fbpx

جريمة باريس: لماذا علينا أن نشعر بالمسؤولية؟

غياب الحساسية تجاه الجرائم الأخيرة في فرنسا من قبل البيئات الاسلامية المعنية، وعدم استعدادها لتحمل المسؤولية بمعناها الأعمق والاكثر دلالة، من شأنهما أن يعززا الشعبوية والعنصرية الفرنسية المتزايدة والتي تدفع ماكرون وآخرين إلى مجاراتها.

 يمكن وصف ما جرى في باريس ونيس مؤخراً بأنه عمل إجرامي قام به افراد ضد أفراد آخرين. هذا وصف صحيح. لكنه لا يتعارض مع وصف آخر صحيح أيضا، وهو ان ما حدث هو قيام افراد ينتمون إلى بيئات اسلامية بقتل أشخاص آخرين لا ينتمون الى تلك البيئات، وذلك تحت شعارات او قضايا اسلامية ما. كذلك لا تتعارض صحة الوصف الثاني مع رفض المسلمين عامة لتلك الجريمة. لكن مجرد انتماء مرتكبي الجرائم الى بيئة مسلمة وقيامهم بها في ظل ما يَعتقدون أنه قضية اسلامية، يستدعيان تفاعلاً مختلفا مع الحدث من قبل البيئات المسلمة ذاتها او من يتحدثون باسمها او يدافعون عنها. فسمات الفعل هذه تفرض على تلك البيئات الاعتراف بأن ما حصل قد خرج منها، او على الاقل يعنيها بشكل خاص. فالجماعات لديها علاقة خاصة، وبالتالي مسؤولية اخلاقية، وان غير جرمية، إزاء ما يفعله افرادها، وتحديداً عندما يدعي هؤلاء الافراد التحدث باسم الجماعة والدفاع عنها وعن قيمها.   

هكذا يتصرف الألمان اليوم، على سبيل المثال، ازاء جرائم الحقبة النازية وفي مقدمتها المحرقة. فبالرغم من عدم مشاركتهم في تلك الجرائم أو تأييدهم لها، يرونها ويتعاملون معها كعار يدمغ تاريخهم ونظرتهم لأنفسهم كجماعة. فكما يحق للالمان اليوم الاعتزاز بانجازاتهم في الازمنة السابقة مع أنهم لم يساهموا فيها، كذلك من الطبيعي ان يشعروا بخجل حيال جرائم الفترة النازية وان حصلت قبل ولادتهم.

وبنفس المنطق، وكما يحق للمسلمين الاعتزاز والفخر بانجازات الحضارات الاسلامية السابقة وان لم يكن لهم دور فيها، فهم مطالبون بالاحساس بالخجل، وربما العار، ازاء الجرائم التي ترتكب من قبل مسلمين وباسم الاسلام، وان لم يكن لهم دور فيها. 

يعزز ذلك ان جريمتي باريس ونيس ليستا يتيمتين، ما يفرض أمرا آخر على تلك البيئات المسلمة والفاعلين فيها. فهم، بمعنى ما، مدعوون أن يعلنوا نيّتهم اجراء مراجعة ذاتية ليروا ما اذا كان هناك شيء في سلوكهم او قيمهم يساهم بشكل ما في انتاج تلك الظواهر المرفوضة منهم. وبعودة الى المقارنة مع الحالة الالمانية، كان مطلوبا أن يقوم الالمانيون بمراجعة لمجتمعهم وثقافتهم سعياً لفهم الفترة النازية من أجل عدم تكرار تلك التجربة او ما يشبهها. ولإعلان نية المراجعة الذاتية والقيام بها هدف يتعدى تحديد المسؤوليات والأسباب وتفادي التكرار، فهو ايضا شكل من أشكال الاعتذار او الاسف العلني عما حصل وأخذ مسافة ملموسة عنه. 

واذا كانت المراجعة الذاتية الصادقة والجدية مطلوبة من المجتمعات الإسلامية المعنية، فالردود السريعة عقب الجريمتين والتي تلقي اللوم، ولو جزئيا، على الدولة والمجتمع في فرنسا ودول الغرب، هي اشكالية ايضا، على الاقل في ظرفها وتوقيتها. فقد تتحمل دول غربية ومجتمعاتها قدراً لا بأس به من المسؤولية، وذلك بسبب سياساتها وسلوكها، في السابق وحاليا، تجاه امور اساسية تعني تلك البيئات المسلمة. وبشكل عام، ليست هناك مشكلة في تبيان تلك الأسباب والتصويب على تلك المسؤولية. لكن من غير المحبذ ان يلجأ “ذوو المجرم”، ان جاز التعبير، الى القاء اللوم على “ذوي الضحية” بينما الدماء لم تجف بعد. التصرف خلاف ذلك ينم عن فقدان حساسية ما ازاء فظاعة الحدث. فقط الاقرار والاصرار بأن ما جرى هو جريمة بشعة وغير مبررة هو ما يجوز أن يطغى في زمن الجريمة. اما الحديث عن اسبابها العميقة، خصوصا دور الضحية أو بيئتها، فيُترك الى يوم آخر. 

بالرغم من عدم مشاركة الألمان في جرائم النازيين أو تأييدهم لها،

يرونها ويتعاملون معها كعار يدمغ تاريخهم ونظرتهم لأنفسهم

كجماعة.

كذلك هو الحديث عن علمانية فرنسية مغالية، او الدخول في نقاش حول مسائل التمييز بين الحيّزين العام والخاص وتأثير ذلك على حرية التعبير من جهة، والاساءة للمشاعر الدينية العميقة من جهة اخرى. فبالرغم من أهمية تلك المسائل، فإن من شأن طرحها، مباشرة بعد تلك الجرائم، أن يضعف ما يُفترض أنه الموقف الأهم والاوحد، وهو رفض الجريمة تحت اي مبررات او ذرائع او اسباب. وبدل شعار “الا رسول الله” فليرتفع شعار “إلا قتل المسالمين باسم الدين”. 

ختاما، من المفيد ان نعكس الصورة لتبيان الأمر. فلنفترض ان يمينياً متطرفاً في فرنسا قتل مسلمين أثناء صلاتهم في أحد الجوامع، كما حصل في نيوزيلاندا منذ فترة قريبة. فمن غير الصائب او المقبول في هذه الحالة ان يسارع صناع الرأي والسياسة في فرنسا الى القاء اللوم ولو جزئيا على العمليات الارهابية التي قام بها مسلمون في السابق. كما تستدعي جريمة كهذه من المجتمع الفرنسي الاكبر، خاصة إذا تكررت، الشعور بالمسؤولية والمباشرة في البحث عن البواعث والاسباب المحتملة لتلك الظاهرة داخل المجتمع المذكور. 

وعلى الفرنسيين في هذه الحالة أن يتفهموا ظهور أصوات من البيئات المسلمة، او من يساندها، تقول ان هناك أزمة داخل المجتمع الفرنسي والقيم السائدة فيه. وإذا اردنا مطالبة المجتمع الفرنسي الاكبر والمجتمعات الغربية عموماً بالتصرف على هذا النحو عقب جريمة عنصرية تستهدف مسلمين، فان على المجتمعات الاسلامية المعنية ان تتصرف بطريقة مماثلة عقب أعمال مماثلة كجريمتي نيس وباريس، بدلا من الاكتفاء بالتنصل من الحدث او الغوص في اخطاء الطرف المقابل. 

غياب تلك الحساسية تجاه الجرائم الاخيرة في فرنسا من قبل البيئات الاسلامية المعنية، وعدم استعدادها لتحمل المسؤولية بمعناها الأعمق والاكثر دلالة، من شأنهما ان يعززا الشعبوية والعنصرية الفرنسية المتزايدة والتي تدفع ماكرون وآخرين الى مجاراتها.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
آمال شحادة – صحافية فلسطينية
اللد، البلدة الفلسطينية التي تواجه منذ سنوات سياسة تمييز وقهر ، شهدت هبة غضب كبيرة لم تقتصر على الاحتجاج على غزة والاقصى او الشيخ جراح، بل اشتعلت في وجه سياسة اليمين الإسرائيلي ضد المجتمع الفلسطيني.
Play Video
معطى جديد دخل على التطورات الفلسطينية مع تحرّك فلسطينيي الداخل في مدينتي اللدّ ويافا، فكيف تُقرأ هذه التصعيدات وهل ستتحدث تغييراً على المستوى السياسي الفلسطيني؟ الكاتب الفلسطيني مصطفى إبراهيم يُجيب.

5:16

Play Video
مشهدية هجوم مستوطنين على منازل فلسطينيين والاعتداء عليهم في مخطط لإجلائهم وتغيير وجه القدس الديمغرافي، جعلت شخصيات عامة داخل إسرائيل وخارجها تنتقد إسرائيل علناً…

1:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني