عن قوارب الهجرة التونسية التي حملت إرهابي مدينة نيس

إبراهيم عويساوي، منفذ عملية نيس الإرهابية، هو أحد التونسيين الذين قصدوا "قوارب الموت" المتجهة نحو أوروبا هرباً من الفقر والتهميش... هنا تفاصيل عن حياته ترويها عائلته.

يقدم آلاف من الشباب التونسي في الفترة الأخيرة بنهم شديد على ركوب “قوارب الموت” المتجهة نحو أوروبا هرباً من الفقر والتهميش والبطالة، وطمعاً في جنة أوروبية موعودة.
وإبراهيم عويساوي (22 عاماً)، منفذ عملية نيس الإرهابية، هو أحد هؤلاء الذين تمت “أدلجتهم” وتوجيههم نحو الإرهاب كسبيل للخلاص “ونصرة الإسلام وحماية النبي محمد من التشويه والرسومات المسيئة”.
ولد إبراهيم في ولاية القيروان في الوسط التونسي ولم يتأخر عن تلبية نداء القتل باسم العقيدة عشية وصوله إلى فرنسا في 29 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي من لامبيدوزا إلى نيس الفرنسية بشكل غير نظامي، حيث نفذ جريمته بحق مواطنين فرنسيين في كنيسة نوتردام.

إبراهيم عويساوي، منفذ جريمة نيس

عويساوي هو من أسرة أقل من متوسطة تتكون من سبع بنات وثلاثة شبان، تقطن في حيّ شعبي بالقرب من منطقة صناعية في محافظة صفاقس/ وسط تونس.
عملَ في محل لتصليح الدراجات النارية بعد أن انقطع عن الدراسة وفق ما روته والدته لمراسل فرانس براس. أصبح متديناً منذ سنتين، حيث بدأ يلتزم بالصلاة ويتردد على المسجد.
والد منفذ الجريمة قال لوسائل إعلام محلية: “ابني يتعاطى المخدرات ويشرب الكحول، ما الذي دفعه للإقدام على هذا الأمر؟” وأضاف”كي قتلوه غادي رتحنا فرد مرّة” أي طالما فعل ذلك وقتل هناك ارتحنا منه نهائيا.

والدته أكدت في تصريح لفرانس برس أنه “منذ عامين ونصف العام أصبح يؤدي الصلاة ويتنقل فقط بين العمل والجامع والبيت ولا يجالس أحداً من أبناء الحيّ”. حاول ابراهيم الهجرة بطريقة غير قانونية مرات عدة إلى أن نجح في ذلك.

والدة إبراهيم عويساوي

شاب آخر يدعى وليد السعيدي تبنى في نفس تاريخ تنفيذ الجريمة، في مقطع فيديو نشر على مواقع التواصل الاجتماعي جريمة نيس وقال انه عضو في “تنظيم المهدي في الجنوب التونسي”.
السلطات التونسية باشرت التحري عن حقيقة وجود تنظيم يدعى “المهدي” في جنوب تونس، بعد أن قامت الوحدة الوطنيّة للأبحاث في جرائم الإرهاب التابعة لإدارة مكافحة الإرهاب بإلقاء القبض على الشخص المذكور وبرفقته شخص آخر تبيّن أنّه ساعده في إعداد مقاطع الفيديو الخاصّة بتبني العمليّة الإرهابيّة.
العويساوي، منفذ عملية نيس، ليس مصنفاً إرهابياً لدى السلطات التونسية، وغادر البلاد بطريقة غير قانونية في 14 أيلول/سبتمبر الفائت، إلا أن لديه سوابق في أعمال عنف ومخدرات.ويذكر أن النيابة العمومية التونسية أذنت بدورها بفتح تحقيق في ملابسات جريمة نيس وكل من سيكشف عنه البحث.

أوروبا “الجنة الموعودة” عبر القتل والإرهاب

تشير إحصائيات حديثة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أنه في الفترة بين كانون الثاني/يناير وتموز/يوليو 2020 تم إحباط 491 عملية اجتياز غير نظامية للحدود التونسية. وقد بلغ عدد المهاجرين غير النظاميين الذين تم منعهم من اجتياز الحدود خلسة حوالي 6885 مهاجر،90بالمئة منهم تونسيون و10 % من جنسيات مختلفة.
محاولات الهجرة غير النظامية من السواحل التونسية في اتجاه أوروبا عبر “قوارب الموت” تتم بشكل يومي. وتنشر وزارة الداخلية التونسية بشكل متواصل بلاغات إحباط لبعض هذه العمليات ويتم توقيف مهاجرين تونسيين وآخرين من جنسيات مختلفة.

في نفس اليوم الذي نفذت فيه العملية الإرهابية في نيس، أي 29 أكتوبر الماضي، تمكنت الوحدات التابعة لمحافظة شرطة الحدود في مدينة حلق الوادي من ضبط 29 شخصاW أحدهم مطلوب للعدالة، وهم بصدد ترصّد فرصة للصّعود على متن إحدى البواخر الرّاسية بالميناء بهدف اجتياز الحدود البحريّة خلسة، وذلك وفق بلاغ صادر عن وزارة الداخلية التونسية.


وأظهرت إحصائيات للوزارة أنه ومنذ مطلع العام الحالي وإلى منتصف أيلول /سبتمبر، حاول 8581 شخصاً عبور المياه التونسية في اتجاه السواحل الأوروبية، من بينهم 2104 من جنسيات غير تونسية.
ويرى إسماعيل دبارة، وهو باحث وكاتب تونسي، أن موضوع المهاجرين غير النظاميين أشمل بكثير من أن يحصر في تصدير الإرهابيين التونسيين إلى أوروبا. لكن ذلك لا يعني عدم استغلال الأصوليين والتنظيمات الإرهابية لهذه الفئة الهشة لإيصال أفكارهم وتنفيذ مخططاتهم الإرهابية. وشدد دبارة على ضرورة الانتباه إلى أن المهاجرين غير النظاميين الى أوروبا ليسوا جميعهم فارين من القمع والفقر والتهميش لبناء حياة جديدة، وان الجماعات الارهابية تستغل حالياً الشباب الغاضب والحاقد على الغرب وقيمه لإيصال المتشددين الى اوروبا من اجل تنفيذ هذا النوع من العمليات.
الفقر والتهميش والبطالة قد تكون عوامل مساعدة على صناعة إرهابي، لكنها ليست أسبابا كافية بدليل أن مئات التونسيين من الذين سافروا إلى سوريا بدعوى الدخول إلى دولة “داعش” كانوا على قدر من المستوى التعليمي وكان من بينهم أطباء ومهندسون.

خطاب ديني متجمد و دولة مساهمة في “تصدير” الإرهابيين

على الرغم من أن الدّولة التونسية راعية للدّين وفق ما جاء في الفصل السادس من دستور ما بعد الثورة وكافلة لحريّة المعتقد والضّمير وممارسة الشّعائر الدّينيّة، وضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التّوظيف الحزبي، إلا أنه لم يتغير الكثير منذ هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر لا في المناهج التعليمية ولا المقررات الابتدائيّة والثانويّة والجامعيّة التونسية الخاصة بـ”التربية الإسلامية” ومادة “الإسلام”. كما لم يتم التركيز عبر هذه القنوات التعليمية على نشر قيم الاعتدال والتّسامح، ولا التعاطي بالجدية والحزم الضروريين تجاه دعوات التّكفير والتّحريض على الكراهية والعنف ولا التّصدّي لها في مواقع التواصل الاجتماعي. ومن بينها التدوينات المستمرة لأعضاء ائتلاف الكرامة الممثل في البرلمان التونسي.

لم تنجح تونس بعد في الحد ظاهرة تصدير متطرفين ووقف المدّ المهاجر نحو أوروبا ومن قبلها سوريا والعراق وأفغانستان.
لكن لماذا يستجيب الشباب بسهولة مخيفة للدعاية الإرهابية ولا يتفاعلون مع حملات نبذ العنف والكراهية؟ فبعض المواطنين في مناطق نائية على أطراف الحدود التونسية، من الذين لا يملكون إلا هاتفا ذكيا أو حاسوبا قديما قادرون على الانتصار على حكومات بأكملها وأجهزة أمنية ومخابراتية.
عدم معالجة المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى تداعيات جائحة كورونا النفسية سيدعم صناعة الإرهابيين وتصديرهم. وإذا لم يتم ذلك فستنقلب المراكب المتوجهة لتصدير الإرهابيين إلى شمال المتوسط، نحو توطينهم في جنوبه.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
كل ما يحصل اليوم على مستوى توجيه أصابع الاتهام إلى خفايا السوق الموازية والتطبيقات الإلكترونيّة، لا يعكس سوى تهرّب حاكم مصرف لبنان من مسؤوليّته تجاه الأزمة وفوضى أسعار الصرف.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني