fbpx

هل فرنسا لديها مشكلة مع الإسلام؟

أشيد بتعلق الفرنسيين بحرية التعبير، لكني أُشكك في حقيقة أنهم ملتزمون بها أكثر من بقية البشر.

بوصفي واحداً ممن تحولوا إلى الإسلام وتربوا في فرنسا، لم أكن قط “ليناً” تجاه أي نوع من التطرف. في يونيو/حزيران 2015، استيقظت على أنباء تفيد بأن صورة لي ظهرت في مجلة دار الإسلام الفرنسية التي يصدرها تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش). فماذا كان السبب وراء هذا الاهتمام غير المرحب به، الذي أدى إلى وضعي تحت حماية الشرطة وأرسلني إلى المنفى في نهاية المطاف؟ 

في أعقاب الهجمات المروعة على مجلة تشارلي إبدو، جمعت مجموعة من الإخوة المسلمين لإطلاق مؤسسة فكرية إصلاحية في إطار جهود ترمي إلى عدم السماح للوحوش الذين كانوا وراء هذه المذبحة بأن “يمثلوا” الإسلام. أشرنا إلى قيود المركزية العربية للإسلام: وهي التكلفة الناتجة عن التأثير غير المتناسب الذي تحظى به بعضٌ من أكثر الأنظمة القمعية حول العالم في تحديد التعاليم الإسلامية في يومٍ وعصرٍ أغلب المسلمين فيه ليسوا من العرب. وشككنا في مدى كفاية الفكرة التي تفيد بأننا، بوصفنا مسلمين، ننأى بأنفسنا عن مرتكبي هذه الأعمال الوحشية ونصرح علناً بأن “هذا لا علاقة له بالإسلام”. (وتساءلنا: “هل يمكننا أن نتفق على أن الحملات الصليبية “لا علاقة لها” بالمسيحية؟”)، وطالبنا بتجديد الفكر الإسلامي وبدفعةٍ جديدةٍ نحو إعادة تفسير النصوص الدينية.

في أعقاب الاغتيال الوحشي الذي تعرض له مدرس ثانوي فرنسي بعد أن استخدم رسوماً عُدَّت مسيئة من جانب مسلمين؛ من أجل شرح درس حول حرية التعبير، استجمعتُ قواي استعداداً للموجة المألوفة من الخطاب المعادي للإسلام التي كانت ستترتب على ذلك بلا أدنى شك. وما لم أتوقعه كان رد فعل السلطات الفرنسية. بعد إغلاق مسجدٍ بدلاً من استبدال القائمين عليه (لاتهامهم بالتعامل مع ولي أمر قاد حملة تشهير ضد المدرس)، مما أدى فعلياً إلى إخراج مئات المسلمين من كبار السن إلى الشوارع، الذين يعد المسجد بالنسبة لهم شبه ناد اجتماعي وشبه دار مسنين، وأعلن وزير الداخلية الفرنسي في أعقاب ذلك حل التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في فرنسا. 

هذه ليست مشكلة دينية، وإنما مشكلة سياسية وثقافية. وما دامت السلطات الفرنسية اختارت تجاهلها، فإنها ستواصل إقصاء شرائح واسعة من السكان الفرنسيين المسلمين وستُعجل بانهيار الهيكل السياسي الفرنسي.

تعد ردود الفعل السريعة غير المحسوبة هذه جزءاً من نموذج يزعم أنه يقضي على الإرهاب الإسلامي، وبدلاً من ذلك يسيء إلى مسلمين كثر وينفرهم. قبل أسابيع من الهجوم، أعلن الرئيس ماكرون عن خطة لمواجهة “الانعزالية”، وهي محاولة خرقاء؛ كي لا يبدو أنه يخص بالذكر ديانة محددة، ولم تنطل على أحد. وفي حين أن بعضاً من الغضب الدولي، الذي أثاره حديث ماكرون في أعقاب الهجوم، الذي وصف فيه الاستاذ المغدور بأنه “بطل”، صنعه بحرص القادة المسلمون الذين يتوقون إلى إحراز نقاط سياسية رخيصة، تواصل فرنسا منح ذريعة إلى هؤلاء الذين يقولون إن فرنسا لديها مشكلة مع الإسلام.

أولاً، يبدو الفرنسيون غافلين عن الحقيقة التي تشير إلى أن بلادهم صارت واحدة من البلاد القليلة حول العالم، حيث يُنظر إلى الرسوم الكاريكاتيرية التي يعدها المسلمون معادية للإسلام، على أنها أمر مبرر ومساوٍ لحرية التعبير عن الرأي. إذ إن غالبية الإسرائيليين، والأمريكيين، والألمان، ومواطني جنوب إفريقيا، الكولومبيين والكوريين، قد لا يتفقون مع هذا الرأي. أشيد بتعلق الفرنسيين بحرية التعبير، لكني أُشكك في حقيقة أنهم ملتزمون بها أكثر من بقية البشر.

ثانياً، يبدو أن الفرنسيين جاهلون تماماً بطبيعة العلمانية الفرنسية شديدة الخصوصية المناهضة للإكليروسية (معارضة السلطة الدينية الكنسية) والمناهضة للدين عموماً التي تمتد جذورها عبر التاريخ والتي انصب تركيزها لعهد طويل على الكنيسة الكاثوليكية، لكن أغلب اهتمامها تحول الآن إلى الإسلام. ولهذا فقد شعر الفرنسيون بالفزع من حقيقة أن غالبية المسلمين الفرنسيين يعدون أنفسهم مسلمين قبل أن يكونوا فرنسيين وأنهم يعزون ذلك إلى تعارض خاص بين الإسلام والعلمانية. لكنك إذا سألت معظم الناس في الفيلبين أو البرازيل أو بولندا هذا السؤال سيردون عليك بنفس الإجابة. لا يعني هذا أن المسلمين الفرنسيين لديهم مشكلة مع العلمانية. بل يعني أنهم يأخذون الدين والإيمان بجدية في بلدٍ يُعد الإيمان بالله فيه بمثابة إيمانٍ ببابا نويل. بالنسبة للمتدينين، بغض النظر عن مذهبهم، فإن شريعة الله تعلو فوق شريعة البشر. ولا يعني هذا مجدداً أنهم لا يلتزمون بالقوانين التي يضعها البشر أو أنهم يتوقون سراً للحكم الثيوقراطي. بل يعني أن رحلتهم الروحانية الباطنية تأتي فوق أيّ اعتبار.

ثالثاً، يبدو أن الفرنسيين غير قادرين ببساطة على فهم قساوة زعمهم أن الجمهورية الفرنسية هي دولة لا دينية ولا عرقية (لا تراعي الدين أو العرق)، في حين أن معظم المسلمين الفرنسيين هم أبناء وبنات أشخاصٍ ينحدرون من دولٍ كانت مستعمرة سابقاً وما زالوا يعاملون بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية، وفي حين أن المسلمين الفرنسيين يتقاضون في المتوسط أجوراً أقل بكثير من باقي المواطنين ويتعرضون بانتظام للتمييز من قبل رجال الشرطة وأرباب العمل ويعيش معظمهم في أحياء سكنية فقيرة محرومة حيث يتلقى أبناؤهم تعليماً ضعيف المستوى. ولا يقتصر هذا الوضع على عصرنا الحاضر فقط.

ما تزال فرنسا ترفض مواجهة ماضيها الاستعماري وما بعد الاستعماري. بالرغم من أنني ارتدتُ مدارس فرنسية في الثمانينيات والتسعينيات، لكنني لم أعرف شيئاً عن مجزرة باريس في عام 1961-التي راح ضحيتها عشرات ما لم يكن مئات المحتجين الجزائريين الذين ضربوا حتى الموت في شوارع باريس أو ماتوا غرقاً في نهر السين- غير أني سافرت للدراسة في الخارج في منتصف التسعينيات. وبعد أن أعلنت هاييتي استقلالها في عام 1804، هددت فرنسا باجتياحها عسكرياً إذا لم تدفع ما يعادل حالياً 21 مليار دولار أميركي نظير “سرقة” العبيد والأرض. واستغرقت هاييتي أكثر من قرن حتى تتمكن أخيراً من تسديد هذا الدين بالكامل، وكان ذلك في عام 1947.

لا يُعد هذا تاريخاً قديماً. 

تُظهر اكتشافات حديثة في مجال علم التَخلُّق الناشئ أن حمضنا النووي يتغير تبعاً لتجاربنا. فنحن نتشكل وفقاً للصدمات التي عايشها أجدادنا وقدراتهم على الصمود وما مروا به على مدار أجيال عديدة. هل يبدو مفاجئاً حقاً أن يرفض المسلمون الفرنسيون المشاركة في مسيرة تدافع عما يطلق عليه الفرنسيون (le vivre-ensemble) أو (العيش معاً) عندما يشعر معظمهم، على نحوٍ يمكن تفهمه، أنهم مستثنون من باقي المجتمع الفرنسي؟ في ذات السياق، يبدو استخدام مصطلح “النزعة الانفصالية” لوصف جهود المسلمين لغرس الثقافة والقيم الإسلامية في نفوس أبنائهم، مُضللاً بوجه خاص، ولا سيما في بلدٍ يرتبط فيه هذا المصطلح بالحركات الاستقلالية الإرهابية.

لدى فرنسا تاريخ طويل من الترحيب بالأجانب. وقد استفدت كثيراً من هذا الأمر كوني أميركياً نمساوياً. ومثلما كتب المؤلف المسرحي البولندي فيتولد غومبروفيتش ذات مرة: “أن تكون فرنسياً فإن هذا يعني بالضبط أن تهتم بأمور أخرى سوى فرنسا”. لكن كثيراً من المسلمين الفرنسيين يشعرون بغربة شديدة في وطنهم. ففي رأيهم، خاصة الشباب منهم، ثمة شيء مهين تماماً ولا منطقي للغاية في المطالبة بإجراء نقاش حول الإسلام وما يدعوه الفرنسيون بـ “قيم الجمهورية” التي لا تمت بصلة لتاريخ فرنسا المظلم في مستعمراتها السابقة، ومنها بلدان كثيرة ذات أغلبية مسلمة، والتي لا تمت بصلة أيضاً للواقع الصعب الذي يعيشه المسلمون الفرنسيون حالياً. هذه ليست مشكلة دينية، وإنما مشكلة سياسية وثقافية. وما دامت السلطات الفرنسية اختارت تجاهلها، فإنها ستواصل إقصاء شرائح واسعة من السكان الفرنسيين المسلمين وستُعجل بانهيار الهيكل السياسي الفرنسي.

  • فيليكس ماركارت هو مؤسس “بلاك إليفانت” (blcklphnt.com) ومؤلف كتاب “الرُحَّل الجدد-The New Nomads” الذي سيصدر في مارس/آذار 2021، عن دار نشر “سايمون وشوستر”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
إن هذه الخدمة قد تُعتبر بمثابة “الملاذ الآمن” لأولئك الذين لا يرغبون في الانضمام إلى الجيش ولا يمكنهم تحمل رسوم الإعفاء التي بلغت في الفترة الأخيرة نحو 8 آلاف دولار.
Play Video
“دار الأوبرا بتقول إنها بتقدم فن رفيع، لكن قتلها للحيوانات بيقول العكس”… ناشرة مصرية تُقاطع نشاطات دار الأوبرا في القاهرة بعد إقدامها على تسميم أكثر من 30 قطة وكلب تحت ذريعة أن وجودها “غير حضاري”.

1:45

Play Video
بدأت والدة إيهاب الوزني اعتصاماً مفتوحاً أمام المحكمة في كربلاء مطالبة بالكشف عن قتلة ابنها، فيما منعتها القوى الأمنية من نصب خيمة اعتصام أمام المحكمة. وقالت الوالدة للقوى الأمنية: “أبو الكاتم صاحبكم وتعرفون من يكون”، في اشارة إلى القيادي في الحشد الشعبي قاسم مصلح الذي اطلق سراحه بعد القاء القبض عليه بتهمة قتل الوزني، لـ”عدم كفاية الأدلة”.

2:17

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني