fbpx

الـ”مانغاروف” سلاح جديد لمحاربة تلوّث البيئة في البصرة

منذ أكثر من عام يعمل فريق علمي على محاربة التلوث عبر الإكثار من زراعة "المانغروف"، بعد فشل معظم محاولات المؤسسات الحكومية والمدنية في السنوات الماضية لمكافحة التلوث البيئي ومنع تآكل التربة اللذين أثّرا على مجمل نواحي الحياة في البصرة.

“على مدى البصر كانت تمتد غابات النخيل… أيام طفولتي كنا نلهو هنا قبل أن تتحول إلى أراض جرداء. كل شيء تغير اليوم بعد الحروب وما خلفته من تلوث بيئي ومن إهمال للزراعة” يقول الستيني أبو احمد وهو يمسح جبينه بينما يهم بإرساء زورقه على ضفة النهر.

البصرة أكبر مدن جنوب العراق كانت بوابة لحروب متلاحقة خاضتها البلاد خلال العقود الأربعة المنصرمة، تتزاحم في سمائها السحب الدخانية التي تخلقها المنشآت النفطية حيث ينتشر 15 حقلاً نفطياً تنتج بمجموعها نحو 60 في المئة من النفط الخام في العراق.

وسط مصادر التلوث المختلفة والعجز الحكومي عن إطلاق مشاريع زراعية واعدة تحيي غابات النخيل التي كان يقدر عدد أشجارها بنحو 7 ملايين نخلة عام 1979 قبل أن يتناقص العدد إلى نحو 3 ملايين، يحاول فريق علمي محاربة التلوث بوسائل جديدة أملا في اعادة جزء ممّا خسرته المدينة من ثروتها الزراعية وجمالها وصفاء مياهها.

الشجرة المنقذة

سلاح الفريق الجديد يدعى “مانغروف” وهي شجرة تتشابك جذورها وتمتد غصونها وتفرّعاتها في الاتجاهات كلها، فتتشبث بالتربة لمنع انجرافها أو تغوصُ في المياه المالحة مشكلةً طوق نجاةٍ للحياة البيئية.

يذكر أعضاء الفريق العلمي المشرف على زراعة تلك الشجرة، أنهم ومنذ أكثر من عام يعملون على الإكثار من زراعة “المانغروف” وأن النتائج الأولية واعدة، بعد فشل معظم محاولات المؤسسات الحكومية والمدنية في السنوات الماضية لمكافحة التلوث البيئي ومنع تآكل التربة اللذين أثّرا على مجمل نواحي الحياة في البصرة.

يروّج الدكتور أيمن عبد اللطيف، صاحب فكرة الاستعانة بـ”المانغروف” مع فريقه العلمي للمشروع الذي يتركز على زراعة هذا الصنف من الأشجار بعد نجاحها في دول الخليج وإيران.

يقول عبد اللطيف، إنهم “يعولون عليها كثيراً فهي أشجار استوائية تزدهر في ظروف لا يمكن أن تتحملها معظم الاشجار الأخرى، كنموها في مياه شديدة الملوحة مع قدرتها الفائقة على تخزين كميات هائلة من الكربون وهي تعمل كمصدات للتيارات البحرية والعواصف”.

عبد اللطيف الذي يشغل وظيفة رئيس قسم الرسوبيات والقيعان البحرية في مركز علوم البحار في جامعة البصرة، عمل لسنوات على مشروعه الذي يعد الأول من نوعه في العراق ويأمل في النهاية بزراعة المانغروف على كامل الشواطئ الساحلية للبصرة لمواجهة التلوث والتآكل.

شجرة الـ”مانغاروف”

مزايا أخرى للـ”مانغاروف”

يشرح عبد اللطيف ميزات الشجرة التي يعمل مع رفاقه على اكثارها: “هذا الصنف ينمو في المياه المالحة والأراضي الاستوائية الرطبة ويتحمل درجات الحرارة المرتفعة والملوحة ذات الكثافة العالية. وهذه الميزة لا تتوفر في أي نوع آخر من الأشجار وهي مناسبة جدا لبيئتنا الساحلية”.

ولهذه الشجرة مزايا أخرى كثيرة، فجذورها تشكل حواضن مناسبة لنمو الروبيان والأسماك الصغيرة والهائمات الحيوانية والقشريات البحرية وتعد أغصانها ملجأ للطيور والحيوانات البرية وخشبها ذو قيمة اقتصادية.

وتساهم الشجرة في مقاومة التغيير المناخي كونها تمتلك قدرة على امتصاص غاز ثاني أوكسيد الكاربون بشكل كبير جداً وهو ما يساعد على خفض تأثير ظاهرة الاحتباس الحراري كما أنها من الاشجار التي تمنح منظراً جميلاً للمناطق التي تنمو فيها فتتعزز فرص الاستثمار السياحي مستقبلاً.

ويضيف عبد اللطيف: “زراعة هذه الأشجار تساهم في حماية الضفاف والمناطق الساحلية التي تتعرض لتيارات المد والجزر، وأيضاً في منع انجراف التربة ولا سيما في مناطق رأس البيشة وخور عبد الله جنوب محافظة البصرة وهذا هو الأهم بالنسبة إلينا خلال الفترة القريبة المقبلة”.

مواجهة الانجراف المستمر

تظهر مشكلة انجراف التربة جلية على قناة شط العرب إذ يخسر العراق نحو مئة دونم سنوياً من أراضيه الوطنية لمصلحة إيران من خلال تقدم خط التالوك، الذي يقسم النهر عند منتصفه بين البلدين باتجاه المياه الإقليمية العراقية بشكل مستمر، ما يثير مخاوف المختصين من تداعيات هذه المشكلة مستقبلاً.

عمل عبد اللطيف مع فريقه الذي قوامه باحثون من مركزي “علوم البحار” و”إنعاش الأهوار” والشركة العامة للموانئ ودائرة الزراعة على إدخال هذا النوع من الأشجار كبذور تم استيرادها عام 2017 من إيران وعُمان، لتجربة زراعته في مختبرات جامعة البصرة لضمان ملاءمة نمو النبتة في بيئتها الجديدة. 

وتحدث عن واحدة من التجارب: “زرعنا 80 شتلة منها في سواحل ميناء خور عبد الله العام الفائت وهي تنمو بشكل جيد. وقد ثبت نجاح التجربة على رغم ظروف العمل الصعبة التي واجهتنا في حينها. لكننا حاولنا تذليل الصعاب بالاستفادة من خبرة دول الخليج التي سبقتنا في هذا المجال”. 

أكثر المحافظات تلوثاً

بحسب الناشط البيئي فرات حسن، محافظة البصرة من أكثر محافظات العراق تعرضاً للتلوث الذي يمتد إلى الجوانب البيئية والحياتية المختلفة فيها، بسبب مخلفات الحروب وحقول النفط والإهمال.

ويوضح: “تعاظم التلوث في العقود الأخيرة، خصوصاً بعد الحروب التي كانت البصرة مسرحاً لها وما نجم عنها من حرائق وتدمير للمنشآت النفطية والصناعية والأسلحة الخطرة التي استخدمت بؤراً ملوثة بالإشعاع”.

ويشير أيضاً إلى تجريف بساتين النخيل وتحويل أراضيها إلى تجمعات سكنية وغياب الأغطية النباتية بفعل التصحر وتمركز الصناعات النفطية فيها، واستخدام الأنهر كمجارٍ للصرف الصحي والمياه الثقيلة، إلى جانب مياه البزل الإيرانية المتدفقة من منطقة الاحواز، فضلاً عن ارتفاع اللسان الملحي من البحر.

كان يقدر عدد أشجار النخيل جنوب العراق بنحو 7 ملايين نخلة عام 1979 قبل أن يتناقص العدد إلى نحو 3 ملايين

وشهدت البصرة محاولات حكومية ومدنية على حدٍ سواء لمواجهة مشكلة التلوث البيئي عبر خطط لمشاريع زراعية لإنشاء غطاء نباتي يساهم في معالجة المشكلة، غير أنها بقيت حبراً على ورق الانتظار، كما هو الحال مع مشروع زراعة مليون نخلة الذي سبق أن أعلنه وزير النفط الأسبق جبار اللعيبي ولم ير النور بعد تغيير التشكيلة الحكومية عام 2018. 

كما لم يُكتب النجاح لمشروع آخر بسبب نقص التمويل وكان يهدف أيضاً لزراعة مليون شجرة بواسطة المدارس والمؤسسات الحكومية وهو مشروع كانت بادرت إليه مجموعة من المنظمات المدنية. 

تحذيرات من دون جدوى

في وقت سابق حذر مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في البصرة من تداعيات تفاقم التلوث البيئي في المحافظة وأكد عزمه على تحريك دعاوى قضائية ضد المؤسسات المسببة للتلوث.

يقول مدير المكتب مهدي التميمي إن للانبعاثات الغازية السامة من الحقول النفطية تأثيرات مباشرة على الإنسان والكائنات الحية الأخرى على حد سواء.

ويحمل التميمي تلك الانبعاثات مسؤولية إصابة المواطنين بأمراض خطيرة كالأورام السرطانية التي قال إنها تسجل ارتفاعاً كبيراً، على رغم أن مسؤولين يتحدثون عن أنها ضمن المعدلات الطبيعية العالمية وإن أقروا بأن نسب التلوث في البصرة عالية.

وسجلت مستشفيات البصرة في النصف الثاني من 2019 ما يقرب من 100 ألف حالة تسمم ومغص معوي حاد بسبب تلوث المياه والتربة، وضعت ملف “تلوث مياه البصرة” وعدم صلاحية استخدامها على رأس طاولة أولويات الحكومة العراقية.

وأدت حالات التسمم تلك إلى حصول اضطرابات وتظاهرات وتحركات شعبية وسياسية لإيجاد حلول سريعة موقتة وأخرى دائمة بعيدة المدى. ويعتبر نشطاء أنها أدت إلى تغيير مسار تشكيل الحكومة حينذاك.

خطر ألغام!

يصف الطبيب جبر عناد، التلوث الذي يعاني منه شط العرب والأنهر المتفرعة منه بالخطير جداً. لكنه ينبّه إلى أن الصناعة النفطية ليست المتهم الوحيد، ففي أراضٍ كثيرة في البصرة تنتشر آلاف الألغام ومخلّفات عسكرية ملوثة إشعاعياً جراء قصف المنطقة خلال حرب الخليج الثانية 1991.

وعلى رغم ما تتمتع به البصرة التي يقدر عدد سكانها بنحو أربعة ملايين نسمة، من وفرة في عدد الأنهر الداخلية والمسطحات المائية (الأهوار) التي عرفت واشتهرت بها، إضافة إلى إطلالتها الساحلية على الخليج العربي، فإن اسواقها تعتمد بشكل كبير على استيراد الأسماك من محافظات أخرى أو دول الجوار لسد حاجة المستهلكين.

سجلت مستشفيات البصرة في النصف الثاني من 2019 ما يقرب من 100 ألف حالة تسمم ومغص معوي حاد بسبب تلوث المياه والتربة

ويلفت نقيب المهندسين الزراعيين السابق علاء البدران، إلى أن مشاريع تربية الأسماك النهرية لم يكتب لها النجاح لعوامل تتعلق بارتفاع ملوحة المياه الذي شهدته البصرة في المواسم السابقة إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة التي قضت على هذه المشاريع تماماً.

ويوضح البدران أن الأسماك البحرية “لا تغطي حاجة السوق المحلية إذ تصل بكميات محدودة وقسم منها يبيعه الصيادون في مياه الخليج ولا يصل إلى أسواق البصرة”.

وتربط دراسة أعدها الدكتور عبد مخور نجم الريحاني، علاقة الخليج العربي بتلوث مياه شط العرب بمختلف المواد وبخاصة النفط ومنتجاته بسبب حالات المد، إلى درجة أن مياه شط العرب التي كانت عذبة قبل عقود أصبحت غير صالحة للشرب. وأدى ذلك إلى ندرة الأسماك الكبيرة في مياهه، مع اختفاء أنواع كانت توجد بوفرة كالصبور والزبيدي. 

ويوصي الريحاني لمواجهة التلوث في البصرة، بالعمل سريعاً على وقف التخلص من النفايات عبر الحرق واللجوء إلى الطمر، وانجاز مشاريع المجاري لمعالجة مياهها، ومكافحة تلوث المياه في نهري دجلة والفرات اللذين يصبّان في شط العرب لأن ما تجلبه مياههما من مواد ملوثة تشكل نسبة لا يستهان بها من المواد الملوثة. 

ويدعو إلى التنسيق مع “يونيسكو” لحماية مياه شط العرب من التلوث لأنه لا يمكن إغفال التلوث الذي يجلبه نهر الكارون في الجانب الإيراني إلى جانب نفايات المدن الإيرانية المطلة على شط العرب ومجاريها.

تشكل جذور الـ”مانغاروف” حواضن مناسبة لنمو الروبيان والأسماك الصغيرة والهائمات الحيوانية والقشريات البحرية وتعد أغصانها ملجأ للطيور والحيوانات البرية وخشبها ذو قيمة اقتصادية

يضع عبد اللطيف وفريقه العلمي كل مصادر التلوث وما خلفته من مشكلات نصب أعينهم، لكنهم يتطلعون إلى تحقيق نصر في مواجهة التلوث من خلال زراعة المزيد من أشجار “المانغروف” لتحصين سواحل البصرة ضد التيارات المائية.

هم يأملون بالنجاح في خطواتهم الأولى على طريق طويل لإحياء شواطئ البصرة، بإنشاء غابات كثيفة من “المانغروف” وجعلها حاجزاً منيعاً أولياً ضد تلوث المياه، ورئة واسعة لتنقية الهواء من الانبعاثات، لكنه يشترط توفر دعمٍ حكومي يحول المشروع إلى برنامج وطني ينسحب أثره على البلاد بأسرها وليس البصرة فقط. 

  • أُنجز التقرير بدعم من شبكة نيريج للصحافة الاستقصائية
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد فارس – صحافي سوري
كان يُمنع على أحد أن يقترب من غرفته باستثناء الحراس والمحققين وطبيب يعاينه لعشر دقائق صباحاً. أما الحراس الآتون من “الخطيب” ومن إدارة المخابرات الجوية، فكان “صفعهم إياي أمراً طبيعياً لهم”.
Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني