fbpx

موسيقيّو الشارع في لبنان… أين هم؟

في لبنان، على ما يبدو، هذه الظاهرة تكاد تكون غير موجودة إلا نادراً . وإن ظهرت في بعض الأوقات المتباعدة، فقد كان ظهورها خجولاً وعابراً في المناسبات والأعياد.

من النادر أن تصادف في العاصمة بيروت أو في غيرها من المدن اللبنانية، موسيقيين يعزفون على آلاتهم الموسيقية في مكان عام، ساحة، شارع أو حتى زقاق. وإذا حصل مثل هذا الحدث فلا شك في أنه سيُثير في المارة استغراباً قد يصل إلى حد الاستهجان.

لا أدري إن كانت عواصم البلدان العربية أيضاً يندر فيها وجود مثل هذه الظاهرة المنتشرة في بلدان كثيرة من العالم. ولكن قلة موسيقيي الشارع في عاصمة مثل بيروت، حيث التنوع الفني اللافت والتأثر عالي النبرة بظواهر ثقافية عالمية، يُثير أسئلة حول أسباب ذلك، وأيضاً حول رد الفعل السلبي أو لِنَقُل غير المُرَحّب، من قِبَل الجمهور اللبناني.

ظاهرة الغناء والعزف في الأمكنة العامة والساحات هي بالتأكيد ظاهرة ثقافية/ فنية قديمة العهد ومستقلة نوعاً ما عن بقية أنواع فنون العرض. يمارسها الموسيقيون المحترفون كما الهواة. على رغم اختلاف الأهداف المرجوّة منها وتبايُن دوافع ممارسيها، كما تتفاوت نظرة الجمهور إليها، إنما تبقى هذه الظاهرة مؤشراً الى مدى قدرة الفن على التفاعل مع المكان العام والتأثير في وعي جمعي مكوناته مدينيّة، ومُنفَلِت من نطاق السلطات على أنواعها وخصوصا الفنية منها.

يعود الفضل الاساس في انتشار فنون الأداء الموسيقي في الشارع وثباتها، إلى نشوء المدن وتطورها. ولكن من المؤكد أن هذه الظاهرة قد بدأت بالتشكّل تدريجاً لقرون سبقت نشوء المدينة بشكلها الحديث. فإنْ كان اختراع المرحاض وقنواته المائية قد أطلق العنان لنشوء المُجمَّعات السكنية وتالياً المدينة، فموسيقيو القرون الوسطى في أوروبا وشعراؤها، الذين يُطلق عليهم “التروبادور” troubadour، يعود لهم الفضل في إطلاق ظاهرة الموسيقيين المُتجولين jongleur بين القرى والأرياف، حيث كانوا يعرضون رقصاتهم الشعبية ويرددون أغاني لنصوص عاطفية ومن أشعار في حب الطبيعة.

يُرجِّح بعض الخبراء في تاريخ اللغات والموسيقى أن كلمة التروبادور يعود أصلها إلى اللغة العربية وهي مؤلفة من كلمتين: طرب/ دور، انتشرت مع دخول العرب إلى الأندلس ووصول زرياب إليها. ويُسجّل لظاهرة التروبادور أنّها أرست دعائم الفن الموسيقي الدنيوي خارج الكنيسة ونصوصها الدينية.

نشوء المدن وتطور المفهوم الحضري فيها حجراً وبشراً طوّر مفهوم الساحة كفضاء عام، بعدما كانت في الريف عبارة عن مساحة تتشارك فيها العائلات وأقارب الدم والنسب حصراً. تحوَّلت الساحة مع ظهور المدينة الى مساحة مشتركة مفتوحة للعموم من سكانها والوافدين إليها من الغرباء. يأتي إليها الجميع يومياً للبيع والشراء كما للتبادل الاجتماعي الثقافي والمشاركة في كل شيء تقريباً. توسعت الساحات وتنوعت في القرن العشرين مع توسع المدن وازدياد كثافة سكانها. رافق هذا الاتساع والتنوع ممارسة أكبر لحرية التعبير السياسي والفني وولادة النزعة الاستقلالية للفرد عن الجماعة. وكل ذلك ساهم في تثبيت دعائم فنون العرض في الشارع، وجعل ساحات المدن فضاء متنوعاً، ديموقراطياً ومفتوحاً على كل أنواع الفنون وبكل مستوياتها الاحترافية وغير الاحترافية.

في مدينة بيروت تحمل الساحات أسماء من دون فضاء عمراني جغرافي، تاريخي وثقافي.

في لبنان، على ما يبدو، هذه الظاهرة تكاد تكون غير موجودة إلا نادراً . وإن ظهرت في بعض الأوقات المتباعدة، فقد كان ظهورها خجولاً وعابراً في المناسبات والأعياد، أو من خلال مبادرة لأفرادٍ مجهولين أو لفنانين حصلوا على دعم مادي، لإقامة مهرجان شارعيّ ليوم أو يومين.

على أن الأسباب الكامنة وراء عدم تشكُّل مثل ظاهرة ثقافية كهذه، في بلد متنوع مثل لبنان، تكمن في أمور ابعد من رغبة الفنانين الموسيقيين في خلق مثل هذا الحدث المدينيّ وجعله ظاهرة فنية مُستدامة. برأيي الشخصي إن اهم الأسباب وباختصار تكمن في:

أولاً، عدم تشكّل الساحة كفضاء اجتماعي ثقافي في العاصمة بيروت كما في المدن اللبنانية الكبرى لأسباب كثيرة، قد تبدأ من عشوائية نمو المدينة عمرانياً، ولا تنتهي عند الأسباب السياسية والاجتماعية، التي جعلت تمركز نزوح الأهالي من الريف إلى المدينة، تمركزاً عائلياً وطائفياً وعشائرياً، ما أدى إلى ترَيُّف (من الريف) المدينة وانتفاء قدرتها على صهر المجموعات البشرية وتكوين المواطن/ الفرد المُستقل عن جذوره العائلية والعشائرية.

ثانياً، التركيبة الهشة للسلطة “المدنية” القائمة منذ الاستقلال، وضعفها المتزايد أمام المكونات الطائفية والمذهبية في فرض قانون مدني مُوَحَد للأحوال الشخصية وقانون انتخابي لبلديات المدن على أساس مكان السكن وليس على أساس مكان الولادة والسجل المذهبي.

ثالثاً، نتائج الحرب الأهلية اللبنانية وما رسخته من فرز سكاني قام على أساس الانتماء الطائفي، ومن خطوط حُمر نفسية بين الناس ألغت فرصة  المزج والذوبان والتكامل التي تُحْدِثها المدينة عادة بين المجموعات البشرية. فبمجرد وجود شاب من ساحة ساسين في ساحة بئر العبد سيُثير حتماً أسئلة واستغراباً مما يفعله في منطقة ليست له، والعكس صحيح أيضاً.

رابعاً، جنوح متزايد عند اللبنانيين بتفسير كل شيء تبعاً لنظرية المؤامرة. فمعظم اللبنانيين ينظرون إلى الذين يزاولون مهناً متواضعة في تجوالهم الدائم في الشوارع والأزقة، كبائعي أوراق اليناصيب أو ألعاب الأطفال أو بائعي العرنوس والترمس، بنظرة شك وريبة. فينسبون حقيقة عملهم تارةً الى خفايا مخابراتية وطوراً الى مهمات أمنية تُفيد العدو المتربص بنا عند كل زاوية شارع وزقاق.

خامساً، نظرة المجتمع اللبناني الدونية إلى مُمارسي فنون عرض الشارع وخصوصاً الأداء الموسيقي منه. فما أن يجرؤ احدهم على النزول إلى الشارع بمبادرة فردية لتقديم عرض موسيقي ما، ليُصبح متهماً بالجنون والخبل أو أقله يتعرض للسخرية والتنمر.

في مدينة بيروت تحمل الساحات أسماء من دون فضاء عمراني جغرافي، تاريخي وثقافي. شوارعها تئن من تلوث بيئي فظيع وهي فارغة من العروض الظريفة لموسيقيي الشارع والمُحفزة على الحياة والفرح. أما المدن اللبنانية فهي لا تعدو كونها مدناً ريفية تسكنها الكآبة والعزلة، على رغم قدرة ناسها على استخدام أحدث منتجات التكنولوجيا.

بعد انفجار مرفأ بيروت، وهو المرفأ العريق في تاريخ هذه المدينة، وتدميره ربع مساحة المدينة وتعطل الحياة فيها، لن يكون لمؤدّي فنون عرض الشارع وموسيقييه أي حظ بالظهور حاضراً ومستقبلاً، إذ تحوّل مفهوم الساحة في لبنان إلى مصطلح سياسي (الساحة اللبنانية الممانِعة والمقاوِمة) للدلالة على نقص فادح في قدرة الدولة وسلطتها، على الإمساك بزمام سيادتها الداخلية والخارجية، وعلى توفير الأمن والأمان الاجتماعي والاقتصادي لشعبها.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
باسكال صوما – صحافية لبنانية
” كنت أحتاج إلى جهاز تنفس بشكل ملح، لكنني خفت أن أتوجّه إلى المستشفى. ” ماذا يفعل سكان المخيمات في ظل فايروس “كورونا” الذي بات تفشيه مرعباً؟
Play Video
كم امرأة سقطت بجريمة قتل عنف أسري؟ كم امرأة باقية بالغصب لأنو القوانين كلها ضدها؟ كم امرأة محرومة من ولادها؟ كم فتاة تم تزويجها وهيي بعدها قاصر؟ قديش بعد بدنا نعد ضحايا ومظالم حتى نقتنع انو #صار_بدا_قانون_موحد_للأحوال_الشخصية بيساوي بين الجميع

2:59

Play Video
يستقبل اليمنيون الموجة الثانية من “كوفيد- 19” في ظل ضعف البنية التحتية للمنشآت الصحية وقصور كبير في توفير الطواقم والأجهزة الطبية اللازمة لمواجهة الفايروس.

02:01

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني