fbpx

مجلس شورى الدولة يوجّه “صفعة” لعاملات المنازل في لبنان

استجاب مجلس شورى الدولة في لبنان لأصحاب مكاتب استقدام عاملات المنازل في لبنان، فانتصر لمصالح زمرة من المستفيدين على حساب ما كان من شأنه أن يحدّ من ممارسات الاستغلال والاتجار بحقّ أكثر من 250 ألف عاملة منزليّة في البلاد. فكيف حصل ذلك؟

يوم 21 أيلول/سبتمبر 2020، أي بعد أسبوعين من إصدار وزارة العمل في حكومة تصريف الأعمال لعقد عمل موحّد جديد يضمن حمايةً أفضل للعاملات من استعبادٍ لم تنجح في لجمه التصريحات المُندّدة به أو الإصلاحات الطفيفة السابقة، تقدّمت نقابة أصحاب مكاتب استقدام عاملات المنازل بشكوى إلى مجلس شورى الدولة تطالبه فيها بإبطال قرار وزارة العمل باعتماد العقد الجديد، وقرار آخر اتّخذته الوزارة للحدّ من الاستقطاعات التي يحقّ لصاحب العمل احتسابها من راتب العاملة على ألا يتعدّى الاستقطاع نسبة 30% من راتبٍ سيعادل الحدّ الأدنى الأجور. ويُسمح بهذا الاقتطاع عادةً لتأمين تكاليف السكن والغذاء والحاجات الأساسيّة التي غالباً ما تقع على عاتق أصحاب العمل ونفقتهم الخاصّة.

وفي 14 تشرين الأوّل/أكتوبر، جاء الردّ المقتضب لمجلس شورى الدولة لصالح المكاتب بحجّة أنّ القرارَين المذكورَين يُلحقان “أضراراً جسيمة” بالمكاتب. تلك المكاتب نفسها التي تفرض رسوم استقدامٍ باهظة على أصحاب العمل الراغبين بتوظيف عاملة، فيما تشير البحوث إلى أنّ العاملات أيضاً يتكبّدن من بلاد المنشأ تكاليف الاستقدام والسفر إلى لبنان ويدفعنها للمكاتب والوسطاء. وهذا ما بيّنته مثلاً دراسة “أحلام للبيع” التي أصدرتها منظّمة “كفى عنف واستغلال” عام 2014 وكشفت فيها أنّ 69% من عاملات المنازل البنغلادشيّات والنيباليّات المُستقدَمات إلى لبنان إمّا استدنّ المال أو بعن ممتلكاتهنّ لتأمين تكاليف الاستقدام.  

تلك المكاتب نفسها التي اعتادت الاقتطاع من رواتب الأشهر الأولى من عمل المهاجرات، رفضت ما سيحدّ من نسبة اقتطاعات أصحاب العمل من رواتبهنّ وبنوداً جوهريّة أخرى في عقد العمل الجديد، بذريعة أنّ قرارات كهذه تتعارض ومبدأ حرّية التعاقد المكفولة في القانون اللبناني، وتحديداً قانون الموجبات والعقود حاكم العلاقة بين العاملة المهاجرة وصاحب العمل اللّبناني حاليّاً. واللّافت قول نقابة أصحاب مكاتب الاستقدام إنّه “ينبغي أن يكون لدى الطرفين القدرة على البتّ في شروط العقد، بما في ذلك إذا كان ينبغي إلزامهما بالحدّ الأدنى للأجور”؛ وكأن الطرفين منطلقان من أرضيّة قانونيّة ومجتمعيّة تساوي بينهما، أم أنّ للعاملة في وظيفةٍ لا يعترف بها أصلاً قانون العمل اللبنانيّ القدرة التفاوضيّة ذاتها التي يحظى بها مَن استقدمها ووظّفها وقيّدها بشروطه في بلادٍ لا تعرف عنه شيئاً سوى غرف المنزل وجدرانه.

كيف ردّت نقابة أصحاب مكاتب الاستقدام؟

علي الأمين، نقيب أصحاب مكاتب استقدام العاملات في لبنان، كان شرح في مقابلة تلفزيونيّة سابقة أسباب رفض النقابة للعقد المطروح انطلاقاً من بنود تتناول مسألة الرواتب والفسخ، وأُخرى بدا للنقابة وكأنّها “تعطي الحقّ للعاملة في الاعتداء على صاحب العمل أو التحرّش به من دون أي عواقب، لا بل يظلّ ينبغي عليه دفع أجرها وتأمين سفرها إذا رغبت في السفر”، مضيفاً أنّ العقد “مجحف بحقّ أصحاب العمل وأصحاب المكاتب” وأنّه “لا يمكن في العقد إعطاء حريّة الفسخ للعاملة بدون أي تعويض أو أسباب موجبة حقيقيّة”، وأنّ “العقد يحرّض على الفسخ بمزاجيّة معيّنة، وبالتالي، يخسر أصحاب المكاتب وأصحاب العمل ما تكبّدوه لاستقدام العاملة، وهذا ما سنعترض عليه بالأصالة عن أنفسنا وبالنيابة عن الرأي العام”، على حدّ قول الأمين.

وبالفعل، اعترضت النقابة واستجاب المجلس لمن نصّبوا أنفسهم فريق دفاعٍ عن جيوب أصحاب العمل -المقصودين بعبارة “الرأي العام”- لا عن حيوات عاملات وحقوقهنّ العمّاليّة الأساسيّة بفسخ علاقة وظيفيّة، ومغادرة البلاد، والحماية من تقييدٍ لطالما فُرض عليهنّ بحجّة الأموال المبذولة لاستقدامهنّ.    

الجهات الحقوقيّة تتّحد ضد قرار مجلس الشورى

ردّاً على هذا التطوّر القانوني غير المسبوق، أصدرت في 30 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020 منظّمتا “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدوليّة” بياناً وصفتا فيه قرار مجلس شورى الدولة، أي أعلى محكمة إداريّة في البلاد، “بالصفعة” لحقوق عاملات المنازل المهاجرات، علماً أنّ القرار لم يأتِ حتّى على ذكر حقوق العاملات، واكتفى بإعلان قبوله وقف تنفيذ القرارَين بذريعة أنّهما يُلحقان “ضرراً بالغاً” بالمستدعي.

وذكّرت المنظّمتان أنّ الهدف من العقد الموحد الجديد كان “تصحيح اختلال توازن القوى ومنح العاملات ضمانات العمل الممنوحة أصلاً لباقي العمّال والعاملات، مثل أسبوع العمل لمدّة 48 ساعة، ويوم الراحة الأسبوعي، ودفع أجر للعمل الإضافي، ودفع أجر الإجازة المرضية، والإجازة السنوية، واعتماد الحد الأدنى الوطني للأجور… والأهم من ذلك، أن العقد الجديد كان سيسمح للعاملات بإنهاء عقدهنّ دون موافقة صاحب العمل، ممّا يؤدي إلى تفكيك جانب مسيء رئيسي من نظام الكفالة”.

أعلن مجلس شورى الدولة دون أي حرج انتماءه إلى صفّ فئةٍ من المستفيدين

من الاستغلال المنظّم لعمل فئاتٍ أضنتها السطوات الذكوريّة والعنصريّة والطبقيّة

وكانت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وثّقتا الانتهاكات التي ارتكبتها مكاتب الاستقدام التي يتمّ ما يقرب الـ 90% من عمليّات الاستقدام عبرها. ومن أبرز هذه الانتهاكات، الطلب من صاحب العمل دفع رواتب الأشهر القليلة الأولى لهم لا للعاملة، والاعتداء البدني واللفظي على العاملة، وصولاً إلى العمل القسري والاتجار بالبشر.

وأثار بيان المنظّمتين نقطة عدم وضوح سبل الدفاع التي قدّمتها وزارة العمل لدعم قرارَيها “أو ما إذا كانت تخطّط للاستئناف”، ذلك أنّ مسؤولة في وزارة العمل امتنعت عن التعليق على هذا الأمر.

الدولة ضد نفسها

في هذا الإطار، لفت المحامي نزار صاغية، مؤسّس المفكّرة القانونيّة، في قراءة لقرار مجلس شورى الدولة، إلى أن لا إشارة في القرار “إلى موقف وزارة العمل حيال الدعوى”، ممّا يظهر “قصوراً في دفاع الدولة عن نفسها، وبخاصّة في المسائل الحقوقيّة أو العامّة أو المسائل التي لا يكون فيها لأيّ من القوى النافذة مصلحة ذاتية في االدفاع عنها”.

وتابع صاغية، “من هذا المنطلق، تجد أن ممثّلي الدولة غالباً ما يدافعون بزخمٍ عن القرارات التي تخدم مصالح فئويّة وتحوم حولها شبهات فساد… فيما رصدت “المفكّرة” مرّات كثيرة انكفأ فيها هؤلاء عن الدفاع عن قرارات الإدارة العامة بحماية الصالح العام”.

إذاً، أعلن مجلس شورى الدولة دون أي حرج انتماءه إلى صفّ فئةٍ من المستفيدين من الاستغلال المنظّم لعمل فئاتٍ أضنتها السطوات الذكوريّة والعنصريّة والطبقيّة، متناسياً أنّ الحري به نصرة ما من شأنه أن يعزّز حماية أشخاص معرّضين للإساءة والاتجار وتشجيع قرارات رسميّة كانت لتشكّل، بالحدّ الأدنى، انطلاقةً جديدةً في النظرة إلى العمل المنزلي ومعالجته القانونيّة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سمر فيصل – صحافية سعودية
تعرضت سمر بدوي تعرضت لإيذاء نفسي كبير بابلاغها كذباً ان ابنتها الرضيعة واخيها القاصر قد تعرضا لحادث وتوفيا، في محاولة للضغط عليها للاعتراف بأنشطتها مع جهات خارجية وغيرها من التهم التي تسعى الحكومة السعودية لإلصاقها بها زوراً
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني