كاراباخ: انتقال الحرب من الجبهة العسكريّة إلى الديبلوماسيّة

بعد 44 يوماً من الحرب في كاراباخ بين أرمينيا وآذربيجان، شهدت ساحة القتال تسارُعاً في العمليّات العسكريّة وإسقاطاً لمروحيّة روسيّة بالخطأ، ثمّ أخيراً توقيع اتّفاق لوقف الأعمال العدائيّة، كما سيتمّ نشر القوّات الروسيّة في منطقة النزاع.

من الناحية العسكريّة، انهارت خطوط الدفاع الأرمينيّة في الجبهة الجنوبيّة. فبعدما استطاعت القوّات المسلّحة الآذريّة اقتحامَ المنطقة من أقصى جنوب الجبهة، تقدّمت تلك القوّات في المناطق السهليّة المتاخمة لنهر آراس. وتحت غطاءٍ من سيطرتها الجوّيّة بفضل الطائرات المسيَّرة الإسرائيليّة والتركيّة، اقتربَت القوّات الآذريّة من طريق لاتشين- خانكندي، وهو الطريق الرئيس الذي يربط بين كاراباخ وأرمينيا. وبعد أربعة أيّام من المعارك العنيفة، أعلن الرئيس الآذريّ إلهام علييف في خطاب تلفزيونيّ من العاصمة الآذريّة باكو يومَ الأحد 8 تشرين الثاني/ نوفمبر أنّ قوّاته استولَت على مدينة شوشا ذات القيمة الرمزيّة.

وقد وَردَت أنباء مقلقة عن مصير المدنيّين الأرمن الذين تُركوا في البلدات والقرى التي استولَت عليها القوّات الأذريّة. 

فقد نجح رهان تحالف باكو-أنقرة. تحت غطاء الوباء العالميّ، ومع توجّه اهتمام العالم إلى الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة، فُرِض حلٌّ عسكريّ على الصراع في كاراباخ. وقد غطّى التقدّم العسكريّ الآذريّ السريع على نقاط ضعف آذربيجان من دون عواقب؛ ومنها كَون القوّات التركيّة تشارِك للمرّة الأولى في حربٍ تدور رحاها على أراضي الاتّحاد السوفياتيّ السابق، ونشرت آلاف المرتزقة الإسلاميّين.

بَينما شاركت تركيا بشكلٍ مباشر في دعم آذربيجان عسكريّاً وديبلوماسيّاً، ظلّت روسيا على الحياد. أبرز الشخصيّات الروسيّة في هذا الصراع كان سيرغي لافروف، رأس الديبلوماسيّة الروسيّة. وأخذت روسيا موقفاً ديبلوماسيّاً في موقعها كأحد الرؤساء الثلاثة لمجموعة “منسك” التابعة لمنظّمة الأمن والتعاون في أوروبّا، المسؤولة عن الوساطات في صراع كاراباخ. وبصيغةٍ أخرى، تُركَت أرمينيا وحدها في مواجهة القوّات الآذريّة والتركيّة المتفوّقة.

أشار بعضُ المحلّلين إلى أنّ روسيا أدهشتها سرعة الهجوم الآذريّ المدعوم من تركيا. غير أنّ فكرةً أخرى طُرِحت تقول إنّ روسيا لا تملك الوسائل اللازمة للتدخّل. ولكنّ المعلومات المتاحة تُناقِض هذَين الرأيَين، فمن الواضح أنّ روسيا كانت على علم بالحضور العسكريّ التركيّ في آذربيجان، ولديها قدرات عسكريّة هائلة في القوقاز، كما بَدَا في مناوَرات القوقاز العسكريّة التي أجريت هذا العام. كانت هذه المناوَرات بدأت في 22 أيلول/ سبتمبر، واستمرّت إلى 26 منه، أي قبل يومٍ من بدء الحرب، وهي التدريبات العسكريّة التي حشدت حوالى 80 ألف جنديّ. بعبارةٍ أخرى، كانت روسيا تملك الوسائل اللازمة للتدخّل باكراً وإيقاف الحرب، ولكنّها اختارت ألّا تفعل. وهناك تفسير ثالث مُقترَح مفاده أنّ الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين لم يكن مؤيّداً لرئيس الوزراء الأرمينيّ نيكول باشينيان، الذي وصل إلى السلطة عام 2018 عبر ثورة شعبيّة، وفي ظلّ شعارات من قبيل التغيير الديموقراطيّ ومكافحة الفساد، وغيرها من الأشياء التي يبغضها الزعيم الروسيّ.

في 9 تشرين الثاني، كان يمكن أنْ يؤدّي إسقاط المروحيّة الروسيّة من طراز Mi-24 من طريق الخطأ، وفي اللحظة الأخيرة، بصاروخٍ آذريّ فوق أرمينيا إلى إخراج الأمور عن السيطرة، ولكنْ يبدو أنّ اعتذاراً فوريّاً من باكو أدّى إلى تهدئة الموقف.

اتّفاق بوساطة روسيّة

يتكّون الاتّفاق الذي أُبرِم بوساطة روسيّة، ووقّعه في 9 تشرين الثاني الرئيسان الآذريّ علييف والروسيّ بوتين ورئيس الوزراء الأرمينيّ باشينيان، من 9 نقاط. ما هو واضح أنّ روسيا هي الضامن للترتيبات الجديدة بين أرمينيا وآذربيجان. وهناك نقطة أخرى تتعلّق بغياب تركيا عن نصّ الصفقة، على رغم أنّه من الواضح أنّ أنقرة بزرت كلاعبٍ أساسيّ في الصراع الدائر في كاراباخ.

منح الاتّفاق آذربيجان مكاسبَ إقليميّة كبيرة، فهي لن تُحافظ على مكاسبها الحاليّة فحسب، بل سيكون على القوّات الأرمينيّة الانسحاب من مقاطعات آغدام وكالبجار ولاتشين. وستظلّ البلدات والقرى الأرمينيّة الواقعة جنوب كاراباخ، ومنها هادروت، تحت سيطرة الجانب الآذريّ. فيما سيتمّ الحفاظ على ممرّ بطول 5 كيلومترات عبر لاتشين تحت إشراف قوّات حفظ السلام الروسيّة لضمان الاتّصال بين كاراباخ وأرمينيا. وسيعود النازحون إلى بيوتهم الأصليّة؛ على رغم أنّه ليس واضحاً إنْ كانت بإمكان اللاجئين والنازحين الأرمن العودة إلى بيوتهم الأصليّة أيضاً، فنصّ الاتّفاق لا يشمل ضماناتٍ كافية لأمن الشعب الأرمنيّ في المستقبل؛ ولا يذكر شيئاً عن الوضعيّة النهائيّة لإقليم كاراباخ.

من شأن هذا الاتّفاق أن يفتح فصلاً جديداً في تاريخ إقليم كاراباخ

ومنطقة جنوب القوقاز، مع توفّر فرص جديدة.

العمل على إنهاء جميع أشكال الحصار، وتضمن جمهوريّة أرمينيا سلامة خطوط النقل بين المناطق الغربيّة لجمهوريّة آذربيجان، وجمهوريّة ناخيتشيفان، عبر جنوب أرمينيا، لتنظيم حركة المواطنين والمركبات والبضائع من دون عوائق في كلا الاتّجاهين، وسيخضع ذلك لمراقبة حرس الحدود الروسيّ. وإذا حدث ذلك، فمن شأنه أن يعمل ببطء على تطبيع العلاقات بين الشعبَين المتجاورَين، اللذين تفصل بينهما ثلاثة عقود من الصراع والحصار.

على طول خط التماسّ في ناغورني كاراباخ، وعلى طول ممرّ لاتشين، تنتشر وحدة لحفظ السلام تابعة للاتّحاد الروسيّ قوامها 1960 فرداً مع أسلحة صغيرة، و90 مركبة قتاليّة مدرَّعة، و380 وحدةً من السيّارات والمعدّات العسكريّة الإضافيّة. في نهاية المطاف، نفّذت روسيا ما طالبت به لسنوات: نشر جنودها في منطقة صراع كاراباخ.

تداعيات الاتّفاق

في حين يتطلّب الأمر مزيداً من الوقت لتحليل العواقب بعيدة المدى المترتّبة على “حرب كاراباخ الثانية”، نستعرض هنا بعضَ الملاحظات السريعة:

  1. خسر الجانب الأرمينيّ بعضَ الأراضي المهمّة، ولكنّه ما زال يحتفظ بسيطرته على بعض الأجزاء في إقليم كاراباخ، وهذه المرة بموجب ضمانات أمنيّة روسيّة. بَيدَ أنّ باشينيان أصبح ضعيفاً، وليس من الواضح ما إذا كان قادراً على الصمود. فقد دفع ثمناً باهظاً لسياساته المتضاربة، فضلاً عن أنه تسبّب في تفاقُم الشعبويّة. إلّا أنّ الأهمّ من ذلك هو أنّ مشروع التحوّل الديموقراطيّ وتحديث البلاد بات عرضةً للخطر الآن. فقد صارت أرمينيا في الوقت الراهن عند مفترق طرق؛ إذ يتعيَّن عليها أن توضح أوجه الغموض التي نشأت في عهد نيكول باشينيان: ما إذا كان مشروعها المشترك يتمثّل في التنمية البشريّة والتحوّل إلى الديموقراطيّة، أيْ وضع الإنسان في صميم نظامها السياسيّ، أو إذا كانت ترغب في اتّباع قوميّة رمزيّة، قائمة على العاطفة، وتَحييد عن العقل والمنطق. فالدولة الصغيرة لا تمتلك الموارد اللازمة التي يُمكن استغلالها لتحقيق التحديث وتكريسها للإنفاق العسكريّ الضخم في الوقت نفسه. وإذا ما اتحد الشعب الأرمنيّ في المدى المتوسط على ترسيخ رؤية واضحة للتحوّل إلى الديموقراطيّة والتنمية، فقد يتمكّن من تحويل هزيمته الحاليّة إلى ميزة على المدى البعيد، تتمثّل في التحرّر من عبء الجهود العسكريّة التي لا قِبَل لهم بها، وإعادة الاستثمار في بناء نظام سياسيّ مدنيّ أكثر تكيُّفاً مع عالم سريع التغيُّر تحكمه العولمة. ومع أنّ إعادة التوجيه الاستراتيجيّ على هذا النحو في الثقافة السياسيّة ليست بالمهمّة السهلة، لا سِيَّما بعد الأسابيع السبعة الماضية، لكنّها تظلّ ممكنة.
  • حقّقت آذربيجان نصراً هائلاً. فمذ حصلت على استقلالها في مرحلة ما بعد الاتّحاد السوفياتيّ، ظلَّ الصراع في كاراباخ -وما أعقب ذلك من هزيمة بين عامَي 1991-1994، وما نجم عنه من خسائر في الأراضي- يؤرِّق الرأيَ العامّ الآذريّ. وبهذا النصر، أصبح إلهام علييف أقوى من قبل، بعدما أدّت الفرحة الوطنيّة الغامرة إلى تدمير أيّ مجال للمعارضة الداخليّة. فضلاً عن أن إلهام علييف، الذي تولّى السلطة خلَفاً لوالده عام 2003، سيتمكّن من تحقيق مزيدٍ من الاستقرار لحكمه العائليّ، والنظام الرأْسيّ الذي أرسى قواعده. وفي المستقبل القريب، قد تشهد آذربيجان نشوء توتّرات بين قوّة مركزيّة والرأي العامّ الذي تم تنشيطه وتعبئته أثناء الحرب. وربّما يكون هذا النصر الذي حقّقته آذربيجان نصراً باهظ الثمن على المدى البعيد، إذ يترك البلاد في ظلّ نظام سياسيّ عتيق فيما تشكِّل موارد النفط والغاز قوّتها الاستراتيجيّة الوحيدة.
  • أظهرت الحرب أنّ تعدّديّة الأطراف لا تُشكّل أهمّيّة، وأنّ النفوذ الغربيّ أيضاً ليس ذا أهمّيّة. وسواء تحدّثنا عن الولايات المتّحدة أو أوروبّا، فإنّ نفوذَهما ما فتِئ يتراجع تراجعاً ملحوظاً، في حين تمتلك روسيا وتركيا مفاتيحَ الحرب أو السلام في المستقبل في إقليم كاراباخ وفي منطقة القوقاز بشكلٍ عامّ. إضافة إلى أنّ هذا النفوذ الغربيّ المفقود، أو “المجتمع الدوليّ” الخَدّاع، لن يكون له تأثير في أيّ وقت قريب، ويتعيَّن على الجهات الفاعلة الأصغر في العلاقات الدوليّة أنْ تتأقلم مع وجود بوتين في الجوار.
  • أخيراً، حقّق بوتين أهدافه. فقد أضعف باشينيان، ونشَر قوّاته على نطاق أوسع في منطقة القوقاز، وكسب مزيداً من النفوذ على أرمينيا وعلى آذربيجان، بل حتّى ظهر باعتباره صانعاً للسلام. في المقابل، ليس من الواضح ما حقّقته تركيا من مكاسب، أو على الأقلّ ليس هذا واضحاً في نصّ الاتّفاق. الواقع أنّ العلاقة التي شهدنا نشأتَها بين الزعيمَين الروسيّ والتركيّ في سوريا وليبيا ظهرت مجدَّداً في كاراباخ، إلّا أنّ بوتين ما زال يتولّى زمام القيادة.

في أي حال، من شأن هذا الاتّفاق أن يفتح فصلاً جديداً في تاريخ إقليم كاراباخ ومنطقة جنوب القوقاز، مع توفّر فرص جديدة، ولكن يتيح أيضاً ظهور أوجه جديدة من اللايقين.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني