fbpx

بعد قتل ريجينا : من يخنق صوتاً سيجد أصواتاً تلاحقه

يشارك موقع "درج" في مشاريع "قصص محظورة"، انطلاقاً من إيمانه بأن حماية مهنة الصحافة تبدأ بحماية من يؤمنون بها مهنة تسعى لتأدية دورها عبر كشف المعلومات ومحاسبة من هم في السلطة.
دافني غاليزيا

في السادس عشر من تشرين أول/ أكتوبر من العام 2017، عند الساعة الثالثة بتوقيت مالطا، قتلت الصحافية دافني كاروانا غاليزيا عبر متفجرة زرعت في سيارتها. جاء خبر مقتلها صاعقاً على فريق “درج”، الذي كان يستعد يومها لإطلاق الموقع في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر والمشاركة في مشروع وثائق بارادايز الذي ينظمه الاتحاد الدولي للصحافة الاستقصائية 

(ICIJ) بعد ذلك بأقل من أسبوع. فغاليزيا كانت من أعضاء الفريق المشارك وهو فريق يضم صحافيين ومؤسسات اعلامية من حول العالم. وابن غاليزيا المتواجد في واشنطن من أعضاء الفريق المركزي، والمعرفة به شخصية ما جعل الخسارة شخصية أيضاً. الاستمرار بالعمل كان الخيار الوحيد الممكن وهذا تماماً ما حصل: على الرغم من الشعور الهائل بالغضب والفقد الذي غلب الصحافيين العاملين على المشروع، استمرت التحقيقات ونشرت التقارير كما كان مقرراً في السابع من تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2017 لتتوالى بعد ذلك مشاريع مشتركة أخرى، شارك فيها “درج”، كشفت عن فساد في القطاع الطبي ومؤخراً النظام المالي العالمي. 

من يقتل صحافياً، سيدفع ثمناً باهظاً. من يخنق صوتاً، سيجد أصواتاً تلاحقه حتى المحاسبة. 

في موازاة هذه التحقيقات الهادفة الى تفكيك خرائط الفساد والجريمة وربط العلاقات السرية بين المتورطين فيها، سواء كانوا أشخاصاً أو شركات أو حتى دول، ولدت مبادرة هي على الأغلب الأقرب الى قلب الصحافيين. جريمة قتل دافني تحولت دافعاً لزملاء وأصدقاء لها وجدوا أن الرد الأقوى على قتلها يكون بمتابعة عملها. هكذا ولد اتحاد “القصص المحظورة” أو “Forbidden Stories” متخذاً شعار: “قتلوا الصحافي، لم يقتلوا القصص”. وباشر 45 صحفياً من 18 مؤسسة اعلامية عالمية عملاً على مدى خمسة أشهر على  تفنيد ومراجعة وملاحقة اكثر من 750 الف وثيقة متصلة بالقصص التي كانت دافني تحقق فيها، لتنشر الدفعة الأولى من التحقيقات التي لا تزال حتى اليوم مستمرة تحت عنوان مشروع دافني. التحقيقات الصحفية التي نشرت في كبريات وسائل الإعلام أدت الى فضيحة سياسية على مستوى أوروبا وأدت الى ملاحقة سياسيين مالطيين وسجن يورغن فينيك رجل الأعمال الذي أعطى الأمر باغتيالها والذي كان حتى لحظة اعتقاله يعتبر من الذين لا يمس بهم.  

لم تخفف المحاسبة من الخسارة الشخصية لعائلة دافني ولمحبيها، ولكنها من دون شك حملت نوعاً من عدالة وربما الأهم من المعنى.

قتل صحافي، لن يعني بعد اليوم قتل صوته. ليس في مالطا، وليس في أوروبا، ولكن في كل مكان.  

ريجينا مارتينيز

بعد مشروع دافني، يشارك “درج” الى جانب 25 وسيلة اعلامية و 60 صحافياً في إطلاق مشروع ملاحقة الكارتيلات، متابعة لعمل الصحافية المكسيكية ريجينا مارتينيز التي قتلت في العام 2012 بسبب تحقيقاتها التي أزعجت كارتيلات المخدرات بقدر ما أزعجت السلطات المحلية. 

ريجينا لم تقتلها متفجرة زرعت في سيارتها. قتلت في منزلها خنقاً حتى الموت بعد أن ضربت. التحقيقات الرسمية توصلت الى نتيجة ان الجريمة كانت أسبابها “عاطفية” وقامت بسجن شخص لا علاقة له بالموضوع، وهو ما بدا محاولة من قبل السلطة لفلفة الموضوع واخفاء الدوافع الحقيقية والمرتكبين الفعليين. وكما كانت الحالة في وضع دافني، لم يكن القتل هنا الرسالة الأولى، فقد سبق ذلك رسائل متعددة الأشكال وصلت في حالة ريجينا إلى دخول منزلها وإشعارها بأنها إذا استمرت بعملها فلن تكون بأمان في أي مكان. أما دافني فحرقت سيارتها ونحر كلبها ورسالات التهديد المباشرة على صفحتها ما كانت الا بعضاً من التهديدات التي تعرضت لها.

نشارك في موقع “درج” بمشروع الكارتيلات ايماناً منا أن في التعاون بين صحافيين دوليين فرصة غير مسبوقة وسلطة غير محدودة.  

في مطلع العام الجاري، شارك “درج” في اجتماع عقد في باريس، تشارك فيه صحافيون أفكارهم ومعلوماتهم وعملوا معاً على تفكيك العلاقات المعقدة بين الجريمة والمال والسياسة. كارتيلات المخدرات لا يمكن لها أن تكون من دون اسلحة يتم شراء أغلبها من دول اوروبية وتهريبها عبر الحدود الأميركية. أسلحة تحمي المافيات وهي أودت بحياة أكثر من 86 صحفياً من أصل 119 قتلوا منذ عام 2000 في المكسيك، أكثر بلد خطورة على الصحافيين. دول أوروبية تبيع أسلحة واسرائيل تبيع اجهزة تنصت، وهي دول يفترض أن لديها معايير وقوانين تمنع مثل هكذا عمليات. هنا تماماً القوة العملية لما يعنيه العمل الصحفي الذي تقوم به “قصص محظورة”. مشروع دافني كان له آثار مباشرة ومشروع الكارتيلات سيكون له ذلك ايضاَ. 

اخيراً, يشارك موقع “درج” في مشاريع “قصص محظورة”، انطلاقاً من إيمانه بأن حماية مهنة الصحافة تبدأ بحماية من يؤمنون بها مهنة تسعى لتأدية دورها عبر كشف المعلومات ومحاسبة من هم في السلطة. في ذلك حماية ليس للصحافيين فقط، ولكن أيضاً لمحققين ومحامين وقضاة يحتاجون لمن يساعدهم على اعلاء صوتهم في كشف ما لا يرغب من هم في السلطة في كشفه. 

الحديث هنا عن صحافة خام، بأصولها وقواعدها ولكن ايضاً بشغف عاشقيها وعملهم وحتى جنونهم احياناً. 

 دافني وريجينا قتلتا وهما تحاولان الكشف عن الفساد والسعي لمحاسبة من هم وراءه. سنوات وجغرافيا هائلة فصلت بين مقتلهما ولكنهما اليوم تتشاركان القصة ذاتها، كلاهما من حيث هما مستمرتان بإزعاج قتلتهما والهام صحافيين وصحفيات آخرين.  

قصتهم تشبه قصصاً من عالمنا من كامل مروة وسمير قصير الى جمال خاشقجي، وقصتنا التي نشارك بنشرها اليوم هي أنه لن يكون هناك قصص محظورة. 

من يقتل صحافياً، سيدفع ثمناً باهظاً. من يخنق صوتاً، سيجد أصواتاً تلاحقه حتى المحاسبة. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني