fbpx

هل فكّرت نينا عبد الملك بمَن سيدافع عنها لو ظُلِمت؟

النسويّات اللّواتي اعتدن أن تُكال لهنّ أشنع الأوصاف وأتفه النكات هنّ اللواتي سيدافعن عن نينا حين يقع الظلم عليها ولا يساندها لا المجتمع ولا القضاء، أو حين تصطدم بصدأ المحاكم المدنيّة والدينيّة وإجحافها.

لا داعي لمشاهدة فيديو المغنية نينا عبد الملك وزوجها حسّان الشيخ الذي خصّصاه لتهشيم مفاهيم “النسويّة” لاستيعاب المعضلة القديمة الجديدة التي تحيط بالصراع الأزلي لرفع الظلم عن النساء. 

يكفي الاطّلاع على التعليقات المستنفرة والهازئة لفهم أنّنا أمام مسابقة “تحدّى النسويّات بأقوى كليشيه ممكن” لـنجوى كرم أخرى، و”ميليسا” أخرى، ونادين نجيم أخرى، ولكن مع فارق جوهري هذه المرّة. فالمتسابقة لم تكن وحدها، رأينا الزوج، أي رأس العائلة المُكلَّف بإدارة المنظومة الأبويّة الى جانبها.

رأينا الزوج هادئاً وهانئاً. وفي حالةٍ نادرة من نوعها، رأيناه قليلَ الكلام، لا يقاطع ولا يسترسل ولا ينبري لشرح ما تقصده المتحدّثة أو أخذ الكلام إلى حيث ما يريد. رأيناه سعيداً بما يسمع، راضياً عن أداء الزوجة المثاليّة الذي صبّ كلامها في مصلحته وخدم موقعه، ولذلك أصلاً “تزوّجتِك”. قالها بكلّ صراحة.  

تعاملت نينا مع كلمة نسويّة بوصفها تهمة، مكرّرةً رفضها ومعاداتها للنسويّة، وبأنها “أنثى” ترذل بشكل حاسم أي دعوة للمساواة بين الرجل والمرأة، مستندةً إلى تفسير دأب الملتزمون دينياً على اعتماده بالقول إنّ الله لو أراد المساواة بين الجنسين لما مايز بينهما، وأكملت نينا نظريّاتها بشأن الدور الرئيسي الذي يجب أن تؤدّيه المرأة، ألا وهو الإنجاب.

لكن لماذا علينا أن نناقش ما قالته المغنية نينا،

وهل يستحق كل خطاب معادٍ للنسويّة الجدل والردّ؟

ظاهرة النساء المعاديات للتغيير والمدافعات عن الرؤية الأحاديّة والتقليديّة للحياة ليست بجديدة، وتتكرّر بين الفينة والأخرى والمعركة والأخرى لإعادة تثبيت المواقع وتسويغها للتمكّن من الاستمرار في التعايش معها، لا سيّما وأنّ تغييرها شديد التعقيد وباهظ الكلفة ويعني أنّ الحياة، كما نعرفها، تتهاوى. حتّى الرئيس دونالد ترامب استحضر هذه الرؤية حين خاطب “زوجات الضواحي” منذ أشهر قليلة لتحذيرهنّ من الخطر الذي تشكّله سياسات خصمه جو بايدن على رفاهيتهنّ ومساحات منازلهنّ. 

بالفعل، بإمكان هذه الرؤية توفير شيء من الراحة أو الطمأنينة وتحرير المرء من عناء التفكير والتفكيك واستكشاف أشكال مختلفة من الحبّ أو عدمه ومحاولة الذهاب دوماً إلى ما هو أبعد. ممارسةٌ غالباً ما تكلّف الكثير من الخسارات والميتات، ولكن أيضاً الانبعاثات التي تنتظر وصول العابرين إلى الضفّة الأخرى. والعابرون هم ببساطة أناس لاحظوا رابطاً بين شموليّة النظرة الأحاديّة وتفشّي الويلات التي يعيشها العالم. 

قد يحملنا الدرك الذي وصلت إليه عناصر المحاججة والتفاهة في معالجة نينا وحسّان للنسويّة إلى تفضيل أسلوب “العمّة ليديا” في مسلسل “The Handmaid’s Tale” في التعامل مع إشكاليّة الأدوار والعلاقات. على الأقلّ كانت ليديا أذكى، وأوضح في دورها الذي كان يحرّكه همٌّ واحد: رصد النساء الخصبات، خطفهنّ، وإقناعهنّ بأنّ المبتغى الأسمى في الحياة هو الإنجاب لضمان التكاثر الذي لن يتحقّق بطبيعة الحال دون استرضاء الرجال (أمّا النسويّة فقلبت معادلة الاسترضاء والموافقة بالكامل!). 

كانت العمّة ليديا مقتنعةً بأنّ ما تفعله ضروري لإنقاذ بشريّةٍ خرّبها التطوّر العلمي والحقوقي وأدّى إلى عقم الزوجات اللّواتي كنّ يمثّلن نخبة النساء- مثل نينا. والمبادِرة الأولى إلى تبنّي هذه الرسالة في المسلسل كانت الزوجة “سيرينا” التي برعت في حياةٍ سابقة ككاتبة وأكاديمية وخطيبة، لكنّها اقتنعت مع الوقت أنّ النسويّة في الحقيقة غرّبتها عن ماهيّتها وتسبّبت لها بالعقم. فهندسَتْ مع زوجها القائد، فريد واترفورد، مخطّطَ جمهوريّة العهد القديم ونظريّات الحتميّة البيولوجيّة التي انكبّا على تعميمها… ثمّ التحق بقاربهما نينا وحسّان، بنسخةٍ تخريبيّة أخفّ، على رغم الفجوة الفكريّة والتأثيريّة الشاسعة بين الفريقَين.  

أرادت الكاتبة الكنديّة، مارغاريت آتوود، إعطاء شكلٍ لهذا الفكر، فكانت مدينة “جلعاد” في كتابها الذي صدر عام 1985 ثمّ تحوّل حديثاً إلى المسلسل الذي أثبت قدرة الكتاب على الحفاظ على راهنيّةٍ ما واستقراء شيء من مستقبلٍ تُقرَع طبولُه. استلهمَتْ آتوود آنذاك قلقَها من تصاعد التزمّت المسيحي في الولايات المتّحدة الأميركيّة والثورة الإسلاميّة في إيران، ولكن أيضاً المحاكمات التي أعدمت المُشتبه بارتكابهنّ السحر عام 1692 في ما عُرف بمحاكمات نساء “سالم”. فما هي المحاكمات التي ألهمت نينا عبد الملك عام 2020 لتقول ما قالت؟ 

هل تراها محاكمات الرجال المتحرّشين المتزايدة في العالم بفضل نضال النسويّات وغضبهنّ الذي تمقته نينا؟ أتكون المحاكمات الاجتماعيّة المتصاعدة ضد ذكوريّين ظنّوا أن الكون لهم وأن لا حياة خارج مؤسّساتٍ مُقفَلة بنوها لمراكمة أرصدتهم؟ أم محاكمات قتلة النساء باسم “اللامساواة” التي تؤمن بها نينا وتروّج لها عبر برنامج يحضره عشرات الآلاف من الأشخاص؟

الرقّة والجمال والمايك اب والفاشن والزهور والفراشات والأغاني والحياة… ليست النسويّات اللواتي سيحرمن نينا من أيّ منها. بل على العكس، سيدافعن عن حقّها بما تشاء في قرارة نفسها. النسويّات، على اختلاف مشاربهنّ وتوجّهاتهنّ، هنّ اللواتي فهمن أن هناك مَن ناضلت لتكتسب نينا حقّاً اعتبرَتْه تحصيلاً حاصلاً، هو حقّها في اختيار ما يروق لها من ملابس وأكسسورات ومظاهر ورجال وأحبّاء، من دينها وغير دينها، من بلدها وغير بلدها، من دون أن يتهدّد أمنها، وفي التعبير عن أنوثة تتعلّق بها، أو تصوغها لنفسها، شرط ألا تفرض صيغتها الضيّقة على الأخريات.

رأينا الزوج هادئاً وهانئاً. وفي حالةٍ نادرة من نوعها، رأيناه قليلَ الكلام،

لا يقاطع ولا يسترسل ولا ينبري لشرح ما تقصده المتحدّثة أو أخذ الكلام إلى حيث ما يريد.

النسويّات اللّواتي اعتدن أن تُكال لهنّ أشنع الأوصاف وأتفه النكات هنّ اللواتي سيدافعن عن نينا حين يقع الظلم عليها ولا يساندها لا المجتمع ولا القضاء، أو حين تصطدم بصدأ المحاكم المدنيّة والدينيّة وإجحافها وتتفاجأ: هل يُعقل أنّني أنا الأمّ -و”الدنيا أم” بحسب قولها- غير مؤهّلة كالرجل لأن أكون وصيّةً على أطفالي أو حتّى حاضنةً لهم؟ هل يعقل أنّني لا أمتلك الحقّ في تطليق مَن لم تعد الحياة معه تُطاق، هو الذي بإمكانه تطليقي ساعة يشاء؟ هل يعقل أن يُسلب أطفالي حقُّهم في جنسيّتي لمجرّد زواجي من غير لبناني؟ وتطول لائحة الـ “هل يعقل” التي من المرجّح أن تجيب عنها نينا بـ “لا، لا يُعقل. لكن هذا شيء والمساواة شيء آخر!”. 

لكن لا، لم يعد مقبولاً عدم فهم الفرق بين كلمتَي المساواة والتشبّه. ولا، لم يعد مقبولاً أن لا تفهم “انفلونسير” معنى كلمة نسويّة. 

سيرينا التي كانت شرسة في الدفاع عن جمهوريّة “جلعاد”، ندمت فيما بعد. وهذا ليس تهديداً، ولا دعوةً إلا اعتناق النسويّة ديناً أو أيديولوجيّة، إنّما دعوة مُوجّهة إلى مَن لا تريد أن تعترض على أوضاعها أو أوضاع مَن لم يرثن امتيازاتها إلى الكفّ عن اعتراض طريق مَن اختارت مواجهة نظام انتهت صلاحيّته في عقلها وجسمها وقلبها. مواجهة ستعود على نينا نفسها بالخير، ولو بعد حين.  

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منتظر الخارسان- صحافي عراقي
المعطيات الأمنية المتوافرة تشير بأصابع الاتهام إلى كتائب “حزب الله” العراقي المدعومة من إيران بالوقوف وراء مجموعة “ربع الله”، التي تنشط غالباً في بغداد، وتمارس الضغط والترهيب انطلاقاً من العاصمة، ثم يقية المحافظات.
Play Video
حقق النادي العلماني في الجامعة اليسوعية انتصاراً غير مسبوق تمكن من الفوز بجميع رئاسات الهيئات ​الطالبية للكليات الـ12 التي شارك في ​انتخاباتها.

2:05

Play Video
بين سلسلة فيديوات نشرتها “المبادرة المصرية للحقوق” على صفحتها، تضامنت الممثلة الهوليوودية سكارليت جوهانسون مع أعضاء المنظمة وطالبت بالإفراج عنهم… فما هي المبادرة وما قصة اعتقالهم؟

1:44

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني