fbpx

لبنان : عن الفارين الحقيقيين من العدالة

جرائم الفارين من السجن، مهما كبرت أو صغرت، بالمقارنة مع جرائم من يمسكون بزمام السلطة و"العدالة" اليوم ستبدو تافهة كجرم سرقة منقل الفحم.

المشهد أذكره جيداً، مع ان وقتاً طويلاً مضى عليه. أكثر من عشر سنوات. كان مشهداً في التلفزيون، لكنه لم يكن من فيلم سينمائي او مسلسل تلفزيوني. كان مشهداً لمراسلة دخلت إلى سجن الأحداث في رومية، وهناك خلال جولتها، التقت بفتى صغير. عمره لا يتجاوز الأربعة عشر عاماً. جسمه نحيل، وعيناه غائرتان وخائفتان تطلان كما تطلّ السلحفاة الخائفة برأسها خارج بيتها حينما تستشعر الخطر. بدا خجولاً أيضاً، ولولا ان المراسلة وصلت اليه بيدها وسحبته لتأتي به أمام الكاميرا نزولاً عند نصائح باقي السجناء بضرورة سماع قصته، لما تقدّم خطوة واحدة من المكان الذي وقف فيه بعيداً. “لماذا انت هنا؟”، سألته المراسلة التلفزيونية. وكانت الإجابة صاعقة بالنسبة لي: “سرقتُ منقل فحم”. هذه كانت تهمته. أدين الطفل/ الحدث بجرم سرقة “منقل” فحم. طفل في الرابعة عشرة من عمره، حكمه قاضِ لبناني بالسجن لانه سرق شيئاً لا يتجاوز ثمنه خمسين دولاراً في حينه، وكان الدولار حينها ب1500 ليرة لبنانية وكانت رواتب القضاة معتبرة. 

الصورة نفسها بالطريقة نفسها التي وزعتها قوى الأمن الداخلي، يجب ان تكون لرموز السلطة والمصارف. هؤلاء هم الفارون الحقيقون من العدالة. هؤلاء هم الخطرون على الشعب اللبناني والذين يجب ان يكونوا خلف القضبان.

تذكّرت الصبي اليوم. على الغالب صار عمره 24 عاماً. ربما خرج من السجن، وربما مع ما تحمله سجوننا من “إصلاح وتغيير”، عاد إليه بجرم أكبر. تذكّرته اليوم، وأنا أشاهد صور الفارّين من نظارة بعبدا التي وزعتها قوى الأمن الداخلي، لاعادة القبض عليهم. تأمّلت وجوههم وكنت أبحث عن ملامح ذلك الصبي بينهم. لكنني لم اعثر عليه، وفي الآن عينه رأيته في وجوههم جميعاً. رأيتُ أنهم، كلهم، مهما كانت التهم الموجّهة إليهم، ومهما كانت القضايا التي أوقفوا بسببها، يشبهون الصبي الذي سجن بسبب الـ”منقل”. فكّرت أن جرائمهم، مهما كبرت أو صغرت، بالمقارنة مع جرائم من يمسكون بزمام السلطة و”العدالة” اليوم ستبدو تافهة كجرم سرقة منقل الفحم.

الطفل سارق “المنقل” سجن فيما كانت المصارف آنذاك مع مصرف لبنان بالتكافل والتضامن مع سياسيين ورجال أعمال وشركات ووسائل إعلام، يطبخون طبخة الهندسات المالية ويسطون تدريجياً على أموال الدولة وأموال الناس ويعقدون الصفقات والتلزيمات المشبوهة من الكهرباء إلى السدود إلى الزفت والتعهدات ويفلسون الدولة شيئاً فشيئا فيما تمتلأ جيوبهم وتزداد ثرواتهم واستثماراتهم وحساباتهم في الخارج. مثله اطفال آخرون. ومثله كثيرون سجنهم قضاة بسبب سيجارة حشيشة، أو بسبب سرقات صغيرة وتافهة، كانت لتستحق العقاب لو كنا في دولة عادلة، تحاسب السارق الكبير كما الصغير، وكلّ بحسب جرمه. لكنها دولة اللاعدالة، حيث يخرج معتدون بالضرب على المحامي والحقوقي واصف الحركة من السجن بعدما حاولوا قتله بسبب مواقفه ضد الطغمة الحاكمة. وحيث يخرج المعتدون على الصحافي محمد زبيب من السجن بعد أيام بضغط سياسي. وحيث يُسجن مواطنون بسبب آرائهم على مواقع التواصل الإجتماعي بتهم “شتم” سارقي أموالهم من المصرفيين والسياسيين. وحيث يقع تفجير يوازي قنبلة نووية في مرفأ بيروت بسبب تخزين ألفين وسبعمئة طن من المتفجرات هناك مع أطنان من الفساد والإهمال وسوء الإدارة والهدر، لينفجروا جميعاً باللبنانيين ويخلفوا ما يزيد على مئتي قتيل وآلاف الجرحى وعشرات آلاف الوحدات السكنية المدمرة او المتضررة، ومع ذلك بالكاد يسجن عدد من المسؤولين الصغار على ذمة التحقيق فيما تبقى الخيمة السياسية تغطيهم، ويرفض رئيس الجمهورية توقيع قرار إعفاء مدير عام الجمارك بدري ضاهر من مهامه، حتى وهو في السجن، وحتى مع الإدعاء عليه في قضية ثانية غير تفجير المرفأ هي قضية تهريب أمير الكبتاغون، عبر رفع السفر عنه بطلب من رئيس الجمهورية بحسب اعترافات بدري ضاهر. 

الهرب من السجن في هذه الحالة ليس عيباً. العيب هو ان نبقى محكومين من طغمة من المجرمين واللصوص. العيب، كل العيب، هو الهرب من الحرية!

الطفل سارق المنقل يسجن. وأمير الكبتاغون يضحك الآن من مكانه بعد تسفيره واخراجه بتسوية من “سجنه” حيث كان معزّزاً مكرّماً. يحكم قاضِ على طفل صغير ويضعه خلف القضبان، فيما قاض آخر يترك بإيعاز سياسي تاجر كابتغون برتبة أمير. يضرب قاض بمطرقته رأس طفل صغير بسبب “منقل” فحم، ولا تجد قاضياً يسائل وزير داخلية لبنان محمد فهمي بعد اعترافه على الهواء مباشرة بأنه قتل شخصين قبل سنوات طويلة ولجأ إلى رئيس الجمهورية لحمايته وقد فعل. ولا تجد قاضياً بعد كل ما فعله حاكم مصرف لبنان رياض سلامة من مخالفات لقانون النقد والتسليف ومن سرقات علنية لمدّخرات اللبنانيين ومن حماية مكشوفة لحسابات السياسيين وثرواتهم، يستدعيه للمساءلة. ولا تجد صاحب مصرف خلف القضبان بعد السرقة العلنية لودائع اللبنانيين. 

فيما يهرب عشرات الموقوفين من نظارة بعبدا، نرى عشرات المشتبه بهم في قتل وسرقة اللبنانيين بربطات عنق على الشاشات وفي القصور وداخل المواكب السيارة المحمية من القوى الأمنية. نراهم جميعاً وقد رفع اللبنانيون صورهم في التظاهرات، وعلّقوا لهم المشانق، ورسموا صورة السارق الأكبر رياض سلامة على الجدران وتحتها “مطلوب”، ومع ذلك لم يتحرك أحد في القضاء لمساءلة أو محاسبة أحد منهم. الدولة بأجهزتها كلها تبحث عن فارين من احدى نظاراتها، وتنشر صورهم كمشتبه بهم وكمجرمين. في وقت كان وزير المالية يبلغ رئيس الجمهورية، بكل وقاحة، وفي خبر وزعته الوكالة الرسمية والقصر الجمهوري، ان شركة التدقيق الجنائي اوقفت تحقيقاتها لان وزارة المالية لم تزودها بالمستندات اللازمة لإنهاء عملها. 

الصورة نفسها بالطريقة نفسها التي وزعتها قوى الأمن الداخلي، يجب ان تكون لرموز السلطة والمصارف. هؤلاء هم الفارون الحقيقون من العدالة. هؤلاء هم الخطرون على الشعب اللبناني والذين يجب ان يكونوا خلف القضبان. وليس الطفل الذي سرق “منقل” الفحم. لا يجب ان يشعر المطاردون من عصابة الحكم، المعممة صورهم، بعد هربهم من السجن بالخزي او بالعار لأنهم هربوا. لا تشوا بهم اذا رأيتموهم. لا تسلّموهم للمجرمين الحقيقيين الذين يديرون الدولة. الهرب من السجن في هذه الحالة ليس عيباً. العيب هو ان نبقى محكومين من طغمة من المجرمين واللصوص. العيب، كل العيب، هو الهرب من الحرية!

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منتظر الخارسان- صحافي عراقي
المعطيات الأمنية المتوافرة تشير بأصابع الاتهام إلى كتائب “حزب الله” العراقي المدعومة من إيران بالوقوف وراء مجموعة “ربع الله”، التي تنشط غالباً في بغداد، وتمارس الضغط والترهيب انطلاقاً من العاصمة، ثم يقية المحافظات.
Play Video
حقق النادي العلماني في الجامعة اليسوعية انتصاراً غير مسبوق تمكن من الفوز بجميع رئاسات الهيئات ​الطالبية للكليات الـ12 التي شارك في ​انتخاباتها.

2:05

Play Video
بين سلسلة فيديوات نشرتها “المبادرة المصرية للحقوق” على صفحتها، تضامنت الممثلة الهوليوودية سكارليت جوهانسون مع أعضاء المنظمة وطالبت بالإفراج عنهم… فما هي المبادرة وما قصة اعتقالهم؟

1:44

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني