fbpx

الموسيقيون اللبنانيون ونتاجاتهم بين جائحتين… إلى أين؟

لم ينفع تعليم مهارات العزف على الآلات الموسيقية من بُعد كما غيره من العلوم، فلا الصوت يصل نقياً في وقته وإيقاعه الصحيحين، ولا الصورة المنقولة تؤكد الواقع وتجعله واضحاً، ولا حتى التفاعل الكلامي يؤتي ثماره.

يعيش الموسيقيون اللبنانيون في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ بلدهم حالة من القلق وانعدام الثقة بالمستقبل، كما غيرهم من اللبنانيين. فهذه الشريحة المِهنية التي شكّلت ولوقت سابق وطويل نسبياً ديناميكية مُتميّزة في المشهد الثقافي اللبناني، باتت ترزح الآن تحت عبءِ جائحتين: “كوفيد-19” من جهة، ومن جهة أخرى “جائحة” الكارثة الاقتصادية والسياسية وما تلاها من انهيارات مالية، بُلِيَت بها البلاد والعباد من جراء سياسات سلطة فاسدة ما انفكَّت تحْكُم وتتسلَّط، على غم كل ما حصل بدءاً من انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر وحتى الآن. 

وإذا كان ثمة تفاؤل مُبرَّر في انحسارٍ أكيد وقريب زمنياً لـ”كورونا”، إلّا أنَّ هذا التفاؤل لا ينسحب مطلقاً على “الجائحة” الثانية، التي تطوّقها حالة من الإحباط وقدر كبير من التشاؤم.

وإذْ نتحدث عن الإنتاج الموسيقي في لبنان، فلا شك في أنّ المقصود هو كل الأنشطة والممارسات الفنية/ الثقافية المُرتبطة بهذه العملية. فليست فعاليات العروض الموسيقية الثابتة أو الموسمية على أنواعها هي الوحيدة المقصودة بهذا الإنتاج، بل ثمة أنواع أخرى أساسية وإن كانت غير مرئية بوضوح للجمهور، من أهمها التعليم الموسيقي وما حوله من مؤسسات رسمية وخاصة وحتى أفراد.

ومن أشكال هذا الإنتاج أيضاً التأليف والتوزيع الموسيقي والتلحين، الذي تتكوكب حوله مجموعة من الموسيقيين المُحترفين وغير المحترفين، إضافة إلى العاملين في قطاع التجهيز والتسجيل الصوتي وإدارة المسارح. ومن دون أن ننسى فئة تجّار الآلات الموسيقية ومُلحقاتها.

سندان الجائحة الاُولى

يستمر تأثير “كوفيد- 19” بشكل عميق على النتاجات الموسيقية في كل بقاع العالم، ولبنان ضمناً. فالعروض الموسيقية الثابتة والموسمية على السواء أُجِّلت في بادئ الأمر ليُعلَن بعد حين عن إلغائها كُلياً بعد تفشّي الفايروس بشكل واسع، وفرض نظام حجْر صحي وسياسة تباعد اجتماعي صارمين.

كما ألغت مؤسسات التعليم الموسيقي حضور طلابها إلى صروحها، وحصرت الدروس بالتعلّم من بُعد عبر الانترنت.

والتعليم الموسيقي من بُعد هو أبْعَدُ وسيلة من صحة هذا التعليم وسلامته، خصوصاً في مجالات العزف على الآلات الموسيقية. وإنْ كانت نُظُم تلقي العلم في مستوياته الجامعية من بُعد عبْر الإنترنت قد بدأت في بلدان كثيرة، قبل انتشار الوباء، إلا أن نطاقها غالباً ما كان محصوراً باختصاصات العلوم الإنسانية النظرية واللغات، ونادراً ما كانت متوافرة لاختصاصات علمية يغلب فيها الطابع التطبيقي.

 العروض الموسيقية الثابتة والموسمية على السواء أُجِّلت في بادئ الأمر،

ليُعلَن بعد حين عن إلغائها كُلياً بعد تفشّي الفايروس بشكل واسع.

ومع ذلك تمكن ملاحظة بعض المحاولات لإدراج التعلُّم من بعد في العالم لمعاهد موسيقية مغمورة يغلب عليها الطابع التجاري. أمّا تعليم مهارات العزف على الآلات الموسيقية من بُعد، فانبرى أفراد موسيقيون مستقلون للترويج له سعياً للتكسُّب المادي السهل، وبحثاً عن فرصة عمل لهم في السوق عبر الانترنت. الجدير ذكْره أن هذه الدروس من بُعد تحديداً، كانت غالباً غير موثوقة النتائج لأسباب تتعلق بقدرة تقنيات البث والاستقبال الرقمي للصوت والصورة، ولكن قبْل مرحلة “كوفيد-19″، لم تكن هذه المسألة في العالم مدار جدل إطلاقاً لِكَوْن فرصة اكتساب مهارات العزف متوفرة في المعاهد الموسيقية والجامعات.

ولكن فرض التباعد الاجتماعي ووضع الكِمامة إضافة إلى الحجر الصحي الإلزامي على المدن والقرى، دفعت المؤسسات التربوية/ التعليمية في مراحلها كافة، إلى التحول إلى طريقة التعليم الرقمي عبر تطبيقات أنشئت أساساً لمحادثات التواصل الاجتماعي، وعليْهِ افتُتِح جدل ونقاش في العالم حول مدى فعاليتها وقدرتها على تقديم معرفة تربوية سليمة للمُتعلِّم.

في بلد مثل لبنان، حيث يدفع المواطن أغلى فاتورة انترنت في الوقت الذي يحصل على أسوئها، يبدو التعليم الرقمي وعبر تطبيقات الانترنت مُتعثّراً إلى أقصى الحدود خصوصاً في مجال التعليم الموسيقي. فالتجربة التي عشناها السنة الماضية تُفيد بأن هذه الوسيلة التعليمية، وإن كانت أمراً لا مفرَّ منه إلّا أن خُلاصتها الوحيدة هي في عدم جدِّيتها وانتفاء جدواها على مستوياتها كافة وبمعظم موادها، في حين قد ينجو من هذه المواد القليل كمحاضرات تاريخ الفن.

أمّا في موضوع اكتساب مهارات العزف على الآلات الموسيقية فهُنا تكمن المُصيبة. فلا الصوت يصل نقياً في وقته وإيقاعه الصحيحين، ولا الصورة المنقولة تؤكد الواقع وتجعله واضحاً، ولا حتى التفاعل الكلامي يؤتي ثماره. فما أن تبدأ حصة التعليم بين الطرفين حتى يبدأ سوء الفهم ليتحول سريعاً إلى مشهدية مُضحِكة ومُبكية من حوار الطُرشان.

هي على الأرجح مشكلة عالمية أيضاً، على رغم أن دولاً عربية كثيرة تمتلك شبكات سريعة للانترنت ومع ذلك فالتعليم الموسيقي “أونلاين”، يحتاج حُكْماً وبالضرورة إلى تجهيزات إضافية مساعِدة للبث والاستقبال، باهظة الثمن لا يملكها إلا أفراد أثرياء أو مؤسسات إعلامية كبيرة.

لا أعتقد أن معاناتنا في موضوع التعلّم من بُعد ستطول أكثر من سنة على أبعد تقدير، إذ يحلو لي ان أثق بأن “كوفيد- 19” سيضعف تأثيره ويختفي مع الوقت كجائحة تهدد البشرية. وعليه سيعود الموسيقيون في العالم عاجلاً أم آجلاً لممارسة نشاطاتهم بأشكالها السابقة.

مطرقة الجائحة الثانية

ولكن هل بمقدور الموسيقيين اللبنانيين وكل العاملين في فلك هذا القطاع، وأنا واحدٌ منهم، أن يستعيدوا حياتهم السابقة ويعودوا إلى سابق عهدهم في ممارسة نشاطاتهم الفنيّة في ظل “جائحة” الانهيار الاقتصادي والمالي وإفلاس الدولة على كل صعيد؟ الجواب يكاد يكون غامضاً ومُرّاً.

 فقد أرخت الأزمة الاقتصادية، وتحديداً انهيار العملة الوطنية وتهاوي النظام المصرفي، بثقلها على الأسر اللبنانية ودفعتها إلى إعادة جدولة ميزانية مصاريفها المالية. ومن البداهة أن تخسر الثقافة عموماً والموسيقى خصوصاً جزءاً كبيراً من ميزانيات هذه الأسر التي درجت، منذ ما يقارب 25 عاماً، على تزويد أبنائها وبناتها بثقافة موسيقية غير احترافية إلى جانب التعليم الأساسي أو الجامعي. هذه الأسَر، وبغالبيتها تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، سكنت المدن وضواحيها وتأثرث بالقليل من الحداثة والكثير من الأحلام التي وفَّرتها لها الحياة المدينيّة. ومع مرور وقت قليل على انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية أصبح بإمكان هذه الطبقة المتوسطة شراء الآلات الموسيقية ودفع تكاليف مالية للشروع باكتساب مهارات العزف الموسيقي. عدد من أولاد هذه الطبقة المتوسطة امتهنوا الموسيقى لاحقاً، فأصبحوا عازفين أو معلمي موسيقى. جزء آخر منهم سافر إلى الخارج ليكمل دراسته الموسيقية وعاد أيضاً ليعمل في المجال ذاته. وللبعض منهم مهنتان ولكن الأكثرية تعتاش من عملها في المجال الموسيقي، حتى أن عائلات بأجيالها الثلاثة تعمل في هذه المهنة وتتوارثها.

موسيقي يعزف على شرفة في باريس في فترة الحجر الصحي.

كُلُّ هذا شكّل علامة إيجابية ومتقدمة في المجتمع اللبناني ومؤشراً نحو حداثة جزئية. ولكن الآن وفي عز الانهيار الاقتصادي نشهد على انهيار متسارع الوتيرة لهذه الطبقة المتوسطة التي لطالما شكلت ركيزةً ورافعةً للإنتاج الموسيقي فيه مع بداية التسعينات من القرن الماضي.

بتقديري إن المستقبل القريب في لبنان يؤشر إلى أنَّ أبناء الأسر البرجوازية هم الذين سيكونون قادرين على الحصول على التعليم الموسيقي نظراً إلى ارتفاع كلفة شراء الآلات الموسيقية وكلفة التعليم الموسيقي الخاص. ولن يكون أمام أبناء الطبقة المتوسطة التي تتهاوى نزولاً بفعل ضغط الازمة إلّا أن يصرفوا النظر عن أيِّ توجهات فنية موسيقية في المستقبل.

وعلى ضفافهم ايضاً، لن يستطيع العاملون في المجال الموسيقي رفع مستوى أجورهم لأن العروض ستَنْدر، أمّا الطلب على العمل فسيكون كبيراً، وعليه فالمنافسة ستكون طاحنة ومؤذية للأكثرية. ولكن الظاهرة الأخطر برأيي هي أن عملية الاستدامة في بناء الجهاز البشري لمهنة الموسيقى في لبنان وتطويره، ستتعرض لانتكاسات قوية وبالتالي ستنْحَسِر ويتراجع نُموّها البطيء أصلاً، لأن حاجة المجتمع إليها والإقبال عليها سيتغيران سلباً.

هذا الجهاز البشري الذي يتكوَّن من عازفين مهرة ومؤلفين ومُوَجِّهين للاوركسترا ومُدرِّسين للنظريات الموسيقية وخبراء في الصوت والتكنولوجيا الصوتية، إضافة إلى نقاباتهم ورابطاتهم التعليمية وحتى جمهورهم، كل هؤلاء سيكونون مِثْل غيرهم من اللبنانيين عِرضة للابتزاز والتهميش والبطالة.

سؤال المصير… إلى أين؟

إلى أين من هنا؟ أخشى أن نكون متجهين إلى الانهيار التام لمشروع ثقافي كبير يشكل ضرورة حيوية لبناء الإنسان والمجتمع ولِتمْتين أواصر التعاطف والابداع والتفكير الحُر. كما أخشى اضمحلالاً في نتاجات الموسيقى الجيدة والسماع اللطيف لمُتعة العقول والنفوس يقابله ازدياد في نمو الفطريات السامة على حوافي المشهد الفني الموسيقي.

هل من مَخْرَج…؟ ليس على حد علمي! 

فالوجه الأساسي للأزمة الطاحنة ليس ثقافياً أو فنياً، بل اقتصادياً وسياسياً بامتياز. لذا قد تكون الحاجة الآن مُلحة إلى الكثير من التقشف والتواضع في التخطيط، وإلى إعادة البرمجة والهيكلة في كل شيء. كما تبرز الحاجة بقوة إلى النقاش الصريح والشفاف بين مكونات هذه الشريحة المهنية وبين المسؤولين عن مؤسساتهم التي ينتمون اليها، أكاديمية كانت أم نقابية، رسمية أم خاصة.

ربما رسمتُ صورة مُغْرِقة في التشاؤم عن الواقع. ذلك أنّ التشاؤم في بلد مثل لبنان يظلُّ أكثرَ واقعيةً وتحفيزاً للعقل على التفكير والتوَقُّع، فيما يُشكّلُ الاستغراق في التفاؤل وهماً خالصاً وضرراً مُتعَمَّداً، خصوصاً عندما يكون صاحبه شخصاً مسؤولاً يرفض سماع الانتقاد وتوصيف المشكلة ويطالب الآخرين بالإيجابية، هرباً إلى الأمام ورفضاً للاعتراف بالواقع المرير، مُصوِّراً نفسه على مِثال البطل “الإيجابي” في الأفلام الهوليوودية حيث ينتصر الأخيار دائماً على الأشرار، مُختتِماً المشهد بِوَجهٍ مُتبَرِّجٍ بالعَرق تتوسطه ابتسامة المنتصر وقُبلة شَبِقة يطبعها على فم الحبيبة الفاتنة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سمر فيصل – صحافية سعودية
تعرضت سمر بدوي تعرضت لإيذاء نفسي كبير بابلاغها كذباً ان ابنتها الرضيعة واخيها القاصر قد تعرضا لحادث وتوفيا، في محاولة للضغط عليها للاعتراف بأنشطتها مع جهات خارجية وغيرها من التهم التي تسعى الحكومة السعودية لإلصاقها بها زوراً
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني