fbpx

المحكمة الخاصة بلبنان من منظور سوري: هل من دروس؟

يبقى تحقيق عدالة انتقالية جدية تنصف جميع الأطراف وتتضمن محاكمات جنائية في المحاكم الوطنية السورية، مشروطاً بإزاحة بشار الأسد عن الحكم.

تقدم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان دروساً مهمة للسوريين وللأمم الأخرى التي تسعى إلى العدالة الدولية. لكن أهم ما يمكن استنتاجه هو أن خيارات العدالة المتاحة اليوم ومستقبلاً أمام السوريين، إن أتت في إطار دولي أو عبر محاكم وطنية لن ترقى إلى مستوى المفهوم المطلق والرومانسي للعدالة الشاملة.

راقب عدد كبير من السوريين عن كثب حكم المحكمة الخاصة بلبنان، نظراً إلى الشكوك في تورّط النظام السوري في اغتيال الحريري. لكن الدافع الأكبر وراء هذه المراقبة هو الاهتمام المتزايد لدى كثر من السوريين بالخيارات الدولية لتحقيق العدالة في الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت في سوريا منذ عام 2011.

أتى الحكم النهائي للمحكمة صادماً لكثر من السوريين، وانطلقت المقارنات واسقاطات محكمة لبنان على الوضع في سوريا وتطلعات السوريين إلى العدالة. شملت هذه المقارنات أسئلة كبيرة عن جدوى العدالة الدولية، وتزعزع إيمان كثيرين بمبدأ العدالة الدولية بمجمله. 

لكن هل تمكن مقارنة محكمة لبنان بالمحاكم الدولية المتوقعة لسوريا؟ يمكن ذلك – من حيث المبدأ – على اعتبار كليهما جزءاً من مسمّى العدالة الدولية عموماً، إلا أن الفوارق بينهما كبيرة على مستويات عدة. كما أنه لا يجب اختصار العدالة الدولية في محكمة لبنان، فهناك محاكم دولية أخرى ولها تجارب مختلفة عن هذه المحكمة. المحكمة الخاصة بلبنان تركيزها كان على اغتيال شخص، وقد لا تكون الأقرب للحالة السورية التي يفترض أن تشمل جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، ما يجعل الحالة السورية أقرب إلى تجربة محاكم يوغسلافيا أو رواندا الدولية أو المختلطة/الهجينة مثل كمبوديا وسيراليون، إلا أن تجربة لبنان تطرح أسئلة عدة.

هل تستحق المحكمة الخاصة بلبنان هذه التكلفة المادية بالنظر إلى نتائجها؟ ولماذا ارتفع ثمن العدالة الدولية إلى هذا الحد وطال انتظارها؟ وهل كانت هناك خيارات أخرى؟ ماذا عن جدوى المحاكمات الغيابية التي كانت متاحة في المحكمة الخاصة بلبنان بينما عادة تكون مرفوضة في المحاكم الدولية الأخرى؟

هل تستحق المحكمة الخاصة بلبنان هذه التكلفة المادية بالنظر إلى نتائجها؟ ولماذا ارتفع ثمن العدالة الدولية إلى هذا الحد وطال انتظارها؟

التأسيس والولاية

أتى تأسيس المحكمة الخاصة بلبنان بطلب من الحكومة اللبنانية، وهي الخطوة التي لا يبدو أن أي حكومة في ظل نظام الأسد ستتخذها. كما أن المحكمة أتت نتيجة لقرار صادر عن مجلس الأمن تحت البند السابع، والذي يتطلب عدم اعتراض روسيا والصين. 

تُشكل المحاكم الدولية الخاصة عادة بموافقة مجلس الأمن، مثل “المحكمة الجنائية الدولية لرواندا” و”المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة”، وهذا الخيار غير متاح لاستمرار روسيا والصين باستخدام حق الفيتو. أو تتشكّل بالاتفاق بين الدولة المعنية والأمم المتحدة على تشكيل محكمة خاصة مختلطة أو هجينة مثل “محكمة جرائم الحرب في كمبوديا” و”المحكمة الخاصة بسيراليون”، وهو ما لا يبدو أن الحكومة السورية ستقدم عليه، لأنها متورطة في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ولن تسعى إلى محاسبة نفسها.

وفيما تختص ولاية المحكمة الخاصة بلبنان فقط بارتكاب جريمة إرهابية متعلقة بمقتل الحريري وضحايا تفجير 14 شباط/ فبراير والاغتيالات المرتبطة بها، لا تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كما هو مفترض في ولاية أي محكمة دولية خاصة بسوريا. أما ولاية المحاكم الخليطة أو الهجينة فتحدد من خلال اتفاق تعقده الحكومة السورية والأمم المتحدة، وقد لا يشمل جميع الجرائم أو الأطراف.  

محاسبة المتورطين وتحديات الحكم الغيابي

على رغم الجهود والتكاليف والوقت الذي استغرقته المحكمة الخاصة بلبنان لم يُعاقب أحد، والمدان الوحيد طليق. كما أن المحكمة أدانت شخصاً واحداً من بين المتهمين الأربعة، ولم تستطع التوصل إلى “جميع المتورطين” مع أن ذلك كان أحد أهداف تأسيسها. من بين المتورطين من أصدر أوامر القتل ووفّر أدوات الجريمة وسهّلها، ولا تنحصر الجريمة بالمنفذين فقط. وهنا تبرز إحدى نقاط الاختلاف الرئيسة بين محكمة لبنان وأي محاكم دولية مستقبلية خاصة بسوريا. فطبيعة الجرائم المرتكبة في سوريا والتي يفترض أن تعرض على المحكمة تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبها بشكل ممنهج عدد كبير من السوريين الموظفين في أجهزة حكومية بأوامر وتوجيهات من القيادات العليا، بما يفرض محاسبة هذه القيادات وفق مبدأ مسؤولية القيادة. 

الحكم الغيابي

سمحت المحكمة الخاصة بلبنان بالمحاكمات الغيابية؛ فبحسب قوانين المحكمة: “في حال الحكم بالإدانة غيابياً، يحق للمتهم الذي لم يعين محامي دفاع من اختياره أن يطلب إعادة محاكمته حضورياً أمام المحكمة الخاصة، ما لم يقبل بالحكم الصادر بحقه”. كما يمكن استئناف الحكم، أو طلب إعادة المحاكمة ضمن شروط محددة.

إلا أن أحكام المحكمة الصادرة غيابياً لا قيمة عقابية لها باستثناء ما يتعلق بحرية الحركة والسفر، كما أنها تنتهك مبادئ المحاكمات العادلة، وهذا يشير إلى عدم جدوى الهدف العقابي من المحاكمة الغيابية في محكمة لبنان، حيث أدرجت في قوانينها حق المدانين بطلب محاكمة جديدة إذا سلّموا أنفسهم، بما يتماشى مع أصول المحاكمات العادلة. بالتالي المدان الوحيد، ونظراً لحقه في إعادة المحاكمة من جديد، بإمكانه المجادلة بأنه غير مذنب لأنه لا يزال من حقه خوض محاكمة أخرى تثبت براءته من عدمها. لا تقبل المحاكم الدولية عموماً، ودول عدة لجأ إليها السوريون للاستفادة من ولايتها القضائية العالمية في المحاكمات الغيابية. فألمانيا مثلاً، التي لا تقبل المحاكمات الغيابية، أصدرت مذكرات توقيف لضباط سوريين مسؤولين عن التعذيب من بينهم جميل حسن، الذي كان رئيس المخابرات الجوية، لكن ألمانيا لن تصدر حكمها ضده ما لم يكن موجوداً. على رغم ذلك، يلعب إصدار مذكرات توقيف في التحضير للمحاكمات دوراً مهماً في تقييد حركة المتهمين جغرافياً وسياسياً، وخصوصاً إن كانوا مسؤولين رسميين في مناصب مهمة. يُوجه الحكم الغيابي أيضاً ضد مسؤولين حكوميين رسائل إلى الحكومات والمرتكبين بأن جرائمهم أصبحت معروفة وفي طور المحاكمة التي قد تطاولهم فعلياً يوماً ما.

الضحايا والتعويضات

بحسب قوانين محكمة لبنان، لن تقدم هذه المحاكمة تعويضاً للضحايا، بل تتيح لهم فقط المجال لرفع دعاوى تعويض في لبنان الذي يعاني أصلاً من قضاء مسيّس. كما أن المحاكم الدولية عموماً لا تقدم تعويضات للضحايا، بل قد تصدر أحكاماً تأمر الدولة المعنية بتقديم تعويضات معنوية ومادية. 

عدم التعاون بعض الأطراف في لبنان وسوريا مع التحقيقات ومحكمة لبنان في تزويد الأدلة والشهود، ومحاولات إخفاء الأدلة وملاحقة الشهود وتصفيتهم، كلها عوامل أدت إلى قصور التحقيقات وعدم كفايتها، وبالتالي عدم القدرة على إعداد دعوى قضائية متماسكة وقوية، بما أدى إلى حكم اعتبره كثيرون مسيئاً للضحايا ولمبدأ العدالة. 

أما بالنسبة إلى الحالة السورية، فالدعاوى المرفوعة اليوم في أوروبا بموجب الولاية القضائية قائمة على ادعاء ضحايا وشهود سوريين موجودين في أوروبا. كان هذا العامل حاسماً في بدء هذه الدعاوى، فالشهود والضحايا مقيمون في أوروبا ويتمتعون بحرية الحركة والوصول إلى المحاكم، كما أنهم محميون من تدخل الجهات المرتكبة للجرائم. يفترض أن هذه الحريات والحمايات للشهود والضحايا ستكون حاضرة في حال إنشاء محكمة دولية خاصة بسوريا.

الكلفة المادية والزمنية

إنشاء المحاكم الدولية الخاصة ومن بينها الهجينة يتطلب وقتاً طويلاً وجهوداً كبيرة وتمويلاً ضخماً وكفاءات وموظفين لوضع قوانينها الداخلية وولايتها القضائية وهيكليتها، وتوفير البنى التحتية كالمباني والمكاتب وتجهيزاتها. كلفت محكمة لبنان نحو 750 مليون دولار، دفع لبنان نحو نصف هذا المبلغ بحسب ما هو موثق في تقارير المحكمة السنوية. كما وصل عدد موظفي المحكمة الى 456 عام 2016 و399 عام 2019.

بينما المحاكم الوطنية بما فيها التي تعترف بمبدأ الولاية القضائية العالمية مثل محكمة “كوبلنز” التي تحاكم سوريين متهمين بجرائم حرب، أو المحكمة الجنائية الدولية، لا تتطلب جميع هذه الجهود والإجراءات فهي قائمة بحد ذاتها مسبقاً. 

الوقت الطويل الذي تستغرقه المحاكمات يرتبط عادة بإجراء التحقيقات والبحث عن الأدلة وبناء الملفات، الأمر الذي باشرت به منذ سنين المنظمات الحقوقية السورية والدولية وكذا الآلية الدولية الخاصة بسوريا و”لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية”. العمل الذي قامت به هذه الهيئات سيختصر الوقت المطلوب لأي محاكمة مستقبلية. لذلك من المهم جداً أن تطور المنظمات السورية آلية توثيقها واعتمادها التوثيق القانوني بأعلى المعايير. كما يجب توجيه جزء من جهود السوريين إلى متابعة الآليات الأممية العاملة على جمع الادلة وجدية عملها.

العدالة “الرومنسية”؟

بالنظر إلى المعطيات المتعلقة بالعدالة الدولية وخياراتها المعقدة والمتعددة وتجربة لبنان، تبرز أهمية توجه السوريين إلى الدراسة المتأنية والبحث العميق في هذه الخيارات في ظل الظروف الراهنة والمستقبلية، والتشاور بين جميع السوريين العاملين في ملف الدعاوى القضائية لتنسيق رؤيتهم وجهودهم بمشاركة الضحايا وعائلاتهم، ومحاولة البحث في الاستراتيجيات المطلوبة والتعلم من الخطوات الهامة التي تم إنجازها إلى الآن. لا ينبغي انتظار اليوم الذي تتوافر فيه خيارات العدالة، بل لا بد من الإعداد والتحضير المدروس المسبق لسيناريوهات عدة تتطلب اتجاهات مختلفة للمحاسبة والعدالة، من بينها ترك نظام الأسد تحت عزلة دولية، لكن الفيتو الروسي الداعم للنظام سيقف في وجه استخدام المحكمة الجنائية الدولية.

يمكن استخدام المحاكم الوطنية في المناطق التي لا تسيطر عليها الحكومة السورية، شرط أن تحترم أصول المحاكمات العادلة. فالمحاكم في هذه المناطق ليست خاضعة لسيطرة نظام الأسد ويمكنها قبول دعاوى ضده. مع الأخذ بعين الاعتبار قصور النظام القانوني السوري من حيث النصوص والخبرات بمحاكمة الجرائم الدولية. في هذه الحالة يمكن النظر إلى التعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في تعديل القوانين وتدريب الكوادر القضائية. إضافة إلى إشكالية الجدوى العقابية للمحاكمات في هذه المناطق إن أجريت بشكل غيابي، قد لا تكون الأحكام الصادرة عن هذه المحاكم الوطنية ذات قيمة عقابية اليوم، خصوصاً أن نظام الأسد لن يتعاون معها. لكنها ستكون تجربة ثرية وتحمل جانباً توثيقياً قانونياً، وتساهم في تحضير ملفات القضايا وحفظها بما فيها أقوال الشهود والضحايا. قد تكون هذه الممارسة من الوسائل المهمة لحفظ الذاكرة وبشكل قانوني إن حصلت بإشراف أو تعاون وثيق مع منظمات دولية متخصصة ومع الأمم المتحدة، أو مع أجهزة قضائية في دول ذات أنظمة قضائية متطورة. فمثلاً، تدعو اليوم سلطات الحكم الذاتي شمال شرقي سوريا إلى إنشاء محكمة خاصة بجرائم “داعش”. يمكنها البحث في خيارات محاكمة جرائم نظام الأسد، لا “داعش” فقط.

لا بد من الإعداد والتحضير المدروس المسبق لسيناريوهات عدة تتطلب اتجاهات مختلفة للمحاسبة والعدالة، من بينها ترك نظام الأسد تحت عزلة دولية

أما السيناريو الثاني فهو الوصول إلى حل سياسي بين المعارضة والنظام السوري بتسهيل من الأمم المتحدة. بحسب المعطيات الحالية لن يوافق النظام السوري لأي اتفاق سياسي يؤدي إلى محاسبة رؤوسه. كما أن جهود العدالة في هذه الحالة قد تتعرض لعدم تعاون وتعطيل من قبل الأجهزة التي يسيطر عليها الأسد. وسيأتي هذا الاتفاق بمقايضة العدالة بتسوية سياسية بين النظام والمعارضة التي ارتكبت أيضاً انتهاكات جسيمة، حيث تتحول العدالة الجزائية إلى ضحية لهذا الاتفاق.

لكن يبقى تحقيق عدالة انتقالية جدية تنصف جميع الأطراف وتتضمن محاكمات جنائية في المحاكم الوطنية السورية، مشروطاً بإزاحة بشار الأسد عن الحكم. لكن حتى مع حدوث هذا الأمر، قد تقع مشكلات عدة، في صدارتها قصور النظام القانوني السوري من حيث النصوص والخبرات بمحاكمة الجرائم الدولية بما فيه إجراءات المحاكمات العادلة. وقد يدفع هذا إلى إنشاء هيئة قضائية هجينة أو مدعومة من الأمم المتحدة. إضافة إلى أن تقبل جميع الأطراف وتعاونها مع المحاكمات في ظل نظام قضائي وطني وعادل يبدو رومانسياً اليوم؛ فجميع أطراف النزاع ارتكبت جرائم دولية. في ظل الظروف الراهنة لا يبدو أن أياً من الأطراف الرئيسية في النزاع السوري سيقبل بمحاكمات عادلة، والأرجح أن تعقد هذه الأطراف اتفاقات سياسية تمنع محاسبتها وتقوض العدالة الجنائية لأعداد كبيرة من السوريين.

ينشر هذا النص بالتعاون مع “مبادرة الإصلاح العربي” 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سنار حسن – صحافية عراقية
“حاول أحد الزبائن أن يتحرش بي وعندما رفضت وطردته كان صاحب العمل يلومني على خسارة الزبائن، حتى إنه بدأ بتخفيض المرتب إلى أن حاول التحرش بي بشكل مباشر وعندما رفضت، طردني”.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني