fbpx

الجمهوريات التي كانت تُعرف بالجمهورية اللبنانية (2): طرابلس

نوفمبر 1, 2020
البائس أن التفاوت الطبقي الهائل في جمهورية طرابلس الإسلامية، وهو ما ينعكس انخفاضاً يومياً في قيمة الدينار الطرابلسي، لا يدفع المرشحين الرئاسيين إلى طرح أي برنامج للإنقاذ الاقتصادي.
  • ينشر موقع “درج” على حلقات كتاباً صدر هذا العام (2050) في نيويورك لكاتبه مارك دبوسي، وهو صحفي أميركي من أصل لبناني عاش في بيروت قرابة عشر سنوات. الكتاب، كما يقول عنوانه، يصف واقع الجمهوريات التي انقسم إليها ما كان يُعرف حتى العام 2040 بدولة لبنان. الحلقة الأولى كانت عن جمهورية الجبل المسيحية، هنا الحلقة الثانية. 

حين قمت بزيارتي لجمهورية طرابلس الإسلامية، صدمني مشهد غريب جداً في “ساحة جلّ جلاله – 1” التي هي المدخل الجنوبي للعاصمة. لكنْ لا بد من تذكير القراء بأن جميع أسماء الساحات في طرابلس قد ألغيت وحل محلها اسم موحد ومرقّم هو: ساحة جلّ جلاله. فهناك ساحات جلّ جلاله – 1 و2 و3 وهكذا دواليك إلى أن نصل إلى الرقم 10.

إلا أن المشهد الذي صدمني هو التجمهر حول سيارة كهربائية تقف على ثلاثة دواليب يقودها شاب اسمه نجيب ميقاتي، هو ابن حفيد السياسي القديم الذي كان يحمل الاسم نفسه. ويبدو أن ميقاتي الذي يقود تلك السيارة التي لم أشاهد مثلها إلا في الولايات المتحدة وبريطانيا، طامح لأن يتحول إلى زعيم سياسي مستفيداً من امتلاكه لها بألوانها الحمراء والصفراء والليلكية الحادة. فهي، كما يسمونها في طرابلس، سيارة ناطقة، أي أنها تتحدث وحدها، لكنها فوق ذلك يمكن أن تتحول إلى طائرة هيليكوبتر متى أراد سائقها التحليق عالياً. وقد قال ميقاتي، وهو رجل بالغ الثراء، إنه سيوزع سيارات مشابهة على مئة شخص من سكان طرابلس يختارهم بالقرعة، شرط أن يفوز في الانتخابات النيابية القادمة التي تؤهّله بعد أربع سنوات لخوض الانتخابات الرئاسية.

لكن قصة السيارة لا تقف هنا. فقد علمت أن إدخالها إلى جمهورية طرابلس الإسلامية رافقته احتجاجات شعبية حرّكها بعض رجال الدين، بحجة أنها سيارة تنطق بالكفر، كما أنها، بين وقت وآخر، تغني. وتردد أن كثيرين من الشبان تطوعوا لإحراقها وإبادة الشيطان الذي يسكنها. إلا أن فتوى أحد المشايخ الموصوفين بالتنور أنهت المشكلة، وهي أن يكتب صاحبها على واجهتها الزجاجية، وبالخط العريض، العبارة القرآنية: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين.

هكذا ترافقت لحظة وصولي إلى ساحة جل جلاله – 1، مع الاحتفال بنجاح تجربة الفتوى التي ضمنت تقيد السيارة بالشروط الدينية، وبالتالي الحفاظ عليها وعلى أمل فوز صاحبها في الانتخابات وتوزيعه مئة منها على أبناء المدينة.

يقودنا هذا إلى خريطة الصراع السياسي حيث سنشهد بعد أسبوعين الانتخابات الرئاسية في جمهورية طرابلس. وسوف تدور تلك الانتخابات بين حزب “قل هو الله أحد” الذي يتزعمه رئيس الجمهورية صهيب بن حذيفة بن أبي بكر ومنافسه المستقل محمد محمد محمد، وكان اسمه السابق جود عدرا قبل أن يغيره بما يلبي المنافسة المحتدمة في الورع الديني. وهو بالفعل قطع الطريق على كل مزايدة عليه من خلال اختياره اسماً يتكرر فيه ذكر نبي الإسلام ثلاث مرات.

لكن إلى جانب المزايدات والتسميات الدينية، فإن الانتخابات الرئاسية تبدو فرصة لطرح جميع أحوال جمهورية طرابلس الإسلامية، السياسية منها وغير السياسية.

فالقضية الأولى التي يدور الخلاف حولها عنوانها محدد وواضح: التحرير. ذاك أن الدولة أعلنت نفسها قاعدة “لتحرير إخواتنا من أهل السنة والجماعة في بيروت وصيدا”، وهي لهذا الهدف أنشأت أجهزة إعلامية تبث منها حملة التحريض التي تؤكد أن السلطة في المدينتين المذكورتين في أيدي الكفار. أهم من ذلك أن الوظيفة الأهم لـ”ألوية عمر بن الخطاب” التي تمولها الدولة هي شن حرب عصابات في بيروت وصيدا على أن ينضوي فيها “أبناؤنا المجاهدون” في المدينتين.

والخلاف هنا بين المرشحين الرئاسيين ينحصر في النقطة التالية: فمحمد يدعو الدولة، بشيء من المزايدة، لأن تنخرط مباشرة وبالاسم الصريح في معركة “تحرير المدينتين”، ويقول في واحد من شعارات حملته: “لن يثنينا أحد عن الصلاة في مسجد العمري ببيروت ومسجد الحريري في صيدا”. أمّا الرئيس صهيب فيبدو ملزماً أن يأخذ بعين الاعتبار ما يقضي به.

اتفاق الفجيرة الذي وقع في تلك الإمارة الخليجية عام 2040، وبموجبه انتهت الحرب الأهلية، وهو أن الجمهوريات اللبنانية الناشئة لا يحق لها السعي إلى إطاحة الأوضاع القائمة في جمهوريات أخرى، أو المطالبة بـ”تحريرها” أو “توحيدها”. لهذا يدعو الرئيس صهيب إلى العمل من وراء ستار “ألوية عمر”، معتمداً استراتيجية تجمع بين التنصّل من كل اتّهام له بدعم المطالبين بـ”تحرير” بيروت وصيدا، والتمسّك بما يسميه “الحق التاريخي لأهل السنة والجماعة في المدينتين”.

على أن الوجه الآخر لتلك المشكلة هو العلاقة بين السنة وغير السنة، أي المسيحيين والعلويين، في جمهورية طرابلس الإسلامية. فهؤلاء لا يؤيدون المطالبة بـ”تحرير” المدينتين لأنهم يرون في ذلك مزيداً من إضعافهم حيال الأكثرية السنية. وهم، فوق ذلك، يكرهون “ألوية عمر” ويتهمونها بممارسة التطهير ضدهم، ولا يمكنهم بالتالي أن يؤيدوا قضية تعتبرها تلك “الألوية” قضيتها الأولى. ولئن اتفق السنة والعلويون على أولوية شعار “الوحدة”، غير أن الأولين يقصدون به الوحدة مع جمهورية حمص بينما يقصد به الأخيرون الوحدة مع جمهورية جبال العلويين. والجمهوريتان، كما يعرف الجميع، في حرب طاحنة نتجت عنها حروب متقطعة ومتواصلة في جمهورية طرابلس نفسها بين حي جبل محسن الذي يسكنه العلويون ومنطقة باب التبانه السنية التي تتغلغل “الألوية” في أحيائها.

أما المسيحيون، خصوصاً في منطقة المينا، فلا يكفون عن إبداء التذمر من شملهم بأحكام الشريعة الإسلامية، وإغلاق مطاعمهم التي تقدم الخمور ودكاكينهم التي تبيعها، مع أنها كانت أبرز مداخيل السياحة في جمهورية طرابلس. وما فاقم الخوف والاستياء الطرابلسيين وجود تنظيم متعصب صغير يسمي نفسه “الشعبانيين”، نسبة إلى “عالم دين ومجاهد فاضل هو الشيخ سعيد شعبان، الذي عاش في طرابلس قبل ثلاثة أرباع القرن” كما يقول الحزب الناشىء. فهذا التنظيم لا يكتفي بانتقاد “الألوية” على تقاعسها في تهجير المسيحيين، إذ يطالب أيضاً بـ”تطهير مياه البحر في طرابلس والتي من خلالها تصلنا الآثام والشرور كلها”.

وثمة، إلى ذلك، تنظيم صغير يضم عشرات العلمانيين والليبراليين الذين عادوا إلى طرابلس بعد دراستهم في الغرب ليعيشوا حياة شبه سرية. وفقط قبل أسابيع قليلة، ولإقناع الرأي العام العالمي بأن الرئيس صهيب متسامح دينياً، سُمح لهؤلاء الليبراليين بالتظاهر شرط أن يرفعوا شعاراً واحداً وأن يهتفوه: “حلاوة الرز… حلاوة الرز… حلاوة الرز…”. وحين سألت عن معنى هذا الشعار – الهتاف قيل لي أن حلاوة الرز نوع من الحلويات التي تُشتهر بها طرابلس، والمقصود أن على الطرابلسيين التركيز على أمور حياتهم وتجويد صناعاتهم بدل المسائل الإيديولوجية.

عكار مسألة حياة وموت بالنسبة لطرابلس.

مع هذا، فالعكاريون على ما يبدو في وادٍ آخر.

فهناك تنظيم مسلح (وإن كان لا يظهر سلاحه في العلن) يسمي نفسه “أبناء بني سيفا”.

لكنْ ما إن تُفتح ملفات الانقسامات الداخلية، حتى تظهر “المشكلة العكارية” على نحو ساطع. فعكار هي التي تضم السهل الذي تعتمد على زراعته جمهورية طرابلس، وهي أيضاً منطقتها الحدودية شمالاً، كما أن ساحل عكار يشكل نصف ساحل الجمهورية، فضلاً عن أن سكانها نصف السكان. وهذا ما يجعل التخلي عن عكار مسألة حياة وموت بالنسبة لطرابلس. مع هذا، فالعكاريون على ما يبدو في وادٍ آخر. فهناك تنظيم مسلح (وإن كان لا يظهر سلاحه في العلن) يسمي نفسه “أبناء بني سيفا”، يطالب بالانفصال وإقامة جمهورية إسلامية مستقلة كما يتهم أهل طرابلس باستغلال العكاريين، إن من خلال استثمار السهل أو من خلال مهاجريهم من أصحاب اليد العاملة الرخيصة الذين يقيمون في الضواحي الشمالية للعاصمة. وبنو سيفا عائلة أمراء عكاريين من أصول كردية حكموا عكار وطرابلس معاً في القرنين السادس عشر والسابع عشر. لهذا فاعتماد اسمهم اسماً للتنظيم المسلح لا يخفي رغبة تتجاوز الانفصال عن طرابلس إلى فرض السيطرة عليها. إلا أن التنظيم المذكور شهد مؤخراً انشقاقاً في داخله تزعمته جماعة، كردية الأصول أيضاً، سمت نفسها “بنو مرعب”، وهؤلاء يلحون على الانضمام إلى الدولة الكردية الواقعة في الشمال الشرقي لما كان يُعرف بسوريا. وفي المقابل، ولأن قرية عكار العتيقة كانت عاصمة إمارة بني سيفا، فإن شباناً من قرية فنيدق التي تنافسها على زعامة الجرد العكاري، يسمون أنفسهم “الأبو وجيهيين”، نسبة إلى زعيم محلي من آل البعريني توفي قبل قرابة سبعة عقود. وإلى هؤلاء جميعاً، وكما أشرنا في الفصل السابق، يبقى “أشبال السلطان” من التركمان عنصر تعكير للعلاقات الداخلية، خصوصاً في ظل إلحاحهم على “علاقات مميزة” لجمهوريتهم مع تركيا، وأن تكون طرابلس “قاعدة لمطاردة المشروع التآمري الأرمني في كل مكان”.

أما الضنية، وهي المنطقة الثالثة التي تتشكل منها الجمهورية وتمثل معظم حدودها مع جمهورية البقاع الإسلامية، فتشهد شيئاً من هذا. فقد شكل أفراد من آل الصمد حزباً سموه “فرسان عائشة البشنّاتية”، وهي المرأة الأسطورية التي يقال أنها عاشت في القرن الثالث عشر وكانت تغير على الصليبيين وتتشدد في ولائها للسلطان الظاهر بيبرس. لكن أفراداً من عائلة فتفت، المنافسة لعائلة الصمد، شكلوا في المقابل حزباً أسموه “فرسان المقدم حسن”، وهو شقيق عائشة الذي كان يكره بيبرس ويتعاون مع الصليبيين. وإذا كان الحزب الأول يطالب بالانفصال الفوري عن جمهورية طرابلس الإسلامية وإقامة دولة مستقلة، فالحزب الثاني يصر على بقاء الوحدة مع طرابلس شرط أن تحظى الضنية بالفيدرالية التي تتيح لها “تنمية ثقافتها وتقاليدها الخاصة”، كما يقول كتاب التعاليم الحزبية.  

وهذا لا يعني أن السنّة في مدينة طرابلس نفسها قد توافقوا على بت خلافاتهم سياسياً وعبر الانتخابات. فذوو الأصول السورية الذين تدفقوا على طرابلس قبل أربعين سنة، إبان حكم رئيس كان يسمى بشار الأسد، يعترضون بشدة على المطالبة الرسمية بالصلاة في مسجدي بيروت وصيدا كأولوية، مؤكدين على الصلاة في مسجد خالد بن الوليد في حمص. أما ذوو الأصول الفلسطينية الذين قدموا قبل أكثر من مئة عام، مع قيام دولة إسرائيل، فلا زالوا متمسكين بشعارهم القديم حول الصلاة في المسجد الأقصى بالقدس. وتمتلىء الشوارع المتداخلة التي يقيم فيها أبناء الطرفين ومعهم بعض الطرابلسيين الذين يصفون أنفسهم بأنهم “أصليون”، بصور ومجسمات لا تُحصى لهذه الجوامع.

ويبدو أن الرئيس صهيب في محاولته لإقامة “وحدة وطنية إسلامية” توسّع الالتفاف حوله، وتقلل حظوظ منافسه محمد، ينوي الدعوة إلى تظاهرة “تضم كل الأطياف” لتطهير المدينة من الكتب بإحراق ما تيسر منها وإغلاق الغاليريات القليلة التي لا تزال تعرض أعمالاً فنية، بحجة أنها لا تحترم “قواعد الحشمة”.

وعلى أي حال فالبائس أن التفاوت الطبقي الهائل في جمهورية طرابلس الإسلامية، وهو ما ينعكس انخفاضاً يومياً في قيمة الدينار الطرابلسي، لا يدفع المرشحين الرئاسيين إلى طرح أي برنامج للإنقاذ الاقتصادي. فالحديث عن الاقتصاد يقتصر، حتى إشعار آخر، على “البرنامج” الذي يطرحه للانتخابات البرلمانية المرشح ميقاتي، والذي يدور حول السيارة الكهربائية الملونة والمؤمنة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سمر فيصل – صحافية سعودية
تعرضت سمر بدوي تعرضت لإيذاء نفسي كبير بابلاغها كذباً ان ابنتها الرضيعة واخيها القاصر قد تعرضا لحادث وتوفيا، في محاولة للضغط عليها للاعتراف بأنشطتها مع جهات خارجية وغيرها من التهم التي تسعى الحكومة السعودية لإلصاقها بها زوراً
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني