بين الوطن والنظام: التعاطف المفقود بين السوريين

جميع السوريين اليوم هم ضحايا لنظام ديكتاتوري، وإن خرجت أصوات شامتة بسوريين آخرين، فهذا ليس دليلاً على تفرقة السوريين، بل على رسوخ الحقد الذي عمل النظام السوريّ على تربيته يوماً بعد آخر.

تحملُ كلّ كارثة في سوريا بعض أوجه الشماتة وفقدان التعاطف بين السوريين أنفسهم، كلما حلّت كارثة ما. وبينما نشاهد سورياً يتعاطف مع كوارث العالم والبلدان المجاورة كانفجار مرفأ بيروت أو الحرائق في أستراليا، نجده في الوقت ذاته يسخر من مصيبة حلّت بلاجئ سوريّ أو يهزأ بحريق حصل في سوريا، هل فُقد التعاطف حقاً بين السوريين؟ وكيف وصل بعضهم إلى التشفي بموت آخرين كانوا ربما جيرانهم أو أصدقاء لهم؟

هل يحتاج السوريون إلى تجربة جنوب إفريقيا؟

التقيتُ منذ أعوام مجموعةَ نساءٍ من جنوب أفريقيا لتبادل خبرات في مجال إعادة بناء السلام. أتذكر جيداً حديث سيدة عن لحظة اعتذار قاتلٍ من عائلة ضحية، وقبول العائلة الصفح عن قاتل ابنها.

 قد يبدو الأمر مثالياً وطوباوياً لكنه حصل حقاً آلاف المرات، وهو جزء من طريق صعب سلكه شعب جنوب أفريقيا للوصول بعد قرن من الصراع مع البيض وقانون الفصل العنصري، إلى دولة تمتلك واحدة من أهم تجارب السلام في العالم.

تجربة جنوب أفريقيا واجهت عوائق صعبة بسبب العنصرية والقتل والتهجير والتنكيل. مُنح السكان الأصليون وهم يشكلون 80 في المئة من مجموع السكان 13 في المئة فقط من أراضي جنوب أفريقيا، لكن وبعد قرن من النزاعات علمت أطرافه أن استمرار الصراع هو حلقة مفرغة من الموت.

استوجب السلام في دولة جنوب أفريقيا العودة إلى جذور الصراع والتحقيق في الانتهاكات التي حدثت بحق السكان، ومنح العفو في حالات معينة والمحاسبة في حالات أخرى. وخلال التحقيقات والاستدعاءات التي قامت بها “لجنة الحقيقة والمصالحة” اجتمع الضحايا والجناة وجهاً إلى وجه في محاولة لتجاوز آلام الماضي وخلق بيئة آمنة لعائلاتهم في المستقبل. وعام 1998 أصدرت لجنة “الحقيقة والمصالحة” تقريراً تضمن أكثر من 22 ألف شهادة لضحايا وجناة، وهكذا وعوضاً عن العدالة العقابية والانتقامية، اعتمدت اللجنة على العفو المشروط واعتراف الجناة بجرائمهم، سبيلاً لتحقيق العدل وطلب الصفح من الضحايا.

أستذكرُ هذه التجربة بعد حرائق سوريا وشماتة بعض السوريين باشتعال الغابات، الشرخ الذي كبر بين السوريين منذ عشرات السنين عززته السنوات العشر الأخيرة وجعلته أكثر وضوحاً. هل يحتاج السوريون اليوم إلى تجربة سلام مشابهة لشمال أفريقيا؟ هل يكتفون من الصراع وتبادل الشتائم والاتهامات في محاولة لبناء بيئة آمنة للأجيال المقبلة؟ قد تبدو المسألة السورية أكثر تعقيداً لكنها تمتلك في جذورها ما هو مشترك مع أي صراع في العالم، وهو السلطة الاستبدادية من جهة ووجود أطراف متناحرة يقصي واحدها الآخر من جهة أخرى. بنظرة سريعة إلى المشكلات التي تطفو على سطح كلّ مشكلة سورية، يمكن تتبع بعض الأطراف المتناحرة سواء على أساس سياسيّ، إنسانيّ، دينيّ أو اجتماعي.

سوريون لا يتعاطفون مع سوريين

تكاد تسيطر الشماتة على كلّ حدث في سوريا، ولا تخلو أيّ كارثة أو حدث سياسيّ أو أزمة من تشفي البعض بالطرف الآخر، وإن عدنا إلى الخلف قليلاً حين دخل النظام إلى المدن السوريّة وقصفها، سنجد شماتة من نوع آخر إذ دعا مؤيدون للنظام السوريّ إلى عمليات إبادة جماعية في مناطق الثورة ووصف الناس الذين خرجوا للمطالبة بحقوقهم، بالإرهابيين. وبين طرفين متناحرين يظهران في كلّ مصيبة جديدة ندرك أنهما ضحية لأيديولوجيا النظام الذي يبدو أنه يتبع منذ عقود سياسة “فرّقْ، تسد”.

لا يتوقف عدم التوافق هذا على فئة بعينها، سواء في الداخل أو الخارج، معارضة أو مولاة، هناك دوماً محاولة لإلغاء الآخر وأفكاره، عبر تصغيره، تحقيره، التحريض على قتله…

حتى أن الكتاب والصحافيين يمارسون هذا النوع من الإقصاء، لا سيما بحق نظراء لهم أصبحوا لاجئين في دول الأخرى، إذ يشككون باستحقاقهم الفرص التي يحصلون عليها في أوروبا أو سواها، ويحاولون تشويه صورتهم، والطعن بهم والشماتة بهم.

الغوص في الأسباب

من جهة أخرى، فقد سوريون كثيرون منازلهم، وشاهدوا عناصر من الجيش السوريّ يدخلون إليها وينهبون كلّ ما فيها. مشاهد قهر كثيرة تركها أفراد الجيش السوري وعناصر تابعون للنظام في ذاكرة السوريين، آلام لا يمكن تجاوزها ببساطة, قد تبدو المشكلة بين السوريين والسوريين، لكنها في الحقيقة بين السوريين والنظام، الذي أسس منذ أكثر من 50 عاماً لهذه الأشكال من التفرقة، سواء طائفياً بمنح امتيازات لبعض أذرعه من المنتمين لطائفة الأسد أو حتى بإهمال مدن على حساب أخرى كما حصل للمدن الشرقية، التي كانت مغيبة طوال أعوام ولم يعلم السوريون بثقلها إلّا حين راح الصراع الدولي يحتدم على أرضها للسيطرة على نفطها وثرواتها.

عبارات الشماتة التي تقال في كلّ مناسبة تبين مدى الهوة التي صُنعت عبر عقود بين السوريين وعززها النظام عبر إبادة طوائف دون غيرها، وتفضيل طائفة على أخرى، كقيام الأسد بزيارة المناطق المتضررة في الساحل وحمص وتعويض المتضررين وتجاهل نداءات الاستغاثة في مدينة السويداء بعد سلسلة حرائق تخطت 150 حريقاً خلال هذا العام، أتت على محاصيل زراعية ومحميات ومناطق حراجية.

تكاد تسيطر الشماتة على كلّ حدث في سوريا،

ولا تخلو أيّ كارثة أو حدث سياسيّ أو أزمة من تشفي البعض بالطرف الآخر.

لا يمكن في أي حال تحميل أناسٍ فقدوا كلّ شيء ولا يملكون فلساً ولا مورداً، مسؤولية ما يحدث في سوريا. ولا يمكن التعويل على الوعي السياسي لشعوب منكوبة، تكاد تموت جوعاً. لكن إن مررنا قليلاً على التعويضات التي قدمها الأسد والوعود التي قطعها، تبدو  الأرقام زهيدة للغاية من دون وجود خطة اقتصادية وزراعية لتخطي الكارثة، والوقوف إلى جانب المنكوبين. كان ذلك كله مجرد صورة أراد النظام أن يظهر بها كمساند للشعب المنكوب من دون أن يفعل شيئاً على أرض الواقع.

يبدو أن العجز عن تحقيق أي تغيير سياسي في سوريا هو ما يدفع بعض السوريين إلى استخدام الشماتة كوسيلة دفاعية متأخرة، وكطريق للعدالة، ولكنها تُظهر في الوقت نفسه هشاشة هذه الرغبة في التغيير، وبخاصة حين تصدر هذه الشماتة من فنانين وإعلاميين ومثقفين وسياسيين.

ما العدالة؟

ما هي العدالة وكيف يمكن تحقيقها بعد عقود من الاضطهاد والديكتاتورية؟ ربما هو السؤال الذي يُطرح مع كلّ كارثة تحلّ بسوريا. طلب العدالة هو ما يؤرق السوريين الذين دمر النظام حياتهم، منذ الأسد الأب، ومجازر حماة وسنوات الظلم والاعتقال، إلى الأسد الابن وحكايات القصف والاعتقال والتعذيب. مرت عقود من تربية الخوف والحقد الذي ينتظر مناسبة لينفجر.

فالبارحة كانت الحرائق هي المناسبة أو الذريعة للتنفيس عن الحقد القديم وغداً تكون كارثة جديدة. من جهة أخرى، الشعور المتنامي لدى بعض السوريين بخسارتهم البلد واستيلاء الموالاة عليه، بينما مَن في الداخل موالاة أو معارضة، لا حيلة لهم أمام انتشار الفقر والخوف ليس من النظام وحسب إنما من الحلفاء أيضاً.

والعدالة التي تمناها السوريون لم تتحقق حتى الآن، فوسط هذه الأحقاد هل من فرصة لتوافق صغير أو لصنع سلام بسيط بين الطرفين؟ الشيء الوحيد المؤكد أن جميع السوريين اليوم هم ضحايا للنظام السوريّ، ومهما اختلفت نسب الألم، فالنظام السوري راضٍ بهذا الوضع الذي يدعمه بشكل أو آخر، وإن كنا استحضرنا تجربة جنوب أفريقيا نعلم أن تعدد الأطراف في سوريا يجعل الموضوع أكثر تعقيداً إلى جانب وجود نظام ديكتاتوري أورث ذهنية شعبية خائفة منه ومؤمنة فيه في الوقت نفسه.

إذاً جميع السوريين اليوم هم ضحايا لنظام ديكتاتوري، وإن خرجت أصوات شامتة بسوريين آخرين، فهذا ليس دليلاً على تفرقة السوريين، بل على رسوخ الحقد الذي عمل النظام السوريّ على تربيته يوماً بعد آخر، وكلّ شماتة هي نتيجة عقود من التربية البعثية التي ربّت أجيالاً لا تفرّق بين الوطن والنظام.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني