fbpx

مصر: “موديل الهرم” ولماذا تفزع السلطة من المرأة الأفعى؟

قضية سلمى الشيمي أصبحت مثالاً واضحاً على دهس المجتمع وسلطاته المختلفة الأنوثة الهاربة من أي تنميط قمعي وعقائدي.

شهدت مصر واقعة لا تقل غرابة عن اعتقال فتيات “تيك توك”، بتهمة خدش الحياء وتهديد قيم الأسرة المصرية، فقد اعتُقلت عارضة الأزياء سلمى الشيمي، بعد التقاطها صوراً بالزي الفرعوني أمام الهرم، وقبضت شرطة المباحث والآثار على المصور و6 موظفين من العاملين في الموقع الأثري.

واجهت سلمى الشيمي اتهامات عدم استخراج تصريح للتصوير، وهي التهمة التي تخفي الاتهامات التي صرح بها صبري فرج مدير عام منطقة آثار سقارة، ومفادها أن صورها تسيء للأثر الفرعوني، وهو الاتهام الذي أثار سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب استحالة الربط بين صور فتاة ترتدي زياً فرعونياً، والإساءة للآثار المصرية، وكأن لفظ “الحرم” الذي يُطلق على حيز الآثار أصبح يحمل دلالات سلطوية عوضاً عن “القدسية”.

الاتهامات الموجهة إلى سلمى الشيمي تحرض على العودة مجدداً إلى مسألة جسد المرأة، باعتباره الموضوع المركزي للمخيلة العربية، فمهما انشغلت المجتمعات العربية عن كوارثها المتعلقة بالفقر والبطالة وغيرهما، لن تنشغل عن توريط جسد المرأة دائماً وقمعه في كل مناسبة سياسية واجتماعية وسلطوية.

ظهرت سلمى الشيمي في الفيديو الخاص بها أمام هرم “زوسر” مشدودة القوام، تمشي بغنج وجسد لامع، تدور في نصف دائرة فيتطاير شعرها الطويل حولها، وعلى رغم أنها كانت تلتقط الفيديو أمام أعين 6 من موظفي المنطقة الأثرية، إلا أنها كانت في كامل ثقتها وهي ترتدي تاجاً يحمل رمز الأفعى. كانت سلمى تتوحد من دون أن تدري مع نموذج المرأة الأفعى، الغارق بين إحالتين متضادتين، الأفعى في الثقافة العربية، والأفعى في الثقافة الفرعونية.

ربما كانت سلمى الشيمي النموذج الأكثر تماهياً مع الأفعى في الحضارة الفرعونية، التي اعتبرتها مقدسة، لدرجة تشبيه المرأة بالأفعى، والأفعى بالمرأة للتكريم. الأفعى في الحضارة الفرعونية مقدسة وتسمى “وادجت”. كانت في المثيولوجيا المصرية ابنه “رع” وعينه، وكانت توضع على تيجان ملوك مصر، وفوق جبينهم لتقوم بدورها في حمايتهم. كما قامت “وادجت” بحماية رع من قوى الفوضى والظلام في الزمن الأول، وكانت الأفعى مقدسة عند الفراعنة لأنها من الكائنات الإلهية التي تشرف على ميلاد الإنسان في الحياة الدنيا، هي التي تعطيه الاسم وبذلك تساعده على المجيء إلى عالم الظاهر، والمرأة / الأفعى الفرعونية غير موصومة بسبب جسدها، ترقص على المعابد عارية الساقين وأحياناً عارية الصدر، قبل أن يسجى جسد المرأة لاحقاً في طبقات من القمع.

لكن سلمى الشيمي اختُزلت في نموذج المرأة الأفعى وفق ما تتصوره المخيلة العربية، ففي دراسة للكاتب عزيز العظمة بعنوان “السيطرة على المرأة والوفاء للتراث”، يقول إن “الأنثى المتصورة والمتخيلة لدى العرب مخلوق برأسين ملاك وأفعى، أو حورية وأفعى، الوجه الأفعوي هو المخلوقة المتآمرة والمحتالة الشبقة (من دون إذن من الولي) المتحايلة على القوانين والأعراف، امرأة ذات ردفين يجتمعان في عجيزة فخمة، لعل أبلغ من وصفها هو نجيب محفوظ في معرض كلامه عن الذوق النسائي للسيد أحمد عبد الجواد”.

مهما انشغلت المجتمعات العربية عن كوارثها المتعلقة بالفقر والبطالة وغيرهما، لن تنشغل عن توريط جسد المرأة دائماً وقمعه في كل مناسبة سياسية واجتماعية وسلطوية.

لطالما اشتهت المخيلة العربية نموذج المرأة الأفعى وأدانته في الوقت نفسه، فهي النموذج الكامل للجمال، والأكثر استدعاءً للشهوة، لكنها امرأة خطرة، تمضي بثقة خارج المحاذير والقوانين، لا تنتبه للسلطة التي يرابض عليها الرجل الشرقي ولا يسمح بانفلاتها منه في المجال العمومي. يسمح لها بإظهار الوجه الآخر المسموح به “الملاك/ الحورية” الضامنة لشرف الجماعة وإعادة إنتاج القيم، هذه الحورية /حورياه تمارس دور الأفعى داخل منزل الرجل فقط لتضمن وضعاً اجتماعياً مريحاً في بيته.

سمحت النيابة بنشر صور لسلمى الشيمي بعد اعتقالها، في وسائل الإعلام، وهي ترتدي عباءة سوداء طويلة ولا يظهر من جسدها سوى شعرها، جسدها متقلص ونظرتها منكسرة بفعل الصدمة، ملامحها أكثر براءة ومتجردة من أي أداء يستدعي الشهوة، وكأن السلطة تقول “أخيراً تم طمس نموذج المرأة الأفعى الخارجة عن القيم وها نحن نقدم لكم نسختها الأنسب كحورية منكسرة”.

المفارقة الأكثر إدهاشاً، رد وسائل إعلامية على صورة سلمى الشيمي بصورة أخرى لفتاة محجبة ترتدي زياً فرعونياً، هذه المفارقة لا يمكن تجاهلها لأنها تؤكد ولو بطريقه عفوية غير مدروسة الصراع التاريخي حول أجساد النساء، ومحاولة طمس المرأة الأفعى المغناج المشتهاة أمام الهرم، وأمام تاريخ قدسها كأيقونة ميثيولوجية مرادفة للحياة، بامرأة عربية “حورية” غير مشتهاة تتبع القيم والسلطة بقناع وهمي يواري أفعى يصعب وأدها.

عجيزة سلمى الشيمي خبلت الرأي العام والسلطة في مصر، بخاصة وهي تستند بها على الأثر الفرعوني في ثقة بالغة، خبلت الرأي العام لأنها امرأة مثالية الجمال وفق مخيلة العرب، وعلى رغم ذلك هي الأولى بالرجم والتنمر، وكأن عزيز العظمة يصفها هي تحديداً في مقاله “السيطرة على المرأة والوفاء للتراث”، فيقول “هذه المرأة، مثالية الجمال، ذات فخذين لعظمهما عجزت عن القيام أو كادت، لكأنما الرجل المهلوس على هذه المرأة يروم دخول بحر متلاطم الأمواج، وكأن كل ثنية من ثنايا الشحم المترامي تحت الجلد بمثابة رحم مستأنف لرجل طفولي أوديبي على الدوام”.

حالة الهياج الجمعي من الرأي العام والسلطة على نموذج سلمى الشيمي يستدعي مصطلح “الدولة المنتصبة” الذي أسس له الزميل عمار المأمون في مقال له بعنوان “الدولة المنتصبة… المفاهيم السياسية والحيوية للدولة بوصفها كياناً يخدم التكاثر ومضاداً للمتعة”، يشرح فيه الدور الذي تقوم به دول للسيطرة على الجسد الأنثوي وحصره في مساحات التكاثر فقط، فهذه الدول “المنتصبة” وفقاً لعمار “ترى الخاضعين لها أدوات للتكاثر، وتقنن ذلك عبر مؤسساتها ونصوصها لضمان “فاعلية” الإنجاب إلى جانب استخدام “الإيلاج” كوسيلة قمعية، والجسد الأنثوي يصبح وضعية اجتماعية في أسفل هرم علاقات القوة، ويعني الجسد بوصفه مكاناً صالحاً لاستقبال الذكور.

لذلك قضية سلمى الشيمي– على رغم الافراج عنها بكفالة بعد اعتقالها بساعات- أصبحت مثالاً واضحاً على دهس المجتمع وسلطاته المختلفة، الأنوثة الهاربة من أي تنميط قمعي وعقائدي، أنوثة منفلتة عن صورة الفتاة الجاهزة للتكاثر والحياة المريحة، على رغم محاولات الجهات الأمنية لتوفير اتهامات تزيد محاولات رفض الرأي العام نموذج سلمى الشيمي، إلا أنها لم تفلح في مواراة حادث الدهس الكبير الذي تعرضت له سلمى الشيمي ونظيراتها من دوائر السلطة.

النيابة صادرت متعلقات سلمى الشيمي بعد القبض عليها من بيتها، وكانت الأحراز عبارة عن رداء كليوباترا واكسسوارت فرعونية وتاج الأفعى، أطلقت النيابة سراح “موديل” الهرم متحفظة على الأحراز “المحرضة” لفتاة مصرية طمحت بأن تتماهى مع ميثولوجيا قديمة سمحت للنساء بالرقص والتعري والعزف، إنما فاتها أن عصور المثيولوجيا انتهت وأصبحت حفرية معنوية غير قابلة للتطبيق مثلها مثل الحفريات الفرعونية الأثرية.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني