fbpx

تونس: “النهضة” ورغبة جامحة في السيطرة على الإعلام

انخرطت قنوات "النهضة" ووسائل الإعلام التي تدور في فلكها، في الترويج لحملة مقاطعة البضائع الفرنسية على مواقع التواصل الاجتماعي... من يملك مؤسسات الإعلام التونسية؟

ليس خافياً أن “حركة النهضة” الإخوانية تمتلكُ حزاماً إعلاميّاً جليَّ المعالم يساندها في كل معاركها ضد خصومها، ويكون غالباً بوقاً في محطاتها الانتخابية لها ولشركائها، أو ما يسمى اليوم، “الترويكا” الداعمة لحكومة هشام المشيشي والتي تضم “حركة النهضة” و”حزب قلب تونس” الذي يرأسه نبيل القروي و”ائتلاف الكرامة”، الذراع السياسية لـ”حركة النهضة” في البرلمان.

ولـ”حركة النهضة” حزام إعلامي ممتد الأطراف يضم قنوات تلفزيونية داعمة ومؤيدة لها، مثل “الزيتونة” و”حنبعل” و”الإنسان” و”آم تونيزيا”، إضافة إلى معلّقين سياسيين بارزين مقربين من الحركة في قناتي “الحوار التونسي” و”التاسعة”، وصحف إلكترونيّة، منها مجلّة “ميم” التي تملكها وترأس تحريرها سميّة الغنوشي، ابنة راشد الغنوشي نفسه، وموقع “الشاهد” المقرب من الحركة.

وبرزت “النهضة” راهناً بانخراط إعلامها في الترويج والحشد لحملة مقاطعة البضائع الفرنسية، رداً على تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي انتقد فيها الإسلام السياسي بعد جريمة ذبح المدرّس الفرنسي صامويل باتي على يد شاب متطرف.

انخرطت قنوات “النهضة” ووسائل الإعلام التي تدور في فلكها، في الترويج للحملة عبر أخبار المقاطعة وشعاراتها على مواقع التواصل الاجتماعي، ولعبت قناتا “الإنسان” وام تونيزيا” دوراً مهماً في هذا المجال. 

“ائتلاف الكرامة” وهو ذراع “حركة النهضة” في البرلمان، ساهم في التجييش على مواقع التواصل الاجتماعي لمصلحة الحملة عبر بيان اعتبر فيه تصريحات ماكرون معادية للإسلام والمسلمين.

الائتلاف المذكور يعيش حالياً حالة انسجام لا متناهٍ مع الحركة ومؤسس قناة “نسمة” التلفزيونية ورئيس “حزب قلب تونس” نبيل القروي. وباتت هذه القناة تعبّر بشكل واضح عن إرادة ثلاثية مشتركة، بخاصة في ما يتعلق بالسيطرة على قطاع الإعلام والترويج لضرورة إجراء تنقيحات على المرسوم 116، المتعلق بتنظيم حرية الاتصال السمعي البصري في تونس وكيفية تأسيس الإذاعات والقنوات التلفزيونية الخاصة والجمعياتية.

تنقيح المرسوم 116 لمصلحة الإعلام أم خدمة لمصالح اللوبيات السياسية؟

معركة “الائتلاف” مع الصحافيين ومنظمات المجتمع المدني برزت ملامحها أكثر بعد كشف النقاب عن رغبة “الائتلاف” وحلفائه في السيطرة على قطاع الإعلام ومضاعفة حزامهم الإعلامي. وذلك من طريق المبادرة التشريعية مثيرة الجدل التي تقدم بها “ائتلاف الكرامة” لتنقيح المرسوم 116، في أيار/ مايو الماضي والتي لاقت رفض صحافيين وحقوقيين كثر، بعد جلسة عامة للنظر فيها في 14 تشرين الأول/ أكتوبر.

وتتضمن هذه المبادرة، المكونة من ثلاثة فصول، تعديلات على المرسوم 116 الصادر عام 2011، في ما خص تركيبة الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري الحالية (الهايكا) وتجديدها من جهة، وحذف صلاحية إسناد الإجازات (الرخص) لإحداث القنوات التلفزيونية من قبل الهيئة وإقرار مبدأ مجرد “التصريح بالوجود” من جهة ثانية. 

و”الھايكا”، “ھیئة حكومية مستقلة تمارس مھامھا باستقلالية تامة دون تدخل من أي جھة كانت من شأنه التأثير في أعضائھا أو نشاطاتھا”.

النهضة في مواجهة الصحافة

“ائتلاف الكرامة” أو الذراع السياسية لـ”حركة النهضة” في البرلمان، لم يتوانَ في الفترة الأخيرة عن بناء سور حديدي بينه وبين الصحافيين/ات في تونس، بعدما تتالت هجمات نوابه عليهم وأبرزهم رئيس الكتلة البرلمانية للائتلاف سيف الدين المخلوف والنائب عبد اللطيف العلوي. 

“النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين” دعت في بيان هو الأول من نوعه في العاشر من تشرين الأول، الصحافيين ووسائل الإعلام في تونس إلى مقاطعة أنشطة “الائتلاف” وأعضائه وعدم تغطيتها إعلامياً، لعدم المساهمة في نشر خطابات الكراهية والتحريض على العنف اللذين يهددان السلم الاجتماعي وفق نص البيان. كما دعت عموم الصحافيين/ات إلى الوقوف صفاً واحداً في وجه محاولات ضرب حرية التعبير والصحافة والتشريع لمفاهيم العنف والعودة إلى مربع تهديد السلامة الجسدية للصحافيين، لا سيما بعد الهجمة التي شنها “الائتلاف” على الإعلامي حمزة البلومي الذي كان كشف في تقرير تلفزيوني عام 2019، عمليات اتجار بالأطفال واغتصابهم في مدرسة قرآنية في محافظة سيدي بوزيد. علاوة على الهجمة على نقيب الصحافيين السابق ناجي البغوري. والتحريض ضد الصحافيين الذين أعلنوا رفضهم تنقيح المرسوم 116.

رئيس مجلس شورى “حركة النهضة” عبد الكريم الهاروني قال إن الحركة ستصوّت مع تنقيح المرسوم 116 الذي “سيحرر الإعلام” ويجب ألا “نخاف من الحرية لأن الخوف منها نخشى أن يعيدنا للاستبداد”.

 أما رئيس كتلة “ائتلاف الكرامة” وصاحب المبادرة المذكورة، سيف الدين المخلوق ما انفك يؤكد أنه “يسعى لاقتياد الصحافيين إلى الحرية بالسلاسل”. كما أن فتح المجال لإنشاء إذاعات وقنوات تلفزيونية من دون رخصة مسبقة سيقلل من بطالة الصحافيين ويحسن أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.

على رغم مرور 10 سنوات على تحرير الإعلام شكلاً ومصموناً وإن نسبياً،

إلا أن مسألة ملكية وسائل الإعلام والأموال التي تضخ فيها تبقى معضلة كبرى.

التعديلات على المرسوم في حال إقرارها، ستشكّل تهديداً حقيقياً لتنظيم المشهد السمعي البصري في تونس وفق 46 منظمة حقوقية ونقابية في رسالة مفتوحة وجهت لنواب البرلمان. من بينها “الاتحاد العام التونسي للشغل” و”الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان” و”النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين” و”مراسلون بلا حدود”.

ودعت هذه المنظمات نواب الشعب إلى تحمّل مسؤولياتهم أمام الشعب الذي انتخبهم بعدم التصويت على هذه المبادرة المتعارضة مع الدستور والمخالفة للمعاهدات الدولية التي وقّعت عليها الجمهورية التونسية والتسريع بالمصادقة على قانون أساسي لحرية الاتصال السمعي وفقا لمقتضيات دستور 2014.

يرى سياسيون لا يتوافقون في الرأي مع “حركة النهضة” و”الائتلاف” في هذه التعديلات تعارضاً جلياً مع روح الدستور والتزامات الدولة التونسية في مجال حماية حرية التعبير والإعلام. 

المحلل السياسي توفيق العياشي يشير إلى أن “ائتلاف الكرامة يتظاهر بأن هذه التعديلات سوف تعزز الانفتاح في المشهد الإعلامي في تونس وتحفز المزيد من التعددية، بخاصة عبر مضاعفة عدد الإذاعات والقنوات التلفزيونية أي إنشاء مؤسسات إعلامية جديدة من دون تراخيص مسبقة، لكن في الحقيقة الهدف من هذه التعديلات هو استباحة المشهد الإعلامي وتمكين أصحاب النفوذ المالي والسياسي من السيطرة على الإعلام ولفتح المجال أمام التيارات الدينية المتشددة حتى تتمكن من المنابر وتمرر أفكارها وأيديولوجيتها. وذلك عبر استبدال التراخيص المسبقة ونظام الاجازة بمجرد الاعلام بالتأسيس” يقول العياشي لـ”درج”.

العياشي يلفت أيضاً إلى رغبة جامحة في السيطرة على “الهايكا” عبر تغيير نظام انتخاب أعضائها بعدما كانوا يرشحون من منظمات وطنية ونقابات مستقلة، والقذف بها تحت سطوة البرلمان والتجاذبات السياسية، ما سيمحق استقلاليتها، فتصب قراراتها في ما بعد في خانة اللوبيات التي تتحكم فيها وتنتخب أعضاءها.

متى يكشف الستار عن ملكية وسائل الإعلام في تونس؟

على رغم مرور 10 سنوات على تحرير الإعلام شكلاً ومصموناً وإن نسبياً، إلا أن مسألة ملكية وسائل الإعلام والأموال التي تضخ فيها تبقى معضلة كبرى، ولغزاً أكبر لم تُفك رموزه إلى الآن بشكل قانوني وواضح، وذلك في ظل تدخل واضح ومفضوح أحياناً كثيرة، من الأحزاب وأصحاب المال المشبوه في المضامين الإعلامية الخاصة السمعية والبصرية. فهل سيعاضد المجتمع المدني في تونس الصحافيين في معركتهم لاستكمال مسار القوانين المنظمة للمهنة، وتحويل المرسوم 115 الخاص بحرية التعبير والصحافة والطباعة والنشر و116 الخاص بتنظيم الاتصال السمعي البصري، إلى قوانين نافذة بعيدة من تدخل المال الفاسد والسياسي المشبوه؟ 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سنار حسن – صحافية عراقية
“حاول أحد الزبائن أن يتحرش بي وعندما رفضت وطردته كان صاحب العمل يلومني على خسارة الزبائن، حتى إنه بدأ بتخفيض المرتب إلى أن حاول التحرش بي بشكل مباشر وعندما رفضت، طردني”.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني