fbpx

تراجع حرية الإنترنت في روسيا مع سيطرة الكرملين على التكنولوجيا محلية الصنع

نوفمبر 17, 2020
استراتيجية الكرملين في التعامل مع الإنترنت عكست على أكثر من نحو الأساليب المستخدمة في وقت مبكر من عهد بوتين لإخضاع وسائل الإعلام الروسية.

أعلنت شركتان روسيتان عن خطط منفصلة من شأنها أن تضعهما في منافسة ساخنة مباشرة: فقد حصلت شركة “ياندكس” وهي شركة تكنولوجيا وإنترنت تدير محرك بحث روسي شهير، على بنك “تينكوف” الذي يحتل الصدارة بوصفه أحد أكبر المصارف على الإنترنت، في حين كشف مصرف “سبيربنك”، عملاق تقديم الخدمات المصرفية، عن مجموعة من المنتجات التي تستند إلى التكنولوجيا والتقنيات الرقمية الحديثة بعد يومين فقط. وبحسب ما ذكرته صحيفة “موسكو تايمز”، أشار بعض المحللين أيضاً إلى أن روسيا قد تأخرت كثيراً في تحقيق طفرة في قطاع الرقمنة، وقد يكون من السهل أن يتسع المجال للشركتين لكي يتمكنا من تحقيق الفوز في هذه المنافسة.

بيد أن ثمة صراعاً آخر وراء هذا – يكمن في المحاولات المضنية الدؤوبة التي يبذلها الكرملين لإخضاع شركات التكنولوجيا في روسيا لسيطرة الدولة. وقد أدت الشركتان دوراً في هذه الجهود؛ إذ تعرضت “ياندكس” لضغوط من الكرملين لحملها على منح الحكومة الروسية المزيد من النفوذ على قراراتها، أما مصرف “سبيربنك”، فهو مؤسسة مملوكة للدولة (تخضع لعقوبات من جانب الحكومة الأميركيّة.) والواقع أن عمليات الاستحواذ على الشركات، مثل استحواذ شركة “ياندكس” على بنك “تينكوف”، تدفع شركات التكنولوجيا العملاقة في روسيا إلى تشكيل تكتلات متزايدة النمو، تسيطر عليها الحكومة إما بشكل مباشر أو من خلال جهات فاعلة أخرى يُمكن الوثوق بها لتنفيذ سياسات الإنترنت التي يتبناها الكرملين.

بيد أن الوسائل التي يستعين بها الكرملين للضغط، أوسع نطاقاً وتتسم بطابع دولي أكبر من مجرد هذا الأسلوب. فقد أدركت الحكومة الروسية حجم القوة السياسية والاقتصادية التي تتمتع بها الآن شركات الإنترنت وسعت إلى توجيه هذه السلطة لتحقيق أهدافها الخاصة.

منذ التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا عام 2014، شنت الحكومة الروسية حملة متصاعدة سريعة ونفذت إجراءات صارمة ضد حرية الإنترنت، غير أن الموقف العدائي تجاه حرية المعلومات الذي تقوم عليه سياسة الإنترنت الروسية، لم يتغير إلا قليلاً منذ تولي فلاديمير بوتين السلطة للمرة الأولى عام 2000. والواقع أن استراتيجية الكرملين في التعامل مع الإنترنت عكست على أكثر من نحو الأساليب المستخدمة في وقت مبكر من عهد بوتين لإخضاع وسائل الإعلام الروسية الرئيسة المختلفة، سواء المرئية والمسموعة والمقروءة -التي كانت آنذاك الوسيلة الرئيسة لنشر المعلومات- لتفرض الحكومة سيطرتها الفعلية.

في ذلك الوقت، لم يكن للإنترنت أي دور فعال في التأثير على الكيفية التي يطلع من خلالها معظم الشعب الروسي على الأخبار أو التواصل مع بعضهم، ولذا لم يخضع لمحاولات كبرى لتدخل الحكومة. ولكن في غضون الـ20 عاماً التي أعقبت ذلك، ومع تزايد أهمية وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية على شبكة الإنترنت بصورة هائلة في روسيا (كما هو الحال في معظم أنحاء العالم)، أصبحت السيطرة على الإنترنت تُشكل أولوية قصوى بالنسبة إلى الحكومات الراغبة في تطبيق المزيد من الأساليب الاستبدادية.

ما يميز النهج الذي تتبعه روسيا عن الممارسات الرقابية التي تنتهجها معظم الحكومات الديمةقراطية هو عدم وجود أي ضوابط سياسية أو قانونية لحماية خصوصية المستخدمين

إضافة إلى الجهود التي تبذلها الحكومة الروسية للسيطرة على المنابر الإعلامية على شبكة الإنترنت، واعترافاً منها بقوة الإنترنت بوصفه أداة للتواصل، أعطت الأولوية لتعظيم إمكاناتها في مجال المراقبة واستعانت بوسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من شركات التكنولوجيا لتحقيق غايتها. ومن خلال التدابير التي أعلنتها الحكومة، أنشأت إطاراً قانونياً وتقنياً للإنترنت في روسيا، صار بموجبه لا يُمكن سوى لتشفير المعلومات فقط (وليس أي حماية قانونية)، أن يمنع السلطات فعلياً من الاطلاع على محتوى حركة الإنترنت -تدفق البيانات عبر الإنترنت- داخل البلاد.

أما الهدف الثالث، الذي لا يحظى إلا بقدر ضئيل من الاهتمام نسبة إلى أهميته المحتملة، فهو تسخير شركات الإنترنت الروسية في أعمال التجسس الأجنبية التي تقوم بها الحكومة. وقد يعزو التقليل من أهمية هذا الأمر إلى السخرية المبررة تماماً: فمن السذاجة بطبيعة الحال افتراض أن الحكومة الروسية تضطلع بمفردها بمثل هذا النهج، فالحكومات الاستبدادية والديموقراطية على حد سواء، تطالب بانتظام بالحصول على معلومات المستخدمين، وكثيراً ما تصف ذلك بأنه أمر ضروري لعملية العدالة الجنائية. غير أن لروسيا قضية فريدة يعلمها الجميع صراحةً.

في نيسان/ أبريل 2014، نشر بافيل دوروف، مؤسس موقع التواصل الاجتماعي الروسي الشهير “فكونتاكتي” (المعروف اختصاراً الآن باسم VK) رسالة تلقاها في كانون الأول/ ديسمبر من العام ذاته من “جهاز الأمن الفيدرالي الروسي”، المسؤول عن الأمن الداخلي وكذلك المراقبة الإلكترونية الأجنبية. تضمنت الرسالة طلباً للحصول على البيانات الشخصية للمستخدمين الذين يديرون مجموعات شهيرة على موقع VK، شاركت في احتجاجات “الميدان الأوروبي” التي اندلعت في أوكرانيا، وهي الحركة التي أسفرت في نهاية المطاف عن إطاحة الرئيس الأوكراني، فيكتور يانوكوفيتش. تُظهِر مطالب جهاز الأمن الفيدرالي قدرة الحكومة على طلب بيانات المستخدمين من شركات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة صراحةً، للقيام بعمليات التجسس في الخارج.

أصبحت السيطرة على الإنترنت تُشكل أولوية قصوى بالنسبة إلى الحكومات الراغبة في تطبيق المزيد من الأساليب الاستبدادية

ما يميز النهج الذي تتبعه روسيا عن الممارسات الرقابية التي تنتهجها معظم الحكومات الديمةقراطية (بما في ذلك الولايات المتحدة) هو عدم وجود أي ضوابط سياسية أو قانونية لحماية خصوصية المستخدمين. عندما أوضح تسريب إدوارد سنودن عام 2013 حول تفاصيل برنامج التجسس “بريزم”، أن الاستخبارات الأميركية كانت تجمع البيانات من منصات وسائل التواصل الاجتماعي، تصدرت وسائل الرقابة من هذا القبيل السياسة الأميركية. وردت شركات التكنولوجيا الأميركية بغضب نيابة عن مستخدميها، وغيرت ممارساتها لحماية بيانات المستخدمين بشكل أفضل للحد من قدرة الحكومة على جمع البيانات، ورفعت دعوى ضد الحكومة في المحكمة للطعن في ممارسات المراقبة التي تتبعها. ونالت بذلك ثناء “الاتحاد الأميركي للحريات المدنية” ونشطاء في مجال الخصوصية. أما في روسيا، حيث دمر نظام بوتين الاستقلال القضائي بالفعل، وأكد على سيطرته على معظم المنافذ الإعلامية، وأصاب المجتمع المدني بالهون إلى حد خطير، لم يكن لتسريب دوروف أي تأثير يُذكَر على الخطاب العام حول الرقابة في روسيا، ولم يكن لقطاع التكنولوجيا (الذي أصبح الآن تحت سيطرة الكرملين إلى حد كبير) أي استجابة مماثلة.

المواجهة مع الحكومة الروسية

توضح قصة موقع VK أساليب مختلفة تستخدمها الحكومة الروسية على نطاق واسع في جهودها الرامية إلى فرض السيطرة. ونشر دوروف رسالة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي بعد أربعة أشهر من تلقيها، وكان فر من روسيا. لم يكن ذلك الصراع الأخير سوى حلقة من سلسلة المواجهات العامة بين دوروف والحكومة الروسية، التي تضمنت واقعة رفض دوروف أمر المدعي العام بحذف صفحات على موقع VK كانت تستخدم لتنظيم الاحتجاجات ضد الانتخابات البرلمانية المزورة في روسيا، فداهمت قوات الشرطة الخاصة منزله.

أصبحت المداهمات التي يشنها رجال شرطة ملثمون ومسلحون على مكاتب شركات التكنولوجيا ومنازل أصحابها أمراً معتاداً في عالم التكنولوجيا الروسي، كما هو الحال تقريباً في قطاعات الاقتصاد الروسي الربحية كافة. وغالباً ما تقترن تلك الأساليب الابتزازية بتحايلات تتعلق  بملكية الشركات لإخضاعها لملكية الشركات التي تديرها الدولة أو رجال الأعمال الموالين للكرملين. بالنسبة إلى شركة “فكونتاكتي”، فقد جاء الضغط الخاص الذي مورس على دوروف في إطار الجهود الممتدة لسنوات التي بذلتها شركة “مايل.رو” Mail.ru، عملاقة التكنولوجيا الروسية التي يملكها الملياردير والحليف الوثيق لبوتين علي شير عثمانوف، للاستحواذ على حصة مسيطرة في الموقع. تكللت مساعي شركة “مايل.رو” بالنجاح بعد أشهر من مغادرة دوروف لروسيا، لتُدرج الشركة هذا الموقع، الذي يعد واحداً من أكثر مواقع التواصل الاجتماعي شعبية في روسيا، ضمن مجموعة المنتجات التي تسوقها والتي تشتمل بالفعل على خدمة البريد الإلكتروني الخاصة بها التي تحمل اسمها (وهي الخدمة الأكثر استخداماً في روسيا) وموقع “أدنوكلاسنيكي”، الذي يعد ثاني أكثر مواقع التواصل الاجتماعي شعبية في روسيا. 

تشبه عملية دمج الشركات الهائلة تلك بين أكبر منصات التواصل عبر الإنترنت في روسيا عملية الدمج المتواصلة التي يقوم بها “فايسبوك” مع “إنستغرام”، إضافة إلى استحواذه على خدمة البريد الإلكتروني “جي ميل” Gmail. صحيح أن عمليات دمج الشركات التكنولوجية تثير مشكلات تتعلق بحرية التعبير والإعلام في أنحاء العالم، لكن في روسيا، لا تشكل الدوافع الاقتصادية التي تحرك الشركات الدافع الرئيس وراء عمليات الدمج هذه، بل الأهداف السياسية للحكومة.

في حالة شركة “ميل.رو”، أصبحت تلك المنصات مملوكة الآن لشخصٍ مستعد وراغب في تسخير ثروته وقوته الهائلة لرقابة التغطية الصحافية المناهضة لبوتين ومهاجمة منتقديه. لكن هذا الدمج لم يُنهِ استغلال الكرملين لعمليات الاستحواذ على الشركات لإحكام سيطرته على عمالقة التكنولوجيا في البلاد. فقد واجهت شركة “ياندكس” أساليب استحواذ عنيفة مماثلة، وهي الشركة التي تمتلك أكثر محرك بحث استخداماً في روسيا، إضافة إلى موقع تجميع أخبار يعد مصدر الأخبار الوحيد الأكثر شيوعاً على الإنترنت الروسي، وبالتالي فإنه هدف مهم لدى الحكومة الروسية. لكن عملية نقل الملكية وإعادة الهيكلة الأخيرة في شركة “ياندكس” لم تكن لها علاقة مباشرة بتلك الأساليب، بل كان السبب الأقرب لذلك هو التهديد الناجم عن القانون الجديد الذي سيحظر على الأجانب امتلاك شركات تكنولوجيا روسية مهمة أو سيؤدي إلى تقييد هذه العملية.

في هذه الحالة، كان الهدف من هذا القانون هو الضغط المباشر على “ياندكس” لإعادة هيكلة مؤسسية، والدليل على ذلك أن القانون صدر عام 2018 خلال محاولة مصرف “سبيربنك” الاستحواذ على حصة أكبر في الشركة ثم انسحابه لاحقاً عندما أجرت “ياندكس” عملية إعادة هيكلة طوعية. لكن هناك قوانين أخرى تقيد أنشطة الشركات الروسية بوسائل أخرى غير الملكية. 

نظام الرقابة الذي تفرضه الحكومة الروسية المعرف اختصاراً بـ”سورم (أو نظام أنشطة التنفيذ والتحقيق)، يمنح جهاز الأمن الفيدرالي الروسي إمكان الولوج إلى الهياكل الأساسية الخاصة بشركات الاتصالات الروسية منذ التسعينات، مع إجراء تحديثات للحصول على مزيد من بيانات الاتصال بالإنترنت والهواتف الخليوية كلما تطورت التكنولوجيا. ولا يسع شركات الاتصالات المقاومة، وذلك لأن نظام “سورم” يمنح جهاز الأمن الفيدرالي الحق القانوني في جمع البيانات من الشركات الخاصة ويزوده الإمكانات اللازمة لذلك من دون علم الشركات. 

علماً أن القانون الصادر عام 2012، والذي يمنح الهيئة الروسية للرقابة على الاتصالات (روسكومنادزور)، الحق في الأمر بحظر المواقع التي يُفترض أنها متورطة في نشاط إجرامي، قد استخدم على نطاق واسع لرقابة الخطاب السياسي في البلاد، وهو ما يحرم الناشرين على المواقع المحجوبة أو المستخدمين الذين يرتادونها من أيّ حق قانوني. كما فرضت حزمة قوانين “ياروفايا” وقانون “الإنترنت السيادي”، التي دخلت حيز التنفيذ في عامي 2018 و2019 على الترتيب، اشتراطات إشراف ورقابة جديدة على شركات التكنولوجيا وقوضت أيّ قدرة قانونية أو تكنولوجية ربما كانت تتمتع بها الشركات لحماية خصوصية المستخدمين من الرقابة الحكومية أو تزويدهم معلومات لا تخضع للرقابة، بما في ذلك المعلومات المتاحة من خارج البلاد. 

نظام الرقابة الذي تفرضه الحكومة الروسية المعرف اختصاراً بـ”سورم”، يمنح جهاز الأمن الفيدرالي الروسي إمكان الولوج إلى الهياكل الأساسية الخاصة بشركات الاتصالات الروسية منذ التسعينات

يوصلنا ذلك إلى استنتاج قاتم، وهو أنه ما لم تحدث إصلاحات سياسية جذرية، لم يعد يمكن التعويل على قطاع الأعمال التكنولوجية الروسية كمصدرٍ بديل للعمل المستقل يحل محل الإنترنت الحر، وسيضطر الروس الذين يرغبون في استخدام الإنترنت لإجراء اتصالات خاصة أو الحصول على معلومات غير مراقبة، إلى البحث عن جهات أخرى. لا يزال الوضع المستقبلي للشركات الدولية غير واضح أيضاً، وإن كان أكثر تفاؤلاً بلا شك. 

ثمة تشابه كبير بين أهداف موسكو المتعلقة بشركات التكنولوجيا الدولية -التي تم تأسيسها في بلدان أخرى لكنها تعمل في روسيا- وتلك التي تسعى لتحقيقها مع الشركات المحلية. إذ ترغب السلطات في تحقيق أقصى قدر ممكن من القدرة الرقابية، وعرقلة أي احتمال لحدوث اضطراب سياسي قد ينجم عن المحتوى أو الخدمات التي تقدمها تلك الشركات، ومواصلة نشر المعلومات المضللة عبر الإنترنت. 

معارك التوطين

جسدت المعارك الأخيرة حول توطين البيانات -أو التخزين المأذون به لأنواع معينة من البيانات داخل الحدود الروسية- رغبة الكرملين في زيادة قدرته الرقابية على الشركات الأجنبية لأقصى حدٍ. فمثل حكومات استبدادية التي ترى أن التدفق الحر للمعلومات عبر الإنترنت يشكل تهديداً على أمن نظامها، اشترطت موسكو عام 2014 على الشركات التي لديها بيانات شخصية لمواطنين روس أن تخزن تلك البيانات محلياً. ويمكن أن تحتفظ الشركات بنسخ أخرى من البيانات في أماكن أخرى، لكن لا بد أن تُخزن البيانات نفسها على خوادم روسية، وهو ما يندرج تماماً ضمن نطاق السلطة القانونية والسياسية الواسعة الممنوحة للأجهزة الأمنية الروسية التي ذكرناها في الأعلى. وخلال السنوات الأخيرة، بدا أن الشركات الأميركية، من قبيل شركتي فيسبوك وتويتر، تجاهلت تلك الأوامر فحسب، واستمرت في دفع الغرامات البسيطة التي فرضتها المحكمة، لكن من المرجح أن تزيد الضغوط مع مواصلة بوتين الضغط لإنشاء إنترنت محلي.  

تتداخل تحركات روسيا لترسيخ سيطرة الدولة على تخزين البيانات، مع صورةٍ أوسعٍ لجهود الحكومة الرامية إلى تمركز تدفق البيانات الداخلية، المصممة أصلاً عند تطوير الإنترنت بهدف وضع أولوية السرعة والتسليم الموثوق فوق الأولويات الأخرى. والهدف من هذه الجهود تمكين الرقابة والإدارة الحكومية من أن تكون أكثر فعالية. مع أن العملية تكون غالباً تقنية بحتة، فإن الأهداف تكون سياسية في الأساس. ومن الناحية العملية، تسمح هذه التدابير للحكومة الروسية بأن تراقب المعارضين، وتضمن خصوصية بيانات المواطنين الروس ضد أي دخلاء أجانب ضارين، وتبسط سيطرة الدولة على المعلومات في المجال الرقمي.

في الوقت ذاته، يتطلب تبرير هدفين من أهداف الكرملين الأساسية في هذا المجال -ويتمثلان في عرقلة إمكان التعددية السياسية التي تتمخض عن منصات التكنولوجيا الأجنبية وعرض المعلومات المضللة الخاصة بالدولة نفسها من طريق العناصر ذاتها- نوعاً من القوة والمرونة الجدلية. إذ لم تطلب الحكومة الروسية على مدى سنوات من شركات الإنترنت الأجنبية التي تعمل في روسيا سوى حذف المحتوى الذي تراه “زائفاً”.

وإذا لم تمتثل الشركات، يمنح الكرملين الهيئة الروسية للرقابة على الاتصالات سلطة فرض حظر تقني على هذه المواقع. ومع أن هذا الحظر يتم تفاديه أو يكون تطبيقه هزيلاً، لا تزال الحكومة ناجحة في الضغط على الشركات الأجنبية لحذف المحتوى المرتبط بأزمة “كوفيد-19”. يقلل هذا من وجود معلومات خطيرة أو متناقضة عن الدولة على شبكة الإنترنت في روسيا. في الوقت ذاته، تملك منصات الدعاية الحكومية الروسية غالباً حضوراً كبيراً في منصات غربية رئيسة، مثل “تويتر” و”يوتيوب”، ويثير المسؤولون اعتراضات مسموعة في أي وقت تتخذ هذه الشركات إجراءً ضد منصات الأخبار الروسية التي تخضع لسيطرة الدولة.

وهذه التناقضات المتأصلة في نهج الحكومة الروسية تجاه شركات التقنية الدولية- إذ يريد الكرملين من هذه الشركات أن تدير أعمالها في روسيا ولكن وفق شروط الكرملين، ويضغط على الشركات لقمع حرية التعبير داخل روسيا لكنه يصرخ عندما تُقابَل رسائل الحكومة الروسية في الخارج بحذر- تعني أنه لا يزال هناك مجال للشركات الدولية لتحقيق درجة ما من حرية الإنترنت للمواطنين الروس. غير أن حيز العمل هذا يواجه دائماً تهديداً مستمراً من الحكومة الروسية ويرجح أن يكون محل صراعات رئيسة متعددة في السنوات المقبلة.

أولاً، قد تواصل الشركات الدولية التصدي لعناصر محددة من تحكم الدولة الروسية في الإنترنت، فالشركات الأميركية التي قاومت في الغالب الامتثال لقواعد ترجمة البيانات وتوطينها، لم تبدِ أي تغير في عدم رغبتها للرضوخ لضغوط الكرملين. ومع ذلك، لن ينطبق هذا النوع من المقاومة على كل بقعة في شبكة الإنترنت. ولذا فمن المهم هنا ألا ندمج المكونات المختلفة للتحكم في الإنترنت معاً. على سبيل المثال، تعد إزالة المحتوى من مجالات التحكم في الإنترنت خلال جائحة “كوفيد-19″، فقد نجحت الحكومة الروسية إلى حدٍ كبير في جعل حتى شركات مواقع التواصل الاجتماعي الأميركية تحذف المعلومات التي يرتأيها المسؤولون “زائفة”، من منصاتها داخل روسيا.

تملك منصات الدعاية الحكومية الروسية غالباً حضوراً كبيراً في منصات غربية رئيسة، مثل “تويتر” و”يوتيوب”، ويثير المسؤولون اعتراضات مسموعة في أي وقت تتخذ هذه الشركات إجراءً ضد منصات الأخبار الروسية التي تخضع لسيطرة الدولة

ثانياً، الكفاح للإبقاء على “إنترنت يتمتع بالحرية” في روسيا سيُحدَّد بدرجة متزايدة من طريق الأبعاد التقنية. قررت الحكومة الروسية في حزيران/ يونيو إلغاء حظرها على تطبيق “تيليغرام”، وهو تطبيق تراسل مشفر، ويعزى السبب الرئيسي في ذلك إلى الافتقار للقدرات التقنية القادرة على حظره. (المفارقة أن هذا ينطوي على نوع معين من رد الدين إلى بافيل دوروف فقط -مؤسس “تيليغرام”- الذي استطاع، بعد خسارة موقع VK والفرار من روسيا، أن يجعل تطبيق التراسل الذي أسسه أحد أشهر التطبيقات في العالم).

على رغم ذلك، لا تعترف الحكومة بالهزيمة في الصراع التكنولوجي على التحكم والسيطرة، فقانون سيادة الإنترنت الذي دخل حيز التنفيذ عام 2019، يقدم خطة لتطوير قدرات جديدة خبيثة للرقابة التقنية، بما في ذلك، القدرة على فرض رقابة على محتوى بعينه في منصات التواصل الاجتماعي الدولية في روسيا، وفي الوقت ذاته مواصلة سياسة الإنكار. وتطلب من شركات الإنترنت المحلية أن تجعل هيكليتها مركزية لتتمكن السلطات من قطع الإنترنت الروسي عن بقية العالم في حال وقوع حادث أمني، بتعريفه الواسع. ولذا سيكون لزاماً على أنصار حرية الإنترنت أن يواصلوا تطوير تكنولوجيا ضد الرقابة وأن يحافظوا على نوعية التفوق التكنولوجي التي أتاحت لـ”تيليغرام” مواصلة العمل في روسيا بلا أيّ تسوية تتعلق بالإشراف والرقابة. (لنكون صريحين معكم: أحد مؤلفي هذا المقال يعمل في شركة تُطور برمجية ضد الرقابة).

آليات التحكّم

في ظل تطوير موسكو آليات للتحكم في الإنترنت وتقدمها محلياً في هذا الجانب، سيواصل المسؤولون مساعيهم لتطبيع هذه الممارسة على المسرح الدولي. ركزت هذه الجهود في الفترة الأخيرة على الأمم المتحدة، إذ طرحت روسيا لسنوات اتفاقيات بديلة للجرائم السيبرانية تسعى إلى تبرير سياساتها وممارساتها القمعية على الإنترنت، تتصادم مع معايير الإنترنت الحرة والمفتوحة التي تدعمها الدول الديموقراطية حول العالم. في كانون الأول/ ديسمبر 2019، وللمرة الأولى، تم تمرير أحد هذه المقترحات، ليكون مؤشراً على اتساع الدعم بين الحكومات لفرض سيطرة أكثر إحكاماً على الإنترنت. لم يكن هذا حادثاً عرضياً. بل يسلط الضوء على تنامي جهود روسيا والصين ودول أخرى، لنشر رؤيتها العالمية المستبدة وتقويض نموذج للإنترنت العالمي الحر والمفتوح في خضم تزايد الشكوك الديموقراطية حول مستقبل الإنترنت.

قانون سيادة الإنترنت دخل حيز التنفيذ عام 2019، يقدم خطة لتطوير قدرات جديدة خبيثة للرقابة التقنية، بما في ذلك القدرة على فرض رقابة على محتوى بعينه في منصات التواصل الاجتماعي الدولية في روسيا

يجب أن تكون هذه النتائج بمثابة تذكرة لشركات التكنولوجيا وصناع السياسة وأي شخص يهتم بالإبقاء على الإنترنت عالمياً ومفتوحاً للجميع، بأن حرية الإنترنت ليست حتمية وليست دائمة. قطاع الإنترنت المحلي في روسيا، الذي كان في يوم ما نموذجاً للتعددية واستقلالية الفكر، تم تخريبه تماماً لغايات الحكومة. وباعتبارها شبكة عالمية واحدة تتفرع إلى مناطق محلية، سيتطلب الأمر تضافر جهود المعارضة للمحافظة على المعايير الدولية التي تؤكد أن الإنترنت يجب أن يكون أداة تدعم حرية التعبير والحصول على المعلومات، لا قمعها.

  • هذا المقال مترجم عن الرابط التالي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سمر فيصل – صحافية سعودية
تعرضت سمر بدوي تعرضت لإيذاء نفسي كبير بابلاغها كذباً ان ابنتها الرضيعة واخيها القاصر قد تعرضا لحادث وتوفيا، في محاولة للضغط عليها للاعتراف بأنشطتها مع جهات خارجية وغيرها من التهم التي تسعى الحكومة السعودية لإلصاقها بها زوراً
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني