fbpx

لبنان: 17 تشرين يوم انتصرت النكتة على أيقونات النظام

إذا كانت ديمومة النظام مرهونة بمدى قدرته على رفع نفسه إلى مستوى القداسة لضمان تسلطه، فإن النكتة السياسية أطاحت بهذه المعادلة ودكّت مناعة هذا النظام من السخرية من دون هوادة.

لم تأخذ السخرية حقها قبل 17 تشرين الأول/ أكتوبر، يوم انتفض اللبنانيون في وجه نظامهم وأسقطوا حكومته خلال 13 يوماً من المراس النضالي في الشارع، بل نالت فعاليتها منذ هذا التاريخ بالذات. إذا أردنا ان نتخطى النقاش الدائر حول إنجازات الانتفاضة وإخفاقها، وبالتالي نتخطى الأجوبة السريعة في الحالتين، يمكننا أن نلتفت إلى ما آلت إليه وتيرة النكتة السياسية التي رافقت تحركات الناس في الشارع. نكتة بدت وكأنها السلاح الأقوى في مواجهة نظام مدجج بالسماجة وثقل الدم وبكل أنواع الجدّية الأبوية. نظام اعتاد أن يدير شؤون ناسه بوجه عابس يدّعي فيه الفهم والرصانة. نظام عاقد الحاجبين لا يضحك لضحاياه. لا بل إن هذا النظام العبوس يتعمد الجدية كأدة لأيقنة رموزه. نظام يغلّف رجاله بالقداسة. فالقداسة بالنسبة إليه أعلى مراحل الجدية. يتقن النظام تشكيل خطابه الرسمي وتضمينه مفاعيل الجدية كلها ليحمي صورته. لكن النكتة هنا بدت وكأنها درب الخروج على النظام ومنه. 

إذا كان الجد نقيض الهزل، ففي 17 تشرين الأول لم ينزل الناس إلى الشوارع فقط، بل أداروا معاركهم مع النظام ورموزه وأدواته من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، التي باتت ميدان مبارزة يخشاه الصغير والكبير في جمهورية الجد. بات الهزل سيد الموقف، فدارت النكتة اللاذعة حول أيقونات النظام من دون استثناء وفككت هالاته وأنزلته أرضاً، تماماً كمن أسقط التماثيل الكثيرة خلال انتفاضات الربيع العربي. صحيح أنه لم تكن لدينا تماثيل فعلية لشخصيات النظام الكثيرة، بيد أنه كانت لدينا أيقونات تم رسمها وتقديمها بعناية خلال السنوات الماضية. لكل أيقونة في هذا النظام طريقتها في التسامي والأسطرة، ولها إوالاتها في الدفاع عن نفسها ونحت تماثيلها في كل شارع وإدارة ومؤسسة. كانت (وما زالت) تُسخّر لذلك المال والأتباع لحمايتها، بل كانت تستميت في الدفاع عن تماثيلها لحظة اقتراب خطر المسّ بها حتى لو على سبيل النكتة. 

إذا كانت ديمومة النظام مرهونة بمدى قدرته على رفع نفسه إلى مستوى القداسة لضمان تسلطه، فإن النكتة السياسية أطاحت بهذه المعادلة ودكّت مناعة هذا النظام من السخرية من دون هوادة. لم يخطر لنا يوماً أن يتوفر لنا سياق أكثر أريحية لرفع سلاح النكتة في وجه حكامنا كسياق انتفاضة 17 تشرين. فهذه الانتفاضة التي انطلقت في الشارع واستمرت على مواقع التواصل الاجتماعي شكلت وسطاً تفاعلياً، بين الشارع والمواقع، أتاح للناس فرصة للتقدم نحو تماثيل النظام وهدمها. لم يحسب الناس حجم الخوف وقتها بل تخطوه، وبلوروا وسائل هجومهم على الجدية بالضحك والشتم وتسفيه الأيقونات، لا بل أصروا على نزع القدسية عن الذين كانوا بالأمس مطمئنين لفعالية الجد الذي حكمونا به. لقد أخافتهم نكتتنا وأجبرتهم على كتابة الخطابات من أجلها، ودفعتهم للإكثار من إطلالاتهم لتدارك ما بقي من هيبتهم، لكن من دون أي جدوى. فعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك من دمرت النكتة مستقبله السياسي المضمون بحكم تحالفاته الجدية. شتيمة ونكتة، هذا كل ما كنا نملكه في وجه نظام جائر وعابس.

لم تكتفِ النكتة بالتوجه إلى النظام ورموزه وتحطيم أيقوناته، بل كانت تتجه أيضاً صوب الأيقونات التي بدأت تظهر في الانتفاضة، الأيقونات التي راحت تصطاد في عكر الشارع. استطاعت النكتة أن تحد من جموح الأيقنة والبرود على حساب قضايا الناس، بل استطاعت أن تلعب دوراً تصحيحياً في بعض الأحيان داخل الانتفاضة، فتدفع الآخر إلى تبرير موقف ما أو التراجع عنه، هذا كله كان يحصل في ظل إعلام مرئي يعمل برمته على هامش النظام وفي صلبه. إعلام أتقن صناعة الأيقونات السياسية وتوابعها، كما أتقن تمييع القضايا وتضييع الفاعل حرصاً على تلك الأيقونات من المس. لم يسلم أحد من نقد النكتة السياسية بعد 17 تشرين، الناس لم يعد يقنعهم مقدم برنامج أو محاور طبّال أو نائب كاذب أو أي شخصية تطمح للأيقنة داخل النظام أو داخل الانتفاضة حتى.

لم تكتفِ النكتة بالتوجه إلى النظام ورموزه وتحطيم أيقوناته، بل كانت تتجه أيضاً صوب الأيقونات التي بدأت تظهر في الانتفاضة.

راجت النكتة في طريق النقد اللاذع تعويضاً عن عجز الشارع في أحيان كثيرة. كانت بمثابة الإرباك السياسي للخطاب السائد، إرباك لا يمكن تفاديه إلا بهجوم مضاد وبتبريرات وببذل جهد كبير في درء  خطر التفكك عن خطاب النظام وشلله. النكتة لم تقف عند حدود الأيقونات تلك، بل امتدّت إلى مقولاتهم ولعبت دوراً في تسخيف أقدس الطروحات. إن ما حصل في الأمس حول ترسيم الحدود البحرية على سبيل المثال، كانت النكتة حاضرة في تفكيك خطاب النظام وخطاب مكوناته حول أيقونة، لطالما عشنا سنوات تحت رحمتها وهي “حصرية الحق في تحرير القدس”. لم يستطع الخطاب الرسمي، حامل هذه المقولة، أن يقدم حجة واحدة تحت نيران النكتة السياسية التي انهالت عليه. فما كان أمام جمهوره سوى السكوت والتواري والتبرير والتحذير والاعتراف بالإرباك السياسي. لم يعد بمقدور أي خطاب أن يتغاضى عن سلاطة النكتة السياسية بعد اليوم. النكتة بهذا المعنى هي الإحراج والإرباك والتفكير، النكتة هي المستجد الدينامي في وجه خطاب سائد، تدخل إليه، تخلخله وتدفعه إلى الحركة ومن ثم إلى إعادة التشكيل بما يتناسب مع كل مستجد. النكتة أداة فحصنا لديماغوجية النظام وكذبه.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منتظر الخارسان- صحافي عراقي
المعطيات الأمنية المتوافرة تشير بأصابع الاتهام إلى كتائب “حزب الله” العراقي المدعومة من إيران بالوقوف وراء مجموعة “ربع الله”، التي تنشط غالباً في بغداد، وتمارس الضغط والترهيب انطلاقاً من العاصمة، ثم يقية المحافظات.
Play Video
حقق النادي العلماني في الجامعة اليسوعية انتصاراً غير مسبوق تمكن من الفوز بجميع رئاسات الهيئات ​الطالبية للكليات الـ12 التي شارك في ​انتخاباتها.

2:05

Play Video
بين سلسلة فيديوات نشرتها “المبادرة المصرية للحقوق” على صفحتها، تضامنت الممثلة الهوليوودية سكارليت جوهانسون مع أعضاء المنظمة وطالبت بالإفراج عنهم… فما هي المبادرة وما قصة اعتقالهم؟

1:44

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني