الناصرية تحت زخّات الرصاص: مقتدى الصدر يطلق حملته الإنتخابية بالدم؟

مئات العناصر بلباس مدني يحملون اسلحة فردية، قاموا بالتسلل إلى الساحة من منافذ عدة، وإطلاق النار وحرق جميع الخيم التي يناهز عددها الستين، ولم يكن للأجهزة الأمنية أي وجود في تلك اللحظة.

بصرخات  ودموع ودّع محمد ناصر صديقه عباس الذي قتل بطلق ناري في هجوم لأنصار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر على ساحة الحبوبي وسط مدينة الناصرية خلّف سبعة قتلى وثمانين جريحاً على الأقل وفق مصادر طبية.

محمد الذي يجلس على الرصيف المقابل لمكان مقتل صديقه يقول ان عباس حضر إلى الساحة من اجل تصحيح مسار العملية السياسية في البلاد بعد سنوات من التعثر والفساد وسوء الإدارة، ليضيف وملامح الانهاك بادية عليه وهو يرتدي السواد حزنا، “ان متظاهري تشرين لم يخرجوا الا لطلب إقامة انتخابات حرة نزيهة وحصر نفوذ الأحزاب والكتل السياسية التي يحمّلها المتظاهرون مسؤولية تردي الأوضاع في البلاد”.

بدأ الصدام يوم الجمعة الماضي على خلفية دعوة مقتدى الصدر أنصاره الى إقامة صلاة جمعة موحدة في بغداد وعدد من المحافظات الجنوبية. أنصار الصدر تجمعوا قرب ساحة الحبوبي حيث متظاهري تشرين، بأعداد ناهزت الخمسة آلاف شخص ورفعوا صور الصدر والأعلام العراقية مرددين الشعارات والهتافات المؤيدة لزعيمهم.

هذا الاحتكاك أدى الى شجار عنيف استخدم فيه الطرفان الحجارة والعصي قبل ان يلجأ أنصار الصدر إلى الأسلحة النارية في مواجهة متظاهرين عزّل، فيما بقيت القوى الأمنية التي كانت تتمركز في محيط الساحة تراقب عن بعد من دون ان تحرّك ساكناً أو تتدخل، إلى ان انتهى كل شيء، وانقشع الغبار والدخان على مجزرة لم تسلم منها القوى الأمنية نفسها، إذ اصيب ضابط برتبة مقدم بجروح ونقل إلى المستشفى.

هذا الصدام يعد الأول بعد أخر هجوم شنه مسلحون في السابع من كانون الثاني/ يناير من العام 2020 اذ قاموا باقتحام ساحة التظاهر بعد منتصف الليل وهم يستقلون سيارات رباعية الدفع وراح ضحيته آنذاك قتيلان وستة جرحى وحرق قرابة العشرين خيمة. يومذاك اتهم المتظاهرون الاحزاب السياسية بالوقوف وراء هذا الهجوم.

تسبب الاقتحام الذي استمر لـ 12 ساعة متواصلة بمقتل 7 متظاهرين و 80 جريحا ومطاردة البقية في الأزقة والأفرع

الناصرية مركز محافظة ذي قار الواقعة في اقصى جنوب العراق كانت تعدّ واحدة من اكثر المدن العراقية سخونة خلال فترة الاحتجاجات التشرينية اذ شهدت “مجزرة جسر الزيتون” التي راح ضحيتها 25 متظاهرا على يد قوات حكومية أرسلت من بغداد لاخماد الاحتجاجات بالرصاص.

في الليل عاد أنصار مقتدى الصدر ليشنّوا هجوماً مسلحاً آخر على الساحة، بعد هجوم أول في النهار. مئات العناصر بلباس مدني يحملون اسلحة فردية، قاموا بالتسلل إلى الساحة من منافذ عدة، وإطلاق النار وحرق جميع الخيم التي يناهز عددها الستين، ولم يكن للأجهزة الأمنية أي وجود في تلك اللحظة وتسبب هذا الاقتحام الذي استمر لـ 12 ساعة متواصلة حتى صباح اليوم التالي بمقتل 7 متظاهرين و 80 جريحا ومطاردة البقية في الأزقة والأفرع فضلا عن الأضرار المادية التي لحقت بعشرات المحال التجارية.

الناشط في تظاهرات الناصرية حسين الغرابي وصف حادثة الهجوم بدعاية انتخابية مبكرة لجهة سياسية محددة لافتا إلى أن دخول قوة تحمل السلاح وتقتل المتظاهرين المتواجدين في ساحة التظاهر وحرق الخيم وتجريفها بالجرافات هي محاولة لفتح طريق بالقوة للصدر في الشارع. ويلمّح الغرابي في حديثه الى وجود تواطؤ واضح من قبل حكومة مصطفى الكاظمي التي وقفت قواتها الأمنية كشاهد زور على المجزرة.

مدينة الناصرية هي الوحيدة من بين المدن العراقية التي تعاقب عليها ثلاثة محافظين وثمانية قادة عسكريين للشرطة المحلية برتب رفيعة ما بين عميد ولواء خلال عام الاحتجاجات وهذه التغييرات التي حصلت جاءت نتيجة المصادمات مع المتظاهرين والتي قتل فيها على مدار عام اكثر من 130 متظاهرا وقرابة الـ 800 جريح.

التظاهرات التي لا تزال مستمرة كانت سببا في تغييرات إدارية بمناصب الدوائر الحكومية المحلية اذ تم تغيير ما يقارب 30 مسؤولا إداريا تقريبا نتيجة ضغوط المتظاهرين من أجل إصلاح الفساد الإداري في الدوائر الحكومية.

وتعد الناصرية أولى المدن العراقية التي أقدم محتجوها في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي على حرق مكاتب الأحزاب السياسية ومقار الجهات المسلحة التابعة لها ليعود المحتجون من جديد في آب الماضي لهدم البعض منها وتجريف الاخر في خطوة تصعيدية بعد استهداف ساحة التظاهر بعبوة صوتية، ورفع المتظاهرون منذ ذلك الحين شعار “الناصرية منزوعة الأحزاب”. اسعد الناصري الذي يعد واحداً من ابرز الشخصيات القيادية المنشقة عن التيار الصدري يصف هجوم انصار الصدر على ساحة التظاهر بمحاولة للوصول الى المناصب بسفك دماء الأبرياء.

احمد راضي يعمل في فرن لصنع “صمون الطعام” بالقرب من الساحة. بعد هجوم انصار الصدر ومطاردتهم للمتظاهرين في الأزقة والشوارع، لجأ بعضهم إلى الفرن الذي يعمل فيه أحمد، فقام بإيوائهم. لكن احد مسلحي الصدر رآه وهو يُدخل المتظاهرين إلى الفرن فصوّب السلاح نحوه وأرداه بطلقة واحدة كما يروي عبد الله الموسوي وهو صديق مقرب من أحمد، الذي لم يكمل دراسته الأكاديمية بسبب الظروف الاقتصادية في البلاد ما اضطره للعمل في الفرن ليعيل عائلته.

فيما كان الهجوم قائماً على ساحة التظاهر غرّد صالح محمد العراقي المقرب من الصدر قائلا ان “عصابات ساحة الحبوبي لن تقوم لهم قائمة بعد اليوم”، كما كتب متوجهاً إلى أنصار الصدر:”الآن ايها الشجعان استمروا بالتنظيف لإرجاع الحياة الطبيعية وإرجاع هيبة الدولة” في إشارة الى استمرار محو أي أثر او معلم لساحة الحبوبي.

لكن متظاهري الناصرية عادوا مجدداً في صباح اليوم التالي ليجدوا قوات من مكافحة الشغب الحكومية متمركزة داخل ساحة التظاهر وما ان تجمع المتظاهرون بأعداد ناهزت الأربعة آلاف متظاهر حتى اجبروا القوى الأمنية على التقهقر وترك الساحة ليباشروا بنصب الخيم وبناء البعض منها بالحجارة والإسمنت لتصعيب تدميرها وحرقها على أنصار الصدر.

 غرّد صالح محمد العراقي المقرب من الصدر قائلا ان “عصابات ساحة الحبوبي لن تقوم لهم قائمة بعد اليوم”.

هجوم انصار الصدر لاقى تنديداً كبيراً من قبل منظمات عالمية وحكومات دولية التي دعت الى التهدئة وحث السلطة لبذل قصارى جهدها لحماية المتظاهرين. اما السفارة الأمريكية في العراق فأصدرت بيانا تدين فيها أعمال العنف ضد المتظاهرين السلميين التي وقعت في مدينة الناصرية داعية الحكومة لتوفير الحماية للمتظاهرين وضمان حرية تعبيرهم عن رأيهم ومحاسبة المسؤولين عن المقتلة. ووصفت السفارة البريطانية على لسان سفيرها ستيفن هيكي ما ارتكبه انصار الصدر بـ”القتل اللامسؤول”.

الحكومة العراقية وبحسب وثيقة رسمية، شكلت خلية لإدارة الأزمة في محافظة ذي قار بعد هذه الأحداث، يرأسها مستشار الامن الوطني قاسم الاعرجي وعضوية قيادات عسكرية مع صلاحيات واسعة، خصوصاً ان مسلحين عاودوا الهجوم مرة ثالثة منتصف ليل السبت، بسيارات دفع رباعي كما قال المتظاهرون، واطلقوا النار مجدداً باتجاه المتظاهرين الذين لجأوا الى الازقة القريبة من دون وقوع اصابات.

محمد ناصر كان هناك. وسيبقى في الساحة. لأنه اخذ عهدا على نفسه ووعد صديقه عباس الذي قُتل بدم بارد، بأنه لن يفارق ساحة التظاهر حتى تحقيق مطالب الثورة بانتخابات نزيهة منزوعة السلاح ومحاسبة قتلته وإحقاق العدالة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني