أول انتصار ضدّ ألقاب العبودية في تونس… هل ينصف القانون السود؟

“لم نكن على ثقة تامة بأن القضاء سينصف قضيتنا، كان هناك بريق أمل ولكن المخاوف من عدم الاستجابة مجدداً كانت حاضرة أيضاً، إلى أن اتصلت بنا المحامية وأخبرتنا بأننا كسبنا القضية أخيراً. لقد تم حذف كلمة “عتيق” من لقب العائلة. كان حكماً تاريخياً أسعدنا كثيراً، وجعلنا ننتصر على إرث مرهق من العنصرية”.

هكذا تحدث كريم الدالي عن اليوم الذي أنصف فيه القضاء التونسي والده الذي رفع قضية لسحب لقب “عتيق” من السجل الرسمي للعائلة، لدلالاته العنصرية. لقد كان يوماً استثنائياً بالنسبة إلى العائلة، أنهى معه سنوات مرهقة ومثقلة بالممارسات العنصرية في جزء غير قليل من المجتمع التونسي، “والدي كان الأشد تأثراً حتى أنه قال عند سماع الحكم، هذا أفضل ما تركت لكم، لقد استطعت أن أخلصكم من هذا اللقب المتعب. لم يشأ والدي بعد 80 سنة من المعاناة التي تحملها بسبب هذا الاسم العائلي أن يورث أبناءه وأحفاده هذا الحمل الثقيل”، يقول كريم.  

وكلمة “عتيق” تعني “المُعتق” أي المحرر من العبودية ولقب “عتيق فلان” يعني العبد الذي حرره فلان. وفي حالة كريم كان اللقب قبل تعديله “عتيق الدالي” أي محرر من عائلة الدالي. ورغم أن تونس كانت من الدول الرائدة في العالم في إقرار منع الرق عام 1846، ولكن على رغم ذلك ما زالت عائلات كثيرة تعاني من مخلفات هذا الإرث حتى اليوم.

الحكاية انطلقت عندما كلف الوالد ابنه كريم بتقديم قضية من أجل تغيير لقبه بحذف كلمة “عتيق” والإبقاء على لقب دالي وهو اسم العائلة التي حررت جده قبل نحو 200 عام. وفي محاولة منه لإزاحة هذا الوصم العنصري رفع كريم منذ أواخر عام 2017 القضية، فرُفض طلبه في البداية بذريعة غياب اللجان المكلفة بالنظر في هذه القضية، لكن عاد الأمل مجدداً بعد صدور قانون تجريم العنصرية في تونس عدد 50 لسنة 2018 الذي حمل كريم لتجديد القضية مدعوماً بجهود محاميته حنان بن حسانة وجمعية “منامتي” المدافعة عن حقوق ذوي البشرة السوداء في تونس. ليكسب القضية بتاريخ 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2020.

وبهذه الخطوة انتصر القضاء التونسي في محافظة مدنين للمرة الأولى لقضية من هذا النوع وأنصف والد كريم بأن خلصه من كلمة “عتيق” ليصبح “حمدان دالي” عوض “حمدان عتيق دالي”. وهي قضية تعتبر تاريخية بالنسبة إلى ذوي البشرة السوداء في تونس والذين يواجهون الكثير من المتاعب في المجتمع، بسبب هذه الألقاب التي تتضمن إشارة واضحة إلى موروث العبودية الذي لاحق هذه العائلات لعقود طويلة، على رغم تونس كانت سباقة في إلغاء العبودية من البلاد. 

ويقول كريم “إنها خطوة مهمة جداً، ليس لعائلتي فقط، ولكنها ستكون حافزاً إضافياً لأصحاب البشرة السوداء في تونس لنواصل حراكنا ضد أشكال العنصرية الممارسة ضدنا، هذا فضلاً عن كونها ستشجع كثيرين من حاملي ألقاب مماثلة على الإسراع لتغييره وكسر حاجز الصمت والحسم، بدل التردد وتجنب الإحراج في التعبير عن مشاعرهم ومعاناتهم جراء هذا الإرث العنصري الذي كرسته منظومة اجتماعية ظالمة، وألا يكترثوا لرد فعل المجتمع مهما كان موجعاً”. 

كلمة “عتيق” تعني “المُعتق” أي المحرر من العبودية

ولقب “عتيق فلان” يعني العبد الذي حرره فلان.

و”عتيق” ليس الاسم العائلي الوحيد في تونس الذي يرمز إلى العبودية، بل هناك ألقاب أخرى على غرار “عبيد” و”مملوك” و”شوشان”، ما زالت مستخدمة  في عدد من مدن الجنوب كمدنين وجربة وجرجيس وقابس، ضمن الأوراق الثبوتية لعدد من المواطنين ذوي البشرة السوداء. وهي ألقاب أنهكت أصحابها وخلدت لتاريخ الاستعباد في تونس عبر سجل سيئ من الممارسات العنصرية ضد حامليها، يكفي أنها تخبر الجميع بمجرد الاطلاع عليها أن أصحابها ينحدرون من عائلة استعبد أفرادها سابقاً.

وفيما هناك عائلات أخذت ألقاباً تشير إلى العتق على غرار عائلة كريم، هناك آخرون حملوا ألقاب العائلات التي حررتهم من دون أي إشارة إلى العبودية. ويبدو للوهلة الأولى أن هؤلاء وضعهم اجتماعياً أفضل من نظرائهم الذين يحملون ألقاباً تشير إلى تاريخ العائلة مع الاستعباد، ولكن عملياً، لا مؤشرات تؤكد ذلك. فرعلى غم منحهم اسم العائلة إلا أن ذلك لم يكن دافعاً للانسجام في ما بينهم كعائلة واحدة حاملة للكنية ذاتها، بل ظلت هناك مسافة فاصلة بين الجانبين تتبنى ولو ضمنياً فكرة أن هناك فريقاً أبيض سليل “الأحرار”، وفريقاً أسود بالكنية ذاتها، ولكنه سليل “العبيد”. بمعنى أن منح الشهرة أو اللقب لم يكن خطوة أريد من خلالها التأسيس لعلاقة جديدة قوامها المساواة بين الجانبين وترك الصورة القديمة المتحكمة في العلاقة، بقدر ما كانت حركة تكرس في جوهرها رغبة “الأسياد” تكريس مبدأ تبعية العائلات التي تم تحريرها لهم وإن بأشكال جديدة غير معلنة. فهذا الفاصل الذي تم وضعه عمداً، كان بهدف ترسيخ تاريخ العلاقة بين الجانبين لزمن أطول ولأجيال أكثر.    

علي الوريمي

ولعل هذا ما يدفع علي الوريمي للسعي من أجل إلغاء اللقب الذي منحته إياه العائلة التي حررت عائلته منذ عقود طويلة واستعادة لقب العائلة الأصلي الذي لم يتم اعتماده “لأن العبيد لم تكن لهم سجلات رسمية تحفظ أسماء عائلاتهم آنذاك” على حد تعبيره.

ويقول علي لـ”درج”، “أريد استعادة لقب العائلة الأصلي عبدو، بدل لقب الوريمي الحالي لألغي التبعية للعائلة المحررة ولأوثق لسجل عائلتي الأصلي الذي لم يعتمد لأسباب مجهولة. كانت هذه رغبة والدي الذي توفي من دون أن يحققها، فمنذ بلوغنا سن الـ18 والـ19 أخبرنا بحقيقة لقب العائلة وعبر عن أمله بأن يأتي اليوم الذي نتخلص فيه من هذه الكنية، ونعتمد لقبنا الذي يخصنا وينتمي إلينا وننتمي إليه ولكن الموت أخذه قبل ذلك”.   

بعدما عرف هذه الحقيقة حاول علي تلبية رغبة والده، وقد باتت غايته هو الآخر، فطرق أبواب جملة من المحامين في مناسبات عدة لاستعادة لقب العائلة “عبدو”، وترك لقب “الوريمي”، ولكن من دون جدوى لعدم استجابة الطلب للشروط التي يمليها القانون والتي تقتضي أن يكون الاسم مسيئاً أو يبعث على السخرية. اليوم وبعد نجاح قضية كريم بمقتضى القانون 50 المتعلق بالتمييز العنصري عاد الأمل مجدداً لعلي بشأن قضية عائلته، فاتصل بالمحامية التي تولت ملف عائلة كريم لتتسلم قضيته.

يقول: “على رغم الاختلاف في شكل القضية بيننا إلا أن نجاح قضية كريم جعلني أتفاءل بعدما يئست، ودفعتني لأتحرك مجدداً، بل واخترت المحامية ذاتها حنان بن حسانة التي ستتولى القضية قريباً، وكلي أمل بأن القانون الجديد سينصفني وينصف والدي ولو بعد رحيله”.  

وبدأت مسألة تغيير الألقاب في تونس ضمن قانون خاص عدد 53 صدر في 26 أيار/ مايو 1959، في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة عقب الاستقلال، والقاضي بوجوب حمل كل تونسي لقباً عائلياً. وينص القانون على أنه “لكل تونسي الحق في طلب استبدال اسمه بمقتضى أمر من رئيس الجمهورية بناء على طلب يقدم إلى وزارة العدل، إذا لم يكن اسمه عربياً أو أمازيغياً، أو أن معنى اسمه، أو النطق به، يعد محل التباس أو سخرية، أو يتشارك الاسم نفسه مع أحد إخوته”.

ولأن هذا القانون لم يتضمن إشارات إلى الأسماء أو الألقاب المرتبطة بالعنصرية والعبودية، فإنه لم ينصف من تقدموا بقضايا متعلقة بالتمييز العنصري. ولكن صدور القانـون الأساسي عدد 50 المتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري بتاريخ 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2018 منح القضاء مساحة جديدة يتحرك في إطارها لحسم القضايا المطروحة في هذا الإطار، ومنح كثيرين أملاً جديداً.   

ويستند أصحاب هذه القضايا إلى ما ورد في الفضل الثاني من هذا القانون والذي يعرف التمييز العنصري بـ”كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني أو غيره من أشكال التمييز العنصري على معنى المعاهدات الدولية المصادق عليها والذي من شأنه أن ينتج عنه تعطيل أو عرقلة أو حرمان من التمتع بالحقوق والحريات أو ممارستها على قدم المساواة أو أن ينتج عنه تحميل واجبات وأعباء إضافية”. والفصل الأول يقول “يضبط  القانون الإجراءات والآليات والتدابير الكفيلة بالوقاية من جميع أشكال ومظاهر التمييز العنصري وحماية ضحاياه وزجر مرتكبيه”.

 هناك كثيرون يرغبون في تغيير ألقابهم العبودية ولكن لا خطوات رسمية حتى الآن، لأن هؤلاء يعانون فضلاً عن التمييز العنصري من هشاشة اقتصادية كبيرة تجعلهم عاجزين عن توفير تكاليف القضية.
زياد روين

زياد روين منسق عام جمعية “منامتي” المناهضة لأشكال التمييز والعنصري، أثنى على الحكم “التاريخي” الذي حصدته قضية كريم الدالي معتبراً أنها خطوة تؤكد المضي فعلاً باتجاه تفعيل القانون 50 المتعلق بالقضاء على التمييز العنصري وأنه ليس مجرد حبر على ورق، متطلعاً إلى أن يتحول تدريجاً إلى رأي سياسي وعام وممارسة يومية لمحاربة هذه الانتهاكات. ودعا إلى ضرورة تشجيع ضحايا التمييز العنصري على التحرك من أجل رفع ما يجعلهم عرضة لهذه الممارسات ولا سيما التي تسببها الألقاب التي لا تتوقف عند لقب “عتيق” بل تمتد إلى مجموعة أخرى من الألفاظ المسيئة. 

ويقول روين لـ”درج”: “هناك كثيرون يرغبون في تغيير ألقابهم هذه ولكن لا خطوات رسمية حتى الآن، لأن هؤلاء يعانون فضلاً عن التمييز العنصري من هشاشة اقتصادية كبيرة تجعلهم عاجزين عن توفير تكاليف القضية ولا سيما مسألة تكليف محامٍ يتولى القضية لأشهر، فهم غير قادرين على دفع هذه الأموال. ولهذا لا بد للدولة أن تتحمل مسؤوليتها وتحاول توعية المواطنين بالتوجه مجاناً للقضاء لتقديم هذه الملفات أو تقوم آلياً بحذف هذه الألقاب”.

وانتقد روين تخاذل الدولة التونسية عن القيام بواجبها كاملاً في حماية مواطنيها، عندما لم تسارع لحذف كل ما من شأنه أن يشكل وصمة ذل وعبودية لكثيرين من أبناء البلاد بل وعدم تسهيل مهمتهم لدى توجههم للقيام بهذه الخطوة. 

وعلى رغم هذه النقائص إلا أن روين يعتبر أن ما حدث هو فخر بدرجة أولى لحمدان الذي لم تمنعه السنوات الثمانين من التوجه للقضاء من أجل نيل حقه كأي مواطن آخر في العيش من دون ثقل التمييز العنصري، وهو إنجاز للقضاء الذي شجع بهذه الخطوة المتضررين من هذه الانتهاكات على التفكير جدياً في رفع قضايا مماثلة، وانتصار لتونس باعتبارها تسير بهذه الخطوة نحو ضمان حقوق أبنائها من دون تمييز.  

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني