رسم “عذاب الأسود في الدولة الآشورية”، مروراً بالرسام الاسباني فرانشيسكو غويا الذي رسم “فضائع التعذيب”، ومن ثم بأعمال وليم هوغرث، وانتهاء برسام عراقي معاصر هو آثار جابر الذي يتعامل مع موضوعات العذاب والقلق وعدم اليقين والضعف والسجن، وفقدان السيطرة. ويأخذ مكية من هذا الفنان صورة لإحدى منحوتاته لتكون غلافاً لكتابه “في القسوة” حيث يكون الانسان فيها مكيفاً بواسطة السلطة، ومن خلال إدارة الخوف بدقة وعناية، حيث لا يبدو منه سوى جسد منكمش على نفسه، وفي حالة انهيار داخلي عميق. 

إن أثر شاكلار على فلسفة مكية واضحاً وضوحاً جلياً، فضلاً عن رؤياها بأن الظلم و”الشعور بالمظلومية” هو من الناحية التاريخية والفلسفية أمر قائم، لكن فكرة العدل هي الغائبة، ففي الفصل الذي يناقش فيه كنعان مكية فكرة المظلومية طائفياً في العراق، يتحدى الأسس التي تقف عليها والتي تنهار في الحالة التي نتجاوز فيها أمر العدالة كمعطى إنساني وأخلاقي، فهو كما شاكلار يتحدى منهجياً صحة الأفكار السياسية والفلسفية، إن لم تهتم بعمق بالقسوة والشرور السياسية المرافقة لها.

إبراز موضوعة القسوة عند شكلار بالنسبة لكنعان مكية هي محاولات لملء الفجوة في الفكر الفلسفي بالارتكاز على الأدب .

الشمولية والقسوة 

يكشف كتاب كنعان مكية الأخير عن موضوعتين شكلتا جوهر الإنتاج الفكري الذي قدمه منذ عام 1989، عام صدور كتابه “جمهورية الخوف” عن دار بانثيون في نيويورك إلى صدور كتابه الجديد: “الدولة الشمولية والقسوة”. 

ثمة حادثتان أساسيتان شكلتا هذين المسربين الفكريين عند كنعان مكية. الحادثة الأولى اكتشافه لحنة آرنت، كما ذكر في المقابلة التي أجراها معه ألان جونسون ونشرتها مجلة “ديسنت”، فبعد يأس شبه كامل من أوساط اليسار الغربي، وللتهدم والانهيار الكليين للسياسة والثقافة في الشرق الأوسط بعد غرق الثورة الإيرانية في العنف واندلاع الحرب العراقية الإيرانية، فكان اكتشافه لحنة آرنت نوعاً من الانعطافة الحادة في حياته أدت به إلى الشروع في كتابه الأول جمهورية الخوف الذي ارتكز على توصيف فكري لطبيعة الدولة الشمولية في العراق وأساليب أجهزتها البوليسية واستمرارها.

المسار الثاني شكله عثوره على مقالة “ضع القسوة أولاً” لجوديت شكلار التي ضمنتها في ما بعد في كتابها “الرذائل المألوفة” الذي صدر عام 1984، حيث صنعت مواجهة بين الخطايا المسيحية المميتة السبع والتي شكلت هاوية الشخصية البشرية في التراث الثقافي المسيحي، والرذائل المألوفة والعادية – مثل القسوة، النفاق، الغطرسة، الخيانة، كراهية البشر وهي المياه الضحلة الغادرة التي تفسد نسبة لشاكلار شخصياتنا باللؤم والروح الوحشية. وقد وضعت شاكلار بالموازاة مجموعة رائعة من الكتّاب الذين مثلوا هذه الرذائل في أعمالهم- موليير وديكنز في النفاق، جين أوستن في التكبر والغطرسة، شكسبير ومونتسكيو في الكراهية، كونراد وفولكنر في الخيانة، وهاوثورن ونيتشه في القسوة، والأخيرة هي التي وضعها كنعان مكية في كتابه أولاً ليكشف عن طبيعتها وآثارها المدمرة، إزاء غموض المشكلات الأخلاقية في ثقافتنا السياسية وتاريخنا. 

كلمة أخيرة 

 حين يذهب مكية إلى التاريخ أو لاستدعاء لحظات متعددة من التاريخ الآني والقديم في العراق فإنه يقوم بذلك بصرف النظر عن العودة مرة أخرى إلى تكرار النقاش أو النقد المنهجي في نبذ الصور النمطية والكليشهات الخاص بظاهرة القسوة والتعذيب والتهجير والعنف الموجه ضد الأقليات وضد المرأة في تاريخ المجتمعات العربية، وقد درج مثقفون كبار على اتهام الاستشراق والثقافات الغربية بترويجها، وهو النقاش ذاته الذي قدمه هؤلاء المثقفون لكتاب كنعان مكية السابق “القسوة والصمت” الذي صدر عام 1993 مثل إدوارد سعيد، فواز طرابلسي، إقبال أحمد في “نيويورك تايمز”، وفي “النيشن” و”الاندبندنت” وغيرها. وربما بقيت هذه الفكرة حاضرة في جميع أعمال كنعان مكية الأخرى مثل “جمهورية الخوف”، “القسوة والصمت”، “النصب”، من أن تكرار مشاهد القسوة في الأحداث الحالية، جاء نتيجة للفشل الثقافي والأخلاقي، سواء في وضع القسوة في العراق أو في العالم العربي في إطارها التاريخي ونقدها ونبذها كواحدة من التشوهات الإنسانية، أو الفشل في جعل القسوة مسؤولية أخلاقية وسياسية ملحة لجميع المثقفين، وهو أمر يفوق في أهميته جميع القضايا السياسية والثقافية الأخرى. 

لذا فإنني أرى أن كتاب مكية “في القسوة” لم يأت للتشديد على الضرورة الأخلاقية في رفض القسوة فقط، إنما في تأكيد أيضاً أن عد ظاهرة القسوة في المجتمعات العربية صوراً نمطية وكليشهات استشراقية ليس نقاشاً عقيماً وحسب، إنما هو نقاش مبتذل ومتدهور أيضاً، ويساهم مساهمة فعالة في استدامة القسوة وتكرارها وتنقلها وبروزها، حتى أصبحت اليوم ظاهرة تطغى على كل ظاهرة أخرى، وأصبح تعايش المثقفين معها أمراً بارزاً، وهو ما يطلق عليه جان أميري “هزائم الروح التي تجعل من الانحدار إلى الهاوية أمراً عادياً”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

Play Video
بعدما أفلت المدرب الرياضي مروان حبيب من تهمة التحرش بشهادة أكثر من 20 ناجية في لبنان، اعتُقل في أميركا بعدما اعتدى جنسياً على امرأة… حادثة أعادت قضية الإفلات من العقاب للمتحرشين وتمتّعهم بمساندة وتبرير وسائل إعلام ومؤثرين إلى الواجهة.

2:13

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني