المكسيك: قصة قتل صحافية كشفت كارتيل مخدرات فأكمل مهمتها 60 صحافياً

بعد ثماني سنوات على الموت المفاجئ للصحافية ريجينا مارتينيز، تولى تحالف دولي من 60 صحافياً من 25 وسيلة إعلامية، بتنسيق من مشروع "القصص المحظورة"، تحقيقاتها غير المكتملة وحاول إماطة اللثام عن مقتلها.

هذا التحقيق هو الجزء الأول من “مشروع الكارتيلات”، وهو سلسلة من التحقيقات التي ينشرها مشروع “القصص المحظورة” وشركائه بدءاً بالعنف الموجه إلى الصحافيين في المكسيك.

  • تحقيق – بالوما دوبون دو دينوشان

لم يتوقف هاتفه عن الرنين، لكن التعليمات كانت واضحة: لا تجب. فمن مخبأه في فندق بمكسيكو سيتي، انتظر أندريس تيموتيو مصيره. كان على وشك أن يُنقَل سراً إلى أوروبا بحماية الآلية الخاصة بالصحافيين المهدَّدين. ودارت في رأسه فكرة واحدة: الخروج على قيد الحياة.

لأيام، كان الصحافي يكذب على أحبائه، فيخبرهم أنه نال تأشيرة للدراسة في باريس. لكن في الواقع كان يترك كل شيء وراءه. وعرف أنه لن يعود أبداً على الأرجح إلى المكسيك.

قبل خمسة أيام، في 28 نيسان (أبريل) 2012 في خالابا، وهي مدينة في جنوب شرق المكسيك، اكتُشِفت جثة صديقته ريجينا مارتينيز. وكانت مارتينيز، الصحافية كذلك، تعرضت إلى الضرب ثم الخنق حتى الموت في حمامها الخاص. وجاء مقتلها إشارة تحذير لصحافيين آخرين في منطقة فيراكروز، عرفوا مارتينيز أو سمعوا عنها. وكانت الرسالة واضحة لهم: قد تكونون الضحية التالية.

وقال أندريس: “إذا أمكن قتل صحافية مثل ريجينا، التي عملت لوسيلة إعلامية وطنية، يمكن أن يلاقي أي صحافي المصير نفسه”.

وتسبب موت مارتينيز بصدمة في مختلف أرجاء المكسيك. فقد اعتبرها كثر إشارة إلى تطورات مقبلة. وفي السنوات التالية، أصبحت فيراكروز أخطر مكان في العالم للصحافيين. وتعاطت السلطات المحلية في شكل سيء مع مقتل مارتينيز، وحتى بعد اعتقال متورط، لم يصدق الصحافيون المحليون القصة الرسمية قط. وبعد ثماني سنوات، تولى تحالف دولي من 60 صحافياً من 25 وسيلة إعلامية تحقيقاتها غير المكتملة وحاول إماطة اللثام عن القصة الحقيقية وراء مقتلها.

وإذ تحدث التحالف مع مصادر لم تكشف قط عن هويتها قبلاً، تبين له أن موت مارتينيز كان على الأرجح نتيجة لعملها الصحافي – كاشفاً عدة نظريات عن السبب وراء مقتلها. واكتشف شبكة من المحسوبيات تورط فيها حاكمان سابقان وحملة منسقة للتلاعب بالرواية المحيطة بمقتلها.

صحافية عنيدة

قال خورخي كاراسكو، مدير “بروسيسو”، وهي أسبوعية استقصائية عملت فيها مارتينيز مراسلة بين عام 2000 وموتها السابق لأوانه عام 2012: “كل ما لم تجرؤ الصحافة المحلية على نشره نُشِر من خلال ريجينا مارتينيز”.

عرفت مارتينيز، الامرأة المتواضعة المولودة لعائلة من 11 ولداً، فيراكروز عن ظهر قلب – حتى أصغر قرية. ودرست الصحافة وبدأت العمل كصحافية عام 1980 في محطة تلفزيونية محلية. وتعلمت بسرعة أن صحافيين كثراً في المهنة يتلقون مدفوعات من أشخاص في السلطة لينشروا الأخبار التي يرغب هؤلاء في سماعها.

ومارتينيز – التي أسماها أصدقاؤها “la chaparrita”، أو “الامرأة الصغيرة”، في إشارة إلى طولها القليل البالغ أربع أقدام و11 إنشاً (حوالي 150 سنتيمتراً) – صنعت شهرتها كصحافية محترفة، غارقة دائماً في عملها. وأوقعتها حرفيتها في عزلة تدريجية. فباعتبارها بيتية، فضلت البقاء في المنزل خلال عطل نهاية الأسبوع لتمارس التدخين المتسلسل للسجائر وتعتني بنباتاتها.

وتتذكرها نورما تروخيو، صديقتها القديمة والصحافية في خالابا، امرأة مفرطة الحركة وعاطفية.

وقالت تروخيو: “كان عملها حياتها. اهتمت حقاً بالمسائل الاجتماعية والانتهاكات لحقوق الإنسان. وكانت قريبة من الناس. وهذا مثّل قوتها الفائقة”.

وكانت أيضاً صحافية موهوبة ومنقطعة النظير. عام 2006، قبل ثلاث سنوات من أزمة “إتش 1 إن 1″، غطت مارتينيز الظروف الصحية المزرية في مزارع الخنازير بلا غلوريا، القرية الصغيرة في فيراكروز التي اعتُبِرت لاحقاً المركز المحتمل للفيروس. وبعد سنة، اتهمت الجيش المكسيكي باغتصاب امرأة من السكان الأصليين تبلغ 72 سنة وقتلها. وقادها عنادها وتصميمها إلى التحقيق في صرف النفوذ والفساد اللذين يفسدان فيراكروز. وأصبح فيدل هيريرا وخافيير دوارتي اللذان تتاليا في منصب الحاكم، شخصيتين مركزيتين في تحقيقاتها.

وفي عهدي الحاكمين، أصبحت فيراكروز أخطر مكان في العالم للصحافيين. فمنذ عام 2000، قُتِل 28 صحافياً في المنطقة واختفى ثمانية غيرهم – معظمهم خلال السنوات الـ12 لوجود هيريرا ودوارتي في السلطة.

ولطالما جعلت جغرافيا الولاية فيراكروز منطقة تسعى إليها الكارتيلات، ما أدى إلى مستويات مرتفعة من العنف. فبفضل أطول ساحل في المكسيك ومطار دولي رئيسي، تُعَد الولاية منطقة استراتيجية للاتجار بالمخدرات. وتجعلها ممرات معزولة تربط شمال المكسيك وجنوبها موقعاً مثالياً لابتزاز المهاجرين من أميركا الجنوبية والوسطى في حين تعمل الغابات الجبلية كمخبأ متكامل لتجار المخدرات. بل إن “إل تشابو” غوزمان، الزعيم السيئ السمعة لكارتيل سينالوا، وجد ملجأ هناك حين كان مطارداً.

وبدءاً من أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأت خالابا، عاصمة الولاية، تتحول تحت نفوذ كارتيلات المخدرات. وبداية كان هذا التغيير خفيفاً: كان الهدير الخفيف لشاحنات الدفع الرباعي يُسمَع من بعيد. وقبل مضي وقت طويل، بدأ أشخاص غير معروفين يشترون الحانات ونوادي القمار وغطت إعلانات لمومسات جدران المدينة. وأطلق وصول كارتيل لوس زيتاس عام 2008 موجة جديدة من العنف في المنطقة.

وقالت تروخيو: “كانت عمليات إطلاق النار تحصل في الشوارع في ساعات اليوم كلها حين كان فيدل هيريرا الحاكم. وأصبح الخط الفاصل بين الكارتيلات وأصحاب السلطة مشوشاً. ولم تفعل الشرطة شيئاً لوقف العنف. على العكس، كانت جزءاً من الجريمة المنظمة”.

“عصابة غير المرغوب فيهم”

انتقدت مارتينيز دوارتي وسلفه هيريرا بانتظام لتركهما الولاية تقع بين أيدي الكارتيلات. فقد وضعت تقاريرها من قبل عمليات تبادل إطلاق النار وكشفت العدد الحقيقي للوفيات، الذي حاولت السلطات المحلية في الأغلب تغطيته. وبدأت مقالاتها تتحول إلى شوكة في خاصرة الحكومة. وعام 2010، ظهر اسمها في قائمة بالصحافيين الناقدين يُقَال إنها سُرِّبت من داخل قصر الحاكم.

وأكد مسؤولان رفيعا المستوى سابقان يملكان خبرة في عدة إدارات أن السلطات شكلت وحدة تجسس سرية لمراقبة الصحافيين وغيرهم. وقال أحد المسؤولَين لـ”القصص المحظورة”: “استطاعت الحكومة المحلية مراقبة هواتف الناس ومعرفة ماذا يعتزمون في أي لحظة”.

ووضعت هذه الشبكة من المخبرين السياسيين قائمة سوداء بالصحافيين الناقدين. وكان لكل صحافي ملف يحتوي على قائمة بأفراد أسرته، وزملائه، والأماكن التي يرتادها، بالإضافة إلى ميوله السياسية وحتى تفضيلاته الجنسية.

ولم تكن مارتينيز الصحافية الوحيدة على القائمة السوداء، بل كانت تُعتبَر زعيمة مجموعة من خمسة صحافيين محصنين من الفساد تلقوا متابعة إضافية من السلطات. أحد هؤلاء الصحافيين، الذي فضل عدم الكشف عن هويته بسبب مخاوف أمنية، أطلق على هذه المجموعة اسم “عصابة غير المرغوب فيهم” في ضوء الهجمات المتكررة عليهم من قبل الحكومة. ونشرت مارتينيز وصحافيون آخرون في هذه المجموعة أخباراً حساسة في شكل متزامن بهدف تضليل السلطات وضمان عدم استفراد أي صحافي.

كانت مارتينيز الأكثر خبرة بينهم وكذلك الأكثر شجاعة. وبعد نشر مواضيعها، كثيراً ما تلقت اتصالات هاتفية من متصلين مجهولين يهددون بمقاضاتها. وفي مواجهة هذه التهديدات بدأت تتخذ احتياطات. وعاشت “الامرأة الصغيرة” وحدها ورفضت إدخال أي شخص إلى بيتها. حتى الصحافيين في “عصابة غير المرغوب فيهم” لم يُسمَح لهم بالدخول.

كان بيتها ملجأها حتى اختُرِق هو أيضاً.

وفي كانون الأول (ديسمبر) 2011، وبعد عودة مارتينيز من زيارة لبعض الوقت إلى عائلتها خلال العطل، دخلت منزلها واكتشفت فوراً أن شخصاً ما دخله حديثاً. وكان كل شيء على حاله باستثناء الحمام. كانت الغرفة مليئة بالبخار، كأن شخصاً ما خرج للتو من تحت الدش. وكانت قوارير الصابون الجديدة الخاصة بها مفتوحة أيضاً، وفق ما قالته لأقرب أصدقائها.

وشعرت مارتينيز التي كانت عادة تأخذ التهديدات ضدها بخفة بأن الخطر يزحف في شكل أقرب منها. وفي مقال نُشِر من دون ذكر اسم الكاتب بعد الحادثة، كتبت الصحافية أنها كانت تعيش “في جو من الرعب”.

وكتبت تقول: “أقفل كل باب في البيت. لا أنام، وحين أخرج، أنظر دائماً خلفي لأتأكد من عدم وجود خطر”.

وعلى رغم نصائح أصدقائها، قررت مارتينيز عدم إخبار الشرطة.

وقالت تروخيو: “كانت خائفة، لكنها لم ترغب في جعل وضعها علنياً لأنها لم تثق في النظام القضائي”.

وبعد ثلاثة أشهر، وُجِدت جثتها في بيتها. وكان أحد الجيران اتصل بالشرطة بعدما رأى الباب مفتوحاً في منتصف الليل. ووُجِدت مارتينيز مستلقية على ظهرها في الحمام ورأسها ملقى على حوض الاستحمام. وكان جسمها مغطى بالرضوض وبدا أنها خُنِقت بسجادة حمامها.

تحقيق سيء

بعد 24 ساعة من العثور على جثتها، عُيِّن أماديو فلوريس إسبينوزا مدعياً محلياً مكلفاً بالقضية.

وقال في بيان في ذلك الوقت: “كل الخيوط التي قد توضح هذه القضية المؤسفة ستخضع إلى التحقيق”.

واستُدعِي أيضاً محقق فيدرالي من مكتب المدعي الخاص بالجرائم ضد حرية الرأي، المؤسس عام 2010 لمكافحة الحصانة المحيطة بعمليات قتل الصحافيين في المكسيك. وكانت الشابة المسؤولة عن المكتب، المعروف اختصاراً بالإسبانية باسم “فيادل”، هي لورا بوربولا.

ووصلت بوربولا في خالابا إلى جانب فريقها المؤلف من 14 مسؤولاً بعد أربعة أيام من مقتل مارتينيز.

وبوجهها الفتي وعصابة رأسها الوردية، لا تبدو بوربولا من ذلك النوع من المسؤولين الذين شاركوا في ترحيل بعض من كبار المجرمين المكسيكيين، بمن في ذلك ابن مايو زمبادا، زعيم كارتيل سينالوا.

وأمام الكاميرا، روت بوربولا – التي لم تتحدث قط قبلاً مع كشف لهويتها عن قضية مارتينيز حتى الآن – ما اعتبرته تحقيقاً معيباً في شكل كبير جداً انتهى في رأيها بسجن رجل بريء.

في بداية المقابلة، قالت من تلقاء نفسها: “حين أنظر مجدداً في القضية، أشعر بغضب كامل”.

وتتذكر بوربولا اكتشاف مسرح جريمة غريب في بيت مارتينيز. قالت إن الشرطة المحلية المكلفة بالقضية قضت على البصمات في البيت بأن وضعت كمية مفرطة من البودرة الكاشفة – وهي مهارة تبين لها أنها تُدرَّس في السنة الأولى من دراسات علم الجريمة.

قالت: “لم يكن الأمر حادثة”. وأضافت: “لم يحصل هذا الخطأ مرة واحدة فقط”.

وتمكنت بوربولا من أن تكشف بنجاح مجموعتين من البصمات لم يعثر عليهما محققون آخرون لكنهما لم يُحدَّدا قط.

ولم تحصل على أشياء قيل إنها وُجِدت في مسرح الجريمة – مثل قناني الجعة – من أجل تحليلها إلا بعد أشهر حين سُلِّمت في كيس بلاستيكي. وقالت إن القناني تعرضت إلى التلاعب، ما جعل من المستحيل إجراء أي نوع من التحليل.

وأضافت: “لم أر في حياتي المهنية قط مسرح جريمة معدل كهذا”.

وتعتقد بوربولا بأن مسرح الجريمة المساءة إدارته لم يكن مجرد نتاج لعمل تحريين هواة. وتتهم قائد الشرطة إينوك مالدونادو بالإهمال العمد. وقالت: “كان يقول، ‘طبعاً، سيدتي المسؤولة، إليك أي شيء تحتاجين إليه’، ومن ثم يستدير ليقول للآخرين ألا يعطوني شيئاً”.

كبش فداء متكامل

اكتشفت بوربولا – على غرار كثر في المكسيك – أن اعتقال المشتبه به من خلال التلفزيون. فبعد ثلاثة أشهر من إطلاق التحقيق، أعلن فلوريس، مدعي الولاية الذي كان من المفترض أن تعمل معه على القضية، في مؤتمر صحافي “الكشف الناجح عن مقتل ريجينا مارتينيز”.

وقال إن دافع الجريمة كان السطو. كذلك كان القاتل اعترف بالفعل بقتل مارتينيز.

وفي المؤتمر الصحافي، جاء بالمشتبه به مصفد اليدين شرطيون ملثمون ومسلحون بشدة. وقال الضباط له أمام حشد الصحافيين المجتمعين: “ارفع رأسك يا أبله”.

وكُشِف أن المشتبه به المذنب كان خورخي أنطونيو هيرنانديز سيلفا، المعروف أكثر باسمه المستعار “إل سيلفا”.

ووفق المدعي، ذهب ‘إل سيلفا’ إلى بيت مارتينيز برفقة صديق، هو خوسيه أدريين هيرنانديز دومينيغير – المعروف أيضاً باسم ‘إل جاروكو’ – الذي أفادت السلطات المحلية بأنه كان عشيق مارتينيز. ووفق رواية السلطات، نشأ نزاع وأجبرها القاتلان المفترضان على كشف المكان حيث كانت تخبئ مقتنياتها الثمينة. وأضافت السلطات أن ‘إل جاروكو’ ضربها تكراراً بعد ذلك حتى فارقت الحياة قبل أن يغادر مسرح الجريمة ويختفي إلى الأبد.

لم تصدق بوربولا هذه النظرية قط. وقالت المدعية الفيدرالية إن مؤشرات كثيرة في مسرح الجريمة لم تقترح على ما بدا حصول عملية سطو ما لبثت أن تعثرت.

قالت: “كان كل شيء مرتباً. لو أن عملية سطو حصلت، لتبعثر كل شيء”.

وأضافت أن عدداً من المقتنيات الثمينة – مثل جهاز جديد لتشغيل الأقراص المدمجة، وآلة طابعة، وحقيبة مارتينيز، وحلقها الذهبي – لم تُؤخَذ من فوق خزانة الجوارير.

وبعد يوم من المؤتمر الصحافي، تراجع ‘إل سيلفا’ عن اعترافه، قائلاً إنه انتُزِع تحت التعذيب. وقال في بيان أمام القاضي: “كان لديهم نوع من صاعق كهربائي وصدموا صدري بالكهرباء. ولم أعرف هويتهم لأنهم كانوا عصبوا عينيّ”.

وقال ‘إل سيلفا’ إن الشرطة هي على الأرجح الجهة التي عذبته. ورفض مالدونادو، قائد الشرطة وقتئذ، الرد على هذه المزاعم.

واستخدمت محامية هيرنانديز، ديانا كوك توسكانيني، الموارد القانونية المتوفرة لها كلها في محاولة إخراج عميلها من السجن، لكنها لم تنجح.

وقالت لـ”القصص المحظورة”: “يبلغ من العمر 34 سنة، وهو يعاني من الإيدز، وسيموت. هو كبش الفداء المتكامل”.

الرواية الرسمية

تمكن “القصص المحظورة” ووسائل الإعلام الشريكة له من الاطلاع على ملف قضية مارتينيز كله. ووفق المستند المؤلف من أكثر من ألف صفحة، لم يُعثَر قط على بصمات هيرنانديز في مسرح الجريمة. وتأتي التهمة الوحيدة الموجهة إليه من رواية واحدة لشاهد عيان أدلى بها أحد الجيران الذي قال إنه رآه هو و’إل جاروكو’ يتوجهان إلى حي مارتينيز.

ولم تتمكن بوربولا قط من العثور على هذا الشاهد الغامض، ولم يُسمَح لها بمقابلة ‘إل سيلفا’ على انفراد.

وقالت: “قد لا نعرف أبداً من قتل ريجينا، لكنني أعرف من لم يقتلها”.

ورفضت بوربولا، التي بقيت في “فيادل” حتى عام 2015، إغلاق القضية. وحُكِم على ‘إل سيلفا’ بالسجن لـ38 سنة بجرم السطو العنيف والقتل. وهو يصر منذئذ على براءته في حواراته مع محاميته، الشخص الوحيد الذي يزوره في السجن.

ولم يرد فلوريس، المدعي السابق الذي يعمل الآن كاتب عدل في خالابا، على طلبات متعددة لمقابلته. وقال: “كل شيء في ملف القضية”.

وانتشرت الرواية الرسمية لمقتل مارتينيز التي قدمتها سلطات فيراكروز – أي جريمة عاطفية – بسرعة في وسائل التواصل الاجتماعي. وجرى تداول مقال نشره موقع “إل غولفو فيراكروز” على نطاق واسع في “تويتر”. وجاء في العنوان: “المحامي العام للعدل (المدعي المحلي) يكشف مقتل مراسلة ‘بروسيسو’ ريجينا مارتينيز”.

ومن بين حسابات “تويتر” التي شاركت هذه القصة، وجد “القصص المحظورة” عدداً من الحسابات المزيفة. فبالتعاون مع “مكتب التضليل”، وهي منظمة مقرها برشلونة تتخصص في التضليل، تمكن “القصص المحظورة” من تحديد 190 حساباً من النوع المسمى “روبوتياً” أو “بوتياً” شاركت تلقائياً مقال “إل غولفو فيراكروز”. وشاركت الحسابات البوتية هذه أيضاً تغطيات مناسبة أخرى عن الحاكم خافيير دوارتي.

وتمكن “القصص المحظورة” من تحديد مالك “إل غولفو فيراكروز”، وهو أوثون غونزاليز رويز، المستشار للحاكم دوارتي في الوقت نفسه. وفي مقابلة أجراها معه “القصص المحظورة” حول المقال المعني، قال غونزاليز، الذي يسمي نفسه صحافياً، إن القضية لم تكن قاطعة بهذا الشكل.

وأضاف: “بالنسبة إلي، لم يكن من حل واضح للمسألة”. ونفى غونزاليز أي مشاركة – أو معرفة – له بالبوتات.

وشهد أيضاً خورخي كاراسكو، زميل مارتينيز والمدير الحالي لـ”بروسيسو”، على الجهد لإنتاج رواية رسمية حول موتها. فبعد مقتل مارتينيز، كُلِّف كاراسكو بتغطية قضيتها لصالح “بروسيسو”. وبعد عدة رحلات ذهاباً إلى فيراكروز وإياباً منها وأشهر من التحقيق، نشر كاراسكو مقالاً في 14 آذار (مارس) 2013 سلط الضوء على التناقضات في التحقيق الذي جرى في فيراكروز.

وقال: “بدت طريقة تركيب الحقيقة كسيناريو سينمائي سيء”.

وبعد النشر فوراً، بدأ كاراسكو يتلقى تهديدات من مجهولين عبر رسائل نصية. وورد في الرسائل: “توقف عن التحقيق. إذا تابعت، سيلاحقونك”.

وتلقى كاراسكو أيضاً رسائل نصية مهددة تضمنت عنوان منزله. وحققت التهديدات هدفها المقصود. فقد اضطر مدير “بروسيسو” إلى وقف التحقيق، ولم يتابع التحقيق أي من زملائه قط.

وبدلاً من اعتبار العمل الصحافي لمارتينيز خيطاً، بدأت السلطات المحلية تحقيقاً في شبكة الأصدقاء الخاصة بمارتينيز. وأُخِذت بصمات كثر منهم وخضعوا لاستجوابات، ما جعلهم يشعرون بأنهم هم المشتبه بهم بالقتل بدلاً من شهود. وسألتهم السلطات عن الأشخاص الذين أحبت الصحافية الخروج معهم وعن ميلها الجنسي.

وقالوا إن أي سؤال عن عملها الصحافي لم يُطرَح.

وقال كاراسكو لـ”القصص المحظورة” بعد ثماني سنوات إنه لم يشك قط بأن مارتينيز قُتِلت بسبب عملها الصحافي.

وأضاف: “أردنا من السلطات أن تحقق في عملها الصحافي باعتباره خيطاً، وتحديد الأشخاص الذين ربما أزعجتهم منشوراتها”.

الحاكمان الفاسدان

هز العديد من مقالات مارتينيز الطبقة السياسية في فيراكروز. وقبل ثلاثة أسابيع من موتها، نشرت مارتينيز وزميل لها في “بروسيسو” مقالاً دامغاً عن الصلات المفترضة بين اثنين من المسؤولين السابقين في فيراكروز – رينالدو إسكوبار وأليخاندرو مونتانو – وكارتيل لوس زيتاس. وأوردت المادة الأصول كلها التي اكتسبها مونتانو بوسائل غير قانونية. وفي اليوم التالي، اختفت حوالي ثلاثة آلاف نسخة من “بروسيسو” في ظروف غامضة من رفوف الأكشاك في فيراكروز.

وحقق “القصص المحظورة” و60 صحافياً في “مشروع الكارتيلات” في الخيوط الخاصة بتقارير مارتينيز وتتبعت الشبكات الدولية للأفراد الذين كتبت عنهم، بدءاً من فيدل هيريرا وخافيير دوارتي، وهما الحاكمان السابقان اللذان أدارا فيراكروز لأكثر من 12 سنة.

وكان انتخاب خافيير دوارتي عام 2010 بداية عهد الإرهاب بالنسبة إلى الصحافيين. فقد قُتِل 17 صحافياً، بمن في ذلك مارتينيز، خلال السنوات الست من ولايته وحدها. وعلى رغم الخطر الواضح، حققت مارتينيز في افتقار دوارتي إلى الشفافية المالية والديون المتصاعدة في ولاية فيراكروز خلال ولايته.

واستقال دوارتي من منصبه عام 2016، بعد اتهامه بالإثراء غير المشروع والاختلاس. وصدر أمر اعتقال دولي ضده وفر من البلد بمروحية، وهبط في غواتيمالا. وبعد ستة أشهر، أُلقِي القبض عليه وسُلِّم إلى المكسيك. واكتشفت وسيلة الأخبار الاستقصائية “أنيمال بوليتيكو” أكثر من 400 شركة وهمية استخدمها لاختلاس المال العام. وعام 2018، حُكم عليه بالسجن تسع سنوات بتهمة غسل الأموال وتكوين جمعيات إجرامية. واقترن الحكم بغرامة قدرها ثلاثة آلاف دولار – وهو مبلغ مثير للضحك بالنظر إلى ملايين الدولارات المتهم باختلاسها.

وقال مسؤول كبير في إدارة مكافحة المخدرات الأميركية قام بجولات واسعة في المكسيك: “لقد رأيت حكاماً خلال فترة عملي متورطين في الاختلاس والعنف لكنه يتقدمهم جميعاً”.

وورث دوارتي نظام الفساد الذي كان يتمتع به من فيدل هيريرا، وهو مسؤول بارز آخر في الحزب الثوري الدستوري، الحزب السياسي الذي حكم المكسيك في شكل حصري تقريباً لمدة 70 سنة. وواصلت مارتينيز في مقالاتها الإشارة إلى النظام الذي ورثه دوارتي عن سلفه.

وكان هيريرا جمع ثروة كبيرة، حتى بالنسبة إلى حاكم ولاية، وفق “بروسيسو”: طائرة خاصة، 22 سيارة، بما في ذلك عربة مدرعة، ومزارع، وفندق، ويخت. ويقول هيريرا إنه تمكن من كسب هذه الثروة كلها من خلال لا شيء أكثر من الحظ المطلق، الذي قال إنه يتمتع به “منذ طفولته”. وهو فاز باليانصيب في عامين متتاليين: فقد فاز بمبلغ 3.7 مليون دولار عام 2008 و2.5 مليون دولار في العام التالي.

وربما كان ثمة مصدر أكثر احتمالاً لثروته المذهلة هو نظام الفساد المعروف في المكسيك باسم “ديزمو”، أو “العاشر”. وربما ساعد نظام الرشوة هذا الحاكم على اختلاس مبالغ كبيرة من المال من العقود العامة.

ووفق مسؤول عام خدم في إدارات متعددة في فيراكروز، فإن المقاولين الذين حصلوا على عقود عامة – مثلاً، لبناء طريق أو طريق سريع – دفعوا 10 في المئة من قيمة هذا العمل في شكل غير مباشر إلى هيريرا من خلال شركائه. وأكد المصدر نفسه أنه سلم شخصياً حقائب متعددة مليئة بالأموال المخصصة إلى هيريرا إلى شركائه.

وقال المسؤول العام: “كان الأمر يمكن أن يحصل في المطار، في منزل شخص ما، في مقهى، في فندق، في مدينة مختلفة، في أي مكان أمرني بالذهاب إليه”.

وأكدت إدارة مكافحة المخدرات الأميركية وجود هذا النظام الواسع من الفساد. وقال أحد كبار المسؤولين في إدارة مكافحة المخدرات الأميركية ممن قاموا بجولات واسعة النطاق في المكسيك: “كان هيريرا يأخذ المال من الجميع. كان دائماً يحب الرشاوى. “في النفط، وسباق الخيل، والتعدين، والمعدات الثقيلة”.

وعلى رغم طلبات التعليق المتعددة، رفض هيريرا الرد على أسئلة “القصص المحظورة”.

“زيتا 1”

لم تتابع مارتينيز فقط مخططات الاختلاس لدى هيريرا. فقد تقصت الصحافية أيضاً علاقاته بالجريمة المنظمة.

عام 2008، كتبت مارتينيز أن نصف إدارة هيريرا على الأقل كانت مخترقة من قبل لوس زيتاس. وبعد عدة أشهر من موتها، أعادت صورة منشورة في الصحافة المحلية تبين هيريرا يمارس ركوب الخيل إلى جانب فرانسيسكو ‘بانشو’ كولورادو سيسا – وهو رجل أعمال حُوكِم لاحقاً في الولايات المتحدة بتهمة غسل الأموال لصالح المجموعة الإجرامية – إلهاب الشكوك في روابط هيريرا مع لوس زيتاس. ولاحقاً تلقت وسائل الإعلام المكسيكية التي نشرت الصورة تهديدات مادية وقانونية من صحافي مقرب من هيريرا.

وكشفت القضية القضائية بحق كولورادو في ولاية تكساس عام 2013 تفاصيل إضافية عن الترتيبات بين الرجلين. فخلال المحاكمة، قال المحاسب السابق لدى لوس زيتاس خوسيه كارلوس هينوخوسا إنه حوّل 12 مليون دولار إلى كولورادو من أجل تمويل حملة هيريرا الانتخابية لتولي منصب الحاكم عام 2004. وكشفت وسائل إعلام مكسيكية لاحقاً أن إدارة هيريرا أعطت 22 عقداً من عقود الأشغال العامة إلى شركة استخدمها كولورادو لغسل أموال لوس زيتاس. وخلال المحاكمة، قال سكوت لاوسون، عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي المسؤول عن التحقيق، إن كارتيل لوس زيتاس، في مقابل المساعدة في انتخاب هيريرا، مُنِح حرية تشغيل عملياته في مجال الاتجار بالمخدرات في فيراكروز.

وفي المكسيك، لم تُجرَ أي تحقيقات قط بحق هيريرا. ومن جهته، نفى هيريرا علناً في مقابلة تلفزيونية أي مشاركة في الجريمة المنظمة. وقال: “يداي نظيفتان. لم أتلق قط أي سنت غير مشروع في حملتي الانتخابية”.

لكن خبراء أمنيين يؤكدون أن العلاقة بين بانشو كولورادو وفيدل هيريرا ليست مجرد أقاويل.

وقال خورخي ريبوليدو، الخبير الأمني العامل لعدد من الحكومات والشركات المكسيكية الذي أمضى أكثر من 10 سنوات في فيراكروز: “كان فيدل زعيم الزعماء. لم يكن في مقدور لوس زيتاس العمل في فيراكروز من دون إذنه وهو استخدم الكارتيل للحفاظ على النظام في بعض أجزاء الولاية.

وأكد الأمر أرتورو فونتيس، وهو عميل متقاعد في مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي أمضى 28 سنة يحقق في شبكات الاتجار بالمخدرات وغسل الأموال في المكسيك وكولومبيا.

وقال: “أسمى لوس زيتاس فيدل هيريرا ‘زيتا 1’ لأنه كان الرجل الذي أدار الولاية”.

القنصل والمجرمون

على رغم الشكوك في الفساد واحتمال وجود صلات بالجريمة المنظمة، لم تتأثر الحياة المهنية السياسية لهيريرا إلى حد كبير. عام 2015، عينه الرئيس إنريكي بينيا نييتو قنصل المكسيك في برشلونة.

وفي عاصمة كتالونيا، قُوبِل تعيين حاكم سابق يُشتبَه في تواطئه مع عصابات المخدرات بالرفض. وكشف كبير المحققين الجنائيين في الشرطة الكتالونية (“موسوس دي إسكوادرا”)، طوني رودريغيز، لـ”القصص المحظورة” وشركائه من وسائل الإعلام أن فريقه بدأ في جمع معلومات حول الروابط بين القنصل وغاسلي الأموال في برشلونة.

وكان في قلب هذه الشبكة الإجرامية برناردو دومينغيز سيريسريس، وهو رجل أعمال يملك دار نشر جرى التحقيق فيها عام 2018 بتهمة غسل الأموال. وحين اتصل “القصص المحظورة” برجل الأعمال، أقر الأخير بمعرفته بهيريرا وزيارته إياه في مناسبات متعددة – بل ودعوته إياه إلى عرسه – لكنه نفى وجود أي علاقة تجارية مع هيريرا.

وقال سيريسريس: “لم يتقدم قط بأي عرض تجاري. لقد طلب مني فقط أن أحرر كتبه، لا غير”.

كذلك نظرت الشرطة الكتالونية في علاقة هيريرا مع سيمون مونتيرو جودوروفيتش، وهو عضو في عالم الجريمة ببرشلونة يُتهَم بإدارة واحدة من أكثر حلقات تهريب المخدرات نشاطاً في المنطقة وغسل الأموال لصالح القناصل. وعلى رغم اعتقال جودوروفيتش وعدد من شركائه عام 2019 بتهمة غسل الأموال، تمكن هيريرا من النفاد. وترك الحاكم السابق منصبه في كانون الثاني (يناير) 2017، ما أنهى في شكل فاعل بحوث الشرطة الكتالونية.

ومنذ عودته إلى المكسيك، لم يصدر أي حكم حتى الآن على هيريرا. ففي سن 71 سنة، أصبح لا يُمَس. وعلى رغم عدد من التحقيقات التي أُجريَت ضده – من معارضين سياسيين في المقام الأول – لم يؤتِ أي منها ثماره. كذلك لم يكن على الحاكم السابق، أو خلفه، أن يُجيبَا حول آلاف الأشخاص الذين اختفوا في فيراكروز أثناء ولايته.

المقبرة الجماعية في المكسيك

من خلال العديد من الشهادات المتطابقة، تمكن “القصص المحظورة” من أن يحدد أن مارتينيز، قبل موتها السابق لأوانه، كانت تستعد لنشر تحقيق متفجر عن مفقودي فيراكروز، بل وحددت موقع دفن بعضهم. ونشرت الصحافية بضعة سطور عن الموضوع في مقالة منفصلة بـ”بروسيسو”، لكن المقالة المتعمقة التي كانت تعدها خلال الأشهر السابقة لموتها لم تر النور قط.

وشرح مسؤول رفيع المستوى سابق، فضل عدم كشف هويته خوفاً على حياته، أن المفقودين الذين كانت مارتينيز تحقق في شأنهم كانوا أفراداً رغبت الحكومة والكارتيلات في التخلص منهم. وكان من بينهم أصحاب شركات رفضوا الخضوع لابتزاز الكارتيلات وشابات أُعجِب بهن تجار مخدرات ولم يتمكنوا من العودة إلى منازلهم قط.

وقال المصدر: “كان العثور على هذه الجثث يشبه البحث في الرمل عن بيوض السلاحف. كان على المرء حفر السطح قليلاً فيجد جثثاً فوق جثث”.

وقدّر المسؤول أن ما بين 24 ألف شخص و25 ألفاً اختفوا في فيراكروز خلال ولايتي هيريرا ودوارتي. وتشير الإحصاءات الرسمية لعام 2015 إلى أن هذا العدد يبلغ حوالي خمسة آلاف. ووفق المسؤول، “كانت التعليمات تنص على ألا تصبح هذه المعلومات علنية قط”.

وعام 2015، وبعد اكتشاف عدد من المقابر الجماعية واستمرار صمت السلطات، بدأت الصحافية مارسيلا توراتي في رسم خريطة للمقابر السرية التي تحتوي على عظام وجماجم وبقايا بشرية أخرى.

وقالت: “يبدو من الجنون أن الدولة لم تتابع المقابر السرية في المكسيك”.

ولسنة ونصف السنة، اكتشفت توراتي وفريقها في المتوسط مقبرتين مخفيتين جديدتين في اليوم. وفي المجموع، أحصت ألفي مقبرة في أنحاء البلاد كلها. وتبين لها أن المكسيك كانت تتحول إلى مقبرة مكشوفة. وبالنسبة إلى الصحافية، كان هذا العدد مجرد بداية.

وقالت: “في بعض المناطق، كان المدعون العامون لا يزالون متواطئين مع الكارتيلات. لقد فضلوا إخفاء الجثث وعدم الشفافية في الإحصاءات”.

ووفق أفراد مقربين من مارتينيز، بدأت الصحافية التحقيق عام 2009 في حالات الاختفاء التي وقعت في المكسيك. وفي ذلك الوقت، لم يتخيل أحد الحجم الهائل أو الرعب الخاصين بوضع المكسيك. وأعرب أفراد أسر المفقودين عن أملهم في أن يكون أحباؤهم اختُطِفوا ببساطة، ولم يُدفَنوا تحت الأرض على عمق 10 أقدام (ثلاثة أمتار). وفي كثير من الأحيان، كان الخوف من التحدث علناً يمنعهم من الذهاب إلى السلطات للحصول على مساعدة.

وعلى رغم الخطر، بدأت مارتينيز البحث عن جثث المفقودين. وقالت لأندريس تيموتيو، الصحافي الذي فر من المكسيك بعد موت مارتينيز، إنها كانت تبحث عن الجثث في المشارح العامة، لكن من دون جدوى. وطلبت منه أن يأتي معها للتحدث مع مصادر الشرطة.

وقال: “كان الأمر مثل الذهاب الى عرين الأسد. قلت لها لا أنا ولا أي شخص آخر سيريد الذهاب إلى هناك معها”.

ولم تتوقف مارتينيز عند هذا الحد. في تموز (يوليو) 2011، أجرت مقابلة مع الأب سولاليندي، الذي كان يدير نزلاً للمهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى الولايات المتحدة عبر المكسيك. وروى الكاهن عدداً من الشهادات التي أدلى بها مهاجرون تجاوزوا كارتيل زيتا، الذي اختطفهم وطلب فدية قبل السماح لهم بمواصلة التوجه إلى الشمال. وإذا رفضوا أو لم يتمكنوا من الدفع، كانوا يُعدَمون وتُكدَّس جثثهم في مقابر سرية في الصحراء.

ونهاية عام 2011، أي قبل عدة أشهر من مقتلها، بدأ تحقيق مارتينيز في التصاعد. وأسرت “الامرأة الصغيرة” إلى صديق أنها شرعت في التحقيق الأكثر خطورة في حياتها المهنية. وأعربت عن اعتقادها بأنها حددت مكان دفن بعض المفقودين. لكن هذه المرة، كما اعتقدت، لم تكن الكارتيلات تخفيهم بل السلطات نفسها.

واتصلت مارتينيز بالمصور الفوتوغرافي خوليو أرغوميدو. وقال أرغوميدو الذي لم يتحدث علناً قط حتى الآن، إنه يتذكر أنه ذهب مع مارتينيز إلى عدد من المقابر الجماعية، بما في ذلك مقبرة في بالو فيردي، بالقرب من خالابا.

وقال: “كانت القبور ممتلئة إلى درجة أن الجثث كانت تطفو”.

وفي حين التقط أرغوميدو صوراً، تحدثت مارتينيز إلى حفاري القبور في محاولة لمعرفة من أين تأتي الجثث. ووفق حساباتها، ازداد عدد الجثث المدفونة في هذه المقابر الجماعية بنسبة ألف في المئة بين عامي 2010 و2012.

ووفق المصور، كان تحقيق مارتينيز قريباً جداً من النشر. وقال: “لم أكن أعرف التاريخ بالضبط، لكن كنت أعرف أنها كانت تستعد للنشر في وقت قريب جداً”.

وفي السنوات التي تلت اغتيال مارتينيز، كُشِفت أكبر فضيحة في المكسيك شيئاً فشيئاً. فقد نظم أفراد من أسر المفقودين فرقاً تفحصت الأرض بحثاً عن رفات بشرية. وبدءاً من عام 2014، لم يكن أمام السلطات المكسيكية خيار سوى أن تحذو حذوهم. واكتُشِفت بعد ذلك آلاف المقابر الجماعية في أنحاء البلاد كلها.

واليوم في بالو فيردي، حيث حققت مارتينيز قبل ما يقرب من 10 سنوات، يواصل رجل البحث عن آثار مقبرة جماعية. هو يبحث عن ابنته جيما، التي اختفت عام 2011 وهي في الـ29 من عمرها. وبعد إصرار شديد، اعترفت السلطات له بالعثور على رفاتها في كيس بلاستيكي أُودِع في بالو فيردي. لكن السلطات رفضت الحفر في كامل قطعة الأرض التي تبلغ مساحتها ثلاثة أكرات ونصف الأكر (14 ألفاً و164 متراً مربعاً) حيث من شبه المؤكد أن ابنته مدفونة، إلى جانب العديد من الآخرين.

وقال: “ليس لدي مكان أضع فيه الزهور لابنتي، وأتحدث معها. كأني أُجذّف عكس التيار. ليس لدى السلطات أي سبب للتنقيب. إنهم يريدون فقط تغطية ظهور بعضهم بعضاً”.

وعام 2016، عُثِر على مقابر جماعية في الفناء الخلفي لأكاديمية الشرطة في ولاية فيراكروز.

ومنذ ذلك الحين، يُحاكَم أرتورو برموديز، الذي شغل منصب الأمين العام للأمن العام في عهد دوارتي. وهو متهم برئاسة فرقة إعدام متورطة في مقتل ما لا يقل عن 15 شخصاً. وأُطلِق سراحه بشروط عام 2018، وهو حالياً في انتظار المحاكمة.

وحتى اليوم، لا تزال كتابة المقالات الصحافية عن المقابر الجماعية في المكسيك خطيرة. فقد اضطرت توراتي وفريقها إلى وقف تحقيقهما الميداني فجأة بعد تلقيهما تهديدات بالقتل. قالت: “أخبروني أننا إذا واصلنا عملنا، فلن نخرج منه أحياء”.

وفي 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، قُتِل إزرايل فاسكويز، وهو مراسل “إل سلمانتينو”، أثناء التحقيق في اكتشاف بقايا بشرية في ولاية غواناخواتو بوسط المكسيك.

وقال مسؤول حكومي رفيع المستوى كان مطلعاً على المحادثات الداخلية الحساسة إن المقابر الجماعية يمكن أن تكون هي الموضوع الذي أدى إلى موت مارتينيز. وأضاف: “كانت صحافية أثارت ضجيجاً. أعتقد بأن المقابر الجماعية يمكن أن تكون القشة التي قصمت ظهر البعير”.

وقال: “إن حالات الاختفاء موضوع حساس جداً. هي ليست جريمة مثل جريمة قتل حيث يٌقتَل الشخص وينتهي الأمر. مع المختفين، أنتم لا تعرفون ما إذا كانوا أحياء أم أمواتاً. وبالتالي تستمر العائلات في ممارسة الضغط على الحكومة والحكومة لا تحب تلك الدعاية السيئة”.

إعادة فتح القضية

من المستحيل معرفة إلى أي مدى ذهبت مارتينيز في تحقيقها لأن موادها سُرقت صباح يوم موتها. وأشارت بوربولا، المدعية العامة الفيدرالية، إلى أن المعتدين “لم يسرقوا كل مسائل عملها، بل سرقوا حاسوبها وشريطي كاسيت يضمان مقابلاتها الأخيرة”.

ووفق أحد أصدقائها، كان مقتل مارتينيز وسيلة لدفن الحقيقة. وقال: “بقتلها، أحرقوا مكتبة بابل”.

وعام 2015، أغلقت سلطات فيراكروز التحقيق في موتها رسمياً. ورداً على سؤال حول قضيتها من قبل “القصص المحظورة” في مؤتمر صحافي يوم 17 تشرين الثاني (نوفمبر)، التزم الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور إعادة فتح القضية إذا تمكن من إيجاد أساس قانوني للقيام بذلك – وهو وعد قد لا يقوم بما يكفي لعلاج جروح فيراكروز.

بعد ثماني سنوات من موت مارتينيز، لا تزال عباءة الصمت واضحة. وفضل أصدقاؤها مقابلتنا في فندقنا – وظلوا ينظرون يميناً ويساراً، خوفاً من التجسس عليهم. وجرى تهديدهم جميعاً بعد موت الصحافية ولا يزالون خائفين حتى يومنا هذا.

لم يطأ أندريس تيموتيو بعد فيراكروز، حيث حل الآن كارتيل جاليسكو للجيل الجديد (سي جاي إن جي بالأحرف الأولى الإسبانية) محل لوس زيتاس. ويتجنب الصحافيون في المنطقة – وفي أنحاء المكسيك كلها – تسمية كارتيلات محددة، وبدلاً من ذلك يختارون الإشارة إليها على أنها “جريمة منظمة”. ولن يقول العديد من الصحافيين في فيراكروز اسمي فيدل هيريرا وخافيير دوارتي بصوت عال. وقد يُطلق سراح دوارتي، المسجون حالياً، في وقت مبكر من عام 2022 بفضل عقوبة مخففة.

وكل عام، يُكسَر هذا الصمت في يوم واحد. في 28 نيسان (أبريل)، ذكرى موت مارتينيز، تنظم صديقتها نورما تروخيو مسيرة أمام قصر الحاكم – المبنى الذي لم يُسمَح قط لمارتينيز بدخوله. وفي كل مرة يضع المنظمون لوحة في الساحة المركزية، ويعيدون تسميتها “ساحة ريجينا مارتينيز”.

وكل عام، تزيل السلطات اللوحة. فحتى في موتها، لا تزال مارتينيز مزعجة.

  • ساهم في هذا التحقيق: جول جيرودات (القصص المحظورة)، وآرثر بوفار (القصص المحظورة)، ونينا لاخاني (الغارديان)، ودانا بريست (الواشنطن بوست)، وأنطونيو باكيرو (مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد)، وفيرونيكا إسبينوزا (بروسيسو) وليليا سول (مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد) في هذا المقال من بين مساهمين آخرين.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
كل ما يحصل اليوم على مستوى توجيه أصابع الاتهام إلى خفايا السوق الموازية والتطبيقات الإلكترونيّة، لا يعكس سوى تهرّب حاكم مصرف لبنان من مسؤوليّته تجاه الأزمة وفوضى أسعار الصرف.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني