fbpx

هل تُشكّل زيادة عدد “ذوي الشهادات المرموقة” أمراً خطيراً؟

ديسمبر 1, 2020
قد يكون فرط إنتاج النخب سبباً من أسباب حالة الانزعاج والشعور بالضيق التي ضربت عالَم الأغنياء أخيراً. أصبح من الصعب للغاية على أيّ شابّ الوصول إلى مصافّ النخبة، ولو بذل كلَّ ما في وسعه وتخرّج من أفضل الجامعات.

قبل 10 سنوت، أصدر بيتر تورتشين، أحد علماء جامعة “كونيتيكت” الأميركيّة، تنبّؤاً مذهلاً في مقالةٍ له في مجلّة “نيتشر”. قال إنّ “العِقدَ المقبل سيكون على الأرجح فترةً من تزايُد انعدام الاستقرار في الولايات المتّحدة وغرب أوروبا”، مشيراً إلى أنّ جزءاً من ذلك مردّه إلى “فرط إنتاج الخرّيجين من ذوي الشهادات العالية”. وقد جاء الارتفاع اللاحق في مستوى الشعبويّة في أوروبا، وتصويت البريطانيّين غير المتوقّع عام 2016 لمصلحة خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبّي وانتخاب الرئيس دونالد ترامب في أميركا، إضافةً إلى موجة الاحتجاجات، بدءاً من “السترات الصفر” إلى “حياة السود مهمّة”، ليجعل هذا كلُّه من تورتشين شخصاً مشهوراً في دوائر معيّنة. كما أثار اهتمام الاقتصاديّين بمجال “الكلوديناميكيات” cliodynamics، الذي يستخدم الرياضيّات لنمذجة التغيُّرات التاريخيّة. يُثير تشديد تورتشين على “فرط إنتاج النخبة” أسئلةً غير مريحة ومزعِجة، ولكنّه يقدّم لنا دروساً مفيدة في صنع السياسات.

ويرى تورتشين أنّ المجتمعات منذ القدم، من عهود روما القديمة والصين الإمبراطوريّة، قد انحرفت من حالة الاستقرار السياسيّ إلى عدم الاستقرار، غالباً على فتراتٍ زمنيّة تصل إلى 50 عاماً. ولننظر إلى أميركا. يُدرِك الخبراء أنّ الكونغرس الأميركيّ وصل إلى حالة من الانسداد، في ظلّ عدم استعداد الديموقراطيّين والجمهوريّين للتوافق والتوصّل إلى تفاهمات. إلّا أنّ قليلين يعرفون أنّ الكونغرس شهدَ حالةً من الاستقطاب الشديد حوالى عام 1900، قبل أنْ يصبح الأمر فيه أكثر تعاوُناً في منتصف القرن العشرين.

ما سبب ذلك التأرجُح من الاستقرار والهدوء إلى الفوضى والاضطراب؟ يرى تورتشين أنّ المجتمعات أنظمة ضخمة ومعقّدة تخضع لأنماط معيّنة، إن لم تكن قوانين. ويعتقد نيال فيرغسون، من جامعة ستانفورد، أنّ هذا النهج مغاير تماماً لكثير من التاريخ الأكاديميّ، الذي يفضّل إنجاز دراسات مصغّرة على نطاق ضيّق. وفي ورقةٍ نشرها هذا العام (بالتعاون مع آندري كوروتاييف، من “المدرسة العليا للاقتصاد” في روسيا)، يتناول تورتشين بالفحص والدراسة تنبّؤه قبل عشر سنوات بوقوع حالة من عدم الاستقرار. يحوي نموذجه التنبّؤيّ كثيراً من العناصر، ولكن يبدو أنّ تورتشين يعتقد، مثل كارل ماركس، أنّ “تاريخ أيِّ مجتمع حتّى الآن، ليس سوى تاريخ الصراعات الطبقيّة”. غير أنّه بَينما يركّز ماركس على الطبقة الكادحة، نجد أنّ تورتشين يُبدي اهتماماً أكبر بالنخبة، وكيف يتصارع أفرادها في ما بينهم.

“تاريخ أيِّ مجتمع حتّى الآن، ليس سوى تاريخ الصراعات الطبقيّة”

بَيد أنّ تعريفَ النخبة وكيف يتجلّى التنافس داخلها، من الأمور التي تختلف من مكان إلى آخر. ويمكن أن يكون مثال ذلك العدد الكبير من أصحاب التعليم العالي بالنسبة إلى أعداد المناصب الحكوميّة (ومن ثَمّ الوظائف). إلّا أنّ الصراع يكون راجحاً عندما تكون المظالم الاقتصاديّة عالية. حينها على وجه الخصوص تكون عوائد الوجود في القمّة مربحة، سواء من جهة تحقيق النفوذ أو من جهة التأثير السياسيّ، ومَن تفوتهم الفرصة يشعرون بالخسارة بشدّة. يكون شعور الاستياء أقوى على وجه التحديد بين أولئك الذين نشأوا على الاعتقاد بأنّ مكانهم في النخبة. الأسوأ من ذلك هو أنّ المجتمعات تميل إلى إنتاج المزيد من تلك النخبة المحتمَلة، ويُعزَى ذلك جزئيّاً إلى تحسّن إمكان الوصول إلى وسائل التعليم على مرّ الزمن. ويعتقد تورتشين أنّ هذا الأمر يمثّل طريقاً نحو الفوضى السياسيّة. فالأشخاص المتعلّمون الذين يستطيعون التعبير عن أنفسهم يتمرّدون وينتج عن هذا صراع على النفوذ السياسيّ والاقتصاديّ. وحين تتوقّف النخب عن التعاون، تظهر نخب بديلة، وينهار النظام القائم.

لا شكّ في أنّ هذه الفرضيّة تُخفي الفوارق التاريخيّة الدقيقة. إلّا أنّ التركيز على النخب الساخطة ليس أسوأ السبل لفهم حالة عدم الاستقرار السياسيّ. فقد أشار المؤرِّخ هيو تريفور- روبر Hugh Trevor-Roper  إلى أنّ “الأزمات الاجتماعيّة لا تنتج عن التعارُض الواضح للمصالح المتنافرة، وإنّما عن صراع عنيف بين المصالح المتناقضة داخل الجسد الواحد”. لم تكن الثورة الفرنسيّة في المقام الأوّل نتيجة البؤس الذي عاناه الشعب، وإنّما معركة بين الطبقة المتعلّمة التي تعاني البطالة وبين مُلّاك الأراضي الذين يتوارثون تلك الأراضي. يرى مؤرّخون أنّ “مشكلة زيادة عدد المتعلّمين” هي من أسباب ثورات عام 1848 في أوروبا. ويشير تورتشين إلى أنّه مع كون العبوديّة سبباً مباشراً للحرب الأهليّة الأميركيّة، فإنّ السبب الأكثر جوهريّة هو حالة السخط والاستياء الناتجة عن صعود الرأسماليّين الشماليّين نحو مستقبل باهر، في مقابل الجنوبيّين العالقين الذين يراوِحون أماكنهم.

قد يكون فرط إنتاج النخب أيضاً سبباً من أسباب حالة الانزعاج والشعور بالضيق التي ضربت عالَم الأغنياء أخيراً. أصبح من الصعب للغاية على أيّ شابّ الوصول إلى مصافّ النخبة، ولو بذل كلَّ ما في وسعه وتخرّج من أفضل الجامعات. فأسعار المنازل مرتفعة جدّاً لدرجة تجعل فرصة محاكاة الظروف المعيشيّة للآباء حكراً على الأبناء الوارثين فقط. فهيمنة عدد قليل فحسب من الشركات “الخارقة” تعني أنّ هناك ندرة في الوظائف المرموقة بالفعل. ويعتقد تورتشين أنّ أميركا يظهر فيها سنويّاً 25 ألفَ محامٍ “فائض” عن حاجة السوق؛ وأكثر من 30 في المئة من الخرّيجين البريطانيّين “تعليمهم زائد عن الحاجة” مقارنةً بوظائفهم.

كلّ هذا يُساهِم في تفسير اتّجاه يبدو محيِّراً، وهو انجذاب الأشخاص ذوي التعليم المتميّز إلى التطرّف والتشدّد. اجتذب “حزب العمّال البريطانيّ”، في ظلّ قيادة جيرمي كوربين، مزيداً من أفراد الطبقة الوسطى والفئات الميسورة منها، بصورة أعلى ممّا اعتاد عليه الحزب؛ حتّى مع زيادة اتّجاهه إلى اليسار مبتعداً من حزب المحافظين. وكان تقدّمه واضحاً في أوساط الشباب حديثي التخرّج. وعلى صعيدٍ آخر، كان تأييد جو بايدن وتقدّمه على بيرني ساندرز في الانتخابات التمهيديّة للفوز بترشيح الحزب الديموقراطيّ في أوساط خرّيجي الجامعات أقلّ بكثير منه في أوساط مَن لم يُنهوا مرحلة التعليم الثانويّ.

يظهر في أميركا سنويّاً 25 ألفَ محامٍ “فائض” عن حاجة السوق؛ وأكثر من 30 في المئة من الخرّيجين البريطانيّين “تعليمهم زائد عن الحاجة” مقارنةً بوظائفهم.

التنبّؤ بوقوع زلزال

تتنبّأ نظريّات تورتشين بأنّ الهزّات السياسيّة تسكن في نهاية المطاف. فيقول إنّه “عاجِلاً أو آجِلاً يبدأ معظم الناس في التوق للعودة إلى حالة الاستقرار وإلى إنهاء الاقتتال”. وتوضح البيانات بالفعل أنّ دعم أحزاب اليسار واليمين الشعبويّة في أوروبّا قد أخذ في التراجُع؛ كما خسر ترامب منصبه. من الخيارات الأخرى لأولئك الذين يرغبون في تجنّب حالة عدم الاستقرار هو تقليل عدد الطامحين إلى الانضمام إلى النخبة. وقد ضغط رئيس الوزراء البريطانيّ بوريس جونسون من أجل تعليم مهنيّ أفضل، قائلاً: “إنّنا بحاجة إلى الاعتراف بأنّ أقليّة مهمّة ومتزايدة من الشباب تترك الجامعات وتعمل في وظائف لا تحتاج إلى تعليم عالٍ”.

غير أنّ النخب المثقّفة يمكنها، وبأساليب أكثر فعاليّة، أن تكبحَ نشوء حالة من عدم الاستقرار السياسيّ. ففي أوائل القرن العشرين، رفع الإصلاحيّون الأميركيّون قيمة الضرائب المفروضة على الإرث، لمنع ظهور طبقة أرستقراطيّة وراثيّة، وبدأوا عمليّة واسعة لمكافحة الاحتكار. قد يؤدّي تحديث أنظمة التخطيط الحضريّ إلى خفض أسعار المنازل، وربّما يساعد رفع القيود الحكوميّة عن أسواق العمل على خلق وظائف مناسبة للنخب “الزائدة”. ولذا يمثّل تحليل تورتشين للقوى الهيكليّة التي تحكم المجتمعات تفسيراً مثيراً لأسباب الاضطرابات السياسيّة. لكن الفرضيّات الكلوديناميكيّة ليست بالضرورة قدراً محتوماً.

  • هذا المقال مترجم عن الرابط التالي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
لا شك في أن حفل الزفاف الباذخ هذا سيكون محطة في مسيرة “حزب الله” لا توازيها محطات كثيرة امتحنت فيها صدقية خطابه.
Play Video
بعد عام على انفجار مرفأ بيروت، أهالي المدينة لا يزالون يترنحون تحت وطأته. المخرجة كارول منصور تقارب الذكرى وحكايات الناجين في هذا الفيلم القصير.

4:57

Play Video
تناقضات هائلة أبرزتها مشاهد زفاف ابنة مسؤول حزب الله نوار الساحلي، في وقت يعيش فيه لبنان أسوأ أيامه لا كهرباء ولا وقود وانهيار مالي واقتصادي جعل أكثر من نصف اللبنانيين تحت حافة الفقر

2:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني