جريمة نيس والوعي المزدوج المفتوح على الشعبوية

جريمة نيس وما سبقها وما سيتلوها، جرائم ستُستقبل بوعي ممانع محصن تجاه أسئلة التصادم بين منظومتين للقيم، والبحث عن تسويات بينهما...

لا تغير جريمة نيس التي راح ضحيتها ثلاثة أشخاص، من وعي راسخ عندنا، له شقان، إسلامي وثقافي، يتداخلان أحياناً ويتصادمان أحياناً، لكنهما يفرزان ذات النتائج، مظلومية متواصلة وكراهية للغرب.

الأول أي الإسلامي، يبني أسانيده على تصور للدين، يجعله منظومة مطلقة لا تقبل أي تسويات أو تنازل لصالح قيم أخرى، تتعلق بالجمهورية أو العلمانية، دون التمييز، حتى بين الفروع والأصول، والتعامل ما هو قابل للتفاعل مع الشرط التاريخي. ومن هنا، يصبح مسلمي فرنسا كتلة واحدة صلبة مستوية لا يشوبها أي تنوع أو اختلاف، هؤلاء تبعاً لهذا التفكير، جزء من أمة واحدة أفرادها ينتمون إلى أفكار وقيم وسلوك، وتحولات الزمان والمكان لا تغير من هذه العناصر، بل تدفعها إلى حدود الاستنفار للدفاع عن نفسها في مواجهة، التهديدات المتمثلة بالاندماج والبيئات الثقافية الجديدة.

أما الشق الثاني، فيتعلق، بخلطة ثقافية متناقضة تجمع بين معاداة الاستشراق وتبني نظريات يسارية قديمة ضدية تجاه الغرب، تضم في متنها تكراراً عن مظلومية المركز والأطراف، وهيمنة الحداثة وابتلاع الثقافات الفرعية، وفرض الثقافة المنتصرة على الشعوب الضعيفة، والنتيجة، تثبيت فرنسا في حقبة الكولونيالية، وسط اجتزاءات حيال الأخيرة، تجعلها فقط قتلاً للشعوب المستعمرة وقمعها ونهبها ومنعها من التكون كدول. والحال فإن كل عنصر من عناصر هذه الخلطة، منزوع من سياقه، ومُسقطٌ على ظروف غير ظروفه، ويجري زجه في شبكة علائقية أجزائها متناقضة، تفرز ذات النتائج مهما تغيرت البيئة التي يتم العمل عليها مكاناً للتحليل. وعليه فإن المسلمين، تبعاً للخلطة تلك، يمكن استبدالهم بأي شعب آخر، ينطبق عليها شروط الضحية التي تواجه الحداثة الغربية وهيمنتها.

فإيران وأعداؤها و”حزب الله” وأعداؤه، وتركيا وأعداؤها، وأنصار الثورة السورية وأعداؤهم، والإسلام السياسي وأعداؤه، الجميع توحدوا على موقف متشابه، مع تفاوت في حدة الخطاب وهوية المستهدف منه.

وإن كان ما هو إسلامي، يبعد المسلمين في فرنسا عن موقعهم الحقيقي، كمواطنين في دولة علمانية، يصنعون تسويات بين ما يؤمنون وبين القوانين الناظمة لدولتهم، فإن ما هو ثقافي، يبعد فرنسا نفسها عن موقعها بوصفها دولة مسؤولة عن مواطنيها، ومعنية بطرح أسئلة، حول المهاجرين وقسوة التعامل الأمني معهم، وتطوير أدوات الاندماج. بمعنى، أن الجزء الثقافي من الوعي السابق، ينظر إلى فرنسا كمعادية للمسلمين بسبب طبيعتها “الكولونيالية” و”الاستعمارية”، ولا ينظر إليها كدولة لها مشاكل مع المسلمين، بسبب تصادم هوياتي، وأخطاء في السياسات المتبعة.

والتراوح بين شقي الوعي هذا، تبدى بشكل واضح في التعامل مع المسار الذي سبق جريمة نيس، وتداخله مع مسائل تتعلق بقيم الجمهورية الفرنسية، وقضية الرسوم، وقطع رأس المدرس الذي عرضها أمام تلاميذ. إدانة جريمة قتل المدرس، جاءت مشوبة بنقد تعامل فرنسا مع المسلمين، و”قمعها” و”اضطهادها” لهم، وكذلك بنقد تاريخها الاستعماري والعنف الذي مارسته في الماضي. وحرية التعبير جرى ضبطها بعدم الإساءة، وكذلك بنقد ثقافي يشكك في الحداثة وقيمها، والعلمانية الفرنسية صنفت معادية لمسلمين، وكذلك قسرية ونمطية ولا تراعي الحساسيات، بمعنى آخر، كل مسألة أو جزئية تمت معالجتها تبعاً لشقي الوعي السابق.

ولعل توحد الأعداء والمتحاربين ضد بعضهم البعض، في منطقتنا، على موقف واحد من مسألة الرسوم والإساءة والنظرة لفرنسا، يبين سيولة هذا الوعي، وقدرته على امتصاص أي ظاهرة، وإعادة إفرازها بشكل شعبوي مفتوح على التوظيف السياسي. فإيران وأعداؤها و”حزب الله” وأعداؤه، وتركيا وأعداؤها، وأنصار الثورة السورية وأعداؤهم، والإسلام السياسي وأعداؤه، الجميع توحدوا على موقف متشابه، مع تفاوت في حدة الخطاب وهوية المستهدف منه.

جريمة نيس وما سبقها وما سيتلوها، جرائم ستُستقبل بوعي ممانع محصن تجاه أسئلة التصادم بين منظومتين للقيم، والبحث عن تسويات بينهما، وعي يدين بشروط، وبحجة وضع الجرائم في سياق، يأخذ الجدل إلى مكان آخر، مختصراً فرنسا بسلبيات كولونياليتها، ومنتزعاً مسلميها من بيئتهم. والخطير أن هذا الوعي الذي يتجاهل أصل المشكلة، وينقلها إلى “الخصم”، يتلاقى مع آخر فرنسي لا يقل عنه سوء في أدوات الفهم مع اختلاف البناء والخلفيات، ذاك أن اليمين المتطرف سيجد في جريمة نيس فرصة ذهبية لتصعيد الشعبوية واختراع أوهام حيال المسلمين، خصوصاً أن الذبح حصل قرب كنيسة خلال الجريمة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
يتربع رجل الأعمال العراقي نزار حنا نصري على عرش إمبراطورية تشمل الأدوية وواردات الخمور وبعض المنشآت العقارية الأكثر إثارة في أربيل. لكن نجاحه كان مبنيًا على أساس مبهم وأقل وضوح: تجارة عالمية في سجائر السوق السوداء.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني