fbpx

حقنة إنفلوانزا أفقدته بصره… صيدليات وهمية وأدوية فاسدة تجتاح العراق

مع استمرار تفشي "كورونا" في العراق، وجد باعة بسطات الدواء في المناطق الشعبية والفقيرة وأصحاب الصيدليات الوهمية، أنفسهم أمام فرصة مثالية للحصول على مزيد من الأموال.

داخل أزقة مدينة الصدر الضيقة في العاصمة بغداد، وبعيداً من ضجيج انتشار جائحة “كورونا” وإجراءات الحظر المطبقة للحد من العدوى، يسير الطفل اليتيم حيدر محمد (11 سنة)، ممسكاً بيد أخيه الصغير حمزة (9 سنوات)، بعدما حرمه أحد أصحاب محال بيع الأدوية المعروفة بـ”الصيدليات الوهمية” من نعمة النظر، إذ وصف له حقنة لعلاج الإنفلونزا قبل عامين، ورفض حتى المستشفى الحكومي استقباله بسبب صعوبة حالته الصحية جراء مضاعفات الحقنة. 

يروي حكايته قائلاً،

“كان عمري 9 سنوات عندما أصبت بالإنفلونزا وكنت أسكن في القطاع السابع في مدينة الصدر، فأخذتني أمي إلى القطاع 8 المجاور حيث كانت هناك صيدلية وهمية لبيع الأدوية والحقن. وصف لي صاحب المحل “ابرة خبط” (خلطة من المضادات الحيوية) وقال لي سأحقنها لك وتشفى، وما أن حقنني حتى بدا جسمي وكأنه يحترق، فذهبت إلى المستشفى الأول الذي لم يستقبلني (خوفاً من أن تتعكر حالته ويموت، فتتحمل إدارة المستشفى مسؤولية ذلك). وعندما استقبلني المستشفى الثاني، كنت قد فقدت النظر”.

ليست حالة حيدر استثناءً، فحالات مشابهة كثيرة تحصل يومياً في مدينة الصدر والمناطق الشعبية الكثيرة في بغداد ومحيطها، حيث يستشري الفقر وتنتشر معه المحال غير المجازة لبيع الأدوية والبسطات في الشوارع، في ظل تقاعس الجهات الصحية والرقابية عن أداء دورها في إيقاف انتشار هذه الظاهرة. 

وهو ما تؤكده أيضاً لقاء العبودي، مديرة دار النور لرعاية الأيتام وهي الدار التي احتضنت حيدر منذ وفاة أبيه قبل 5 سنوات، موضحة: “في مدينة الصدر، عندما يمرض شخص، يتم التوجه إلى محال غير مرخصة، متخصصة في بيع الدواء وحقن المرضى وهذا ما حصل مع حيدر، إذ تم حقنه بدواء غير مناسب لحالته، فبدأ جسمه يحترق وفقد على إثر ذلك البصر”.

لقاء العبودي وعلى رغم وعيها بخطورة اللجوء إلى هذه الصيدليات الوهمية، زارت إحداها ذات يوم عندما تعكرت حالتها الصحية في منتصف الليل، واشترت منها علاجاً. “ولكن بعد تناوله، فوجئتُ بحدوث حساسية في الدم”، تتذكر بحسرة. ولولا لطف الله لكانت فقدت حياتها. تذمّرت صاحبة دار الأيتام من غياب سلطة القانون والمحاسبة، بقولها “لا محاسبة للأسف الشديد، فالحكومة تتبرأ من القيام بواجبها“.

يوثّق هذا التحقيق تسرّب الأدوية المدعمة من وزارة الصحة العراقية من المستشفيات الحكومية لبيعها بطريقة غير شرعية في صيدليات وهمية وعلى أرصفة الشوارع، ما يتسبب في نقص كبير في العلاجات وتضرر المواطنين وميزانية الدولة، في ظل غياب الرقابة الحكومية.

لا دواء في المستشفيات؟

على أبواب مدينة الطب، أكبر المستشفيات الحكومية في العراق، يقف المراجعون متذمرين بعد فشلهم في الحصول على العلاج عقب مراجعتهم الطبيب، كما هو الحال مع أبي موسى (48 سنة) الرجل الضرير الذي التقاه هناك معد التحقيق. تحدث الرجل عن الصعوبات التي تعترضه للحصول على علاج لابنه المصاب بالسرطان، بخاصة أن الأخير يحتاج لجرعات دورية من العلاج. يقول أبو موسى:

“ابني يعاني من ورم خبيث ولا أستطيع إحضاره إلى المستشفى إلا بعد أن يتبرع لي الناس بأجرة التاكسي. وعندما أصل إلى المستشفى، لا أجد علاجاً، فاضطر إلى شرائه من خارجه”. 

أبو موسى

على مقربة من أبي موسى، يقف أبو مهدي (57 سنة)، هو الآخر عاد خائباً بعدما انتهت رحلة تشخيص مرضه الطويلة بورقة صغيرة كان يحملها بيده، كتبها له الطبيب ليحصل على علاجه من خارج مستشفى مدينة الطب لعدم توفّره في مخازنها. هكذا وجد أبو مهدي نفسه في حيرة، نظراً لعدم امتلاكه القدرة المالية لشراء الدواء، يقول بحزن:

“ليس لدي المال لشراء الأدوية التي وصفها الطبيب لي، لذلك سأشتري ما أستطيع منها بما أمتلكه من نقود وأترك الباقي. ليس بيدي حيلة”.

أبو مهدي

وتُظهر وثائق رسمية حصل عليها معد التحقيق وهي صادرة عن المخازن التابعة لوزارة الصحة، استلام مستشفيات مدينة الطب وقبل أيام قليلة من لقائنا بأبي موسى وأبي مهدي، حصص الأدوية كاملة لشهر آب/ أغسطس من دون نقص ومن مختلف أنواع الدواء المطلوبة. ويؤكد المستشفى في الوثائق ذاتها اكتفاءه من حصص الدواء لمراجعيه من دون نقص، عند سؤال المخازن إياه عن احتياجاته.

وثائق مخازن وزارة الصحة

أدوية على قارعة الطريق 

غير بعيد من مبنى وزارة الصحة، على أرصفة الطرق في سوق الميدان وسط العاصمة بغداد، وجد معد التحقيق أناسًا يفترشون الأرض ويبيعون أصنافاً مختلفة من الدواء، بل يقومون، دون أي تخصص طبي أو صيدلاني، بتشخيص العلاجات للأمراض لفائدة من يقصدهم من الزبائن وأغلبهم من الفقراء الذين لا يمتلكون المال لشراء الدواء من الصيدليات. واللافت في الأمر، أنه وحتى مع الظروف التي فرضتها جائحة “كورونا” وإجراءات الحجر الصحي، فقد واصل هؤلاء عملهم كأن شيئاً لم يكن.

يجلس أصحاب تلك البسطات على الرصيف بمنتهى الثقة ولا تظهر عليهم بوادر خوف أو قلق من مداهمة الجهات الصحية والرقابية لهم، على رغم وجود مركز للقوات الأمنية على بعد أمتار قليلة. 

أراد معد التحقيق اختبارهم، فأخبر أحدهم بتعرضه للإصابة بفايروس “كورونا” وحاجته إلى علاج. كان أحد الباعة يضع أنواعاً بسيطة من الدواء فوق البسطةـ أما أسفلها، فهناك كيس كبير يُخرج منه أنواعاً أخرى مختلفة. وصف البائع لنا مسكنات وأدوية حساسية وأخبرنا بكيفية تناولها، للتخلص من أعراض الفايروس.

كرّر معد التحقيق التجربة مع صاحب بسطة آخر، أبدى ثقة كبيرة بنفسه وقال إنه مساعد جراح وأن التقاعد أجبره على الجلوس هنا. وبعد قياس ضغطنا، ذكر الأعراض الشبيهة بأعراض “كورونا” ووصف لنا شراباً للسعال ومسكنات. وعندما سألناه إذا ما كنا نحمل حقيقة أعراض الوباء، أنكر وجود “كوفيد- 19″، وأبلغنا بأنه مجرد كذبة.

تصوير سرّي |في المديان والمريدي

ظاهرة بسطات الرصيف لا تقتصر على سوق الميدان وحسب، بل إنها تنتشر في معظم المناطق الشعبية في العاصمة بغداد.

ذهب معد التحقيق إلى سوق “مريدي” الذي يقع في مدينة الصدر في العاصمة وهو من أكبر أسواق العراق الشعبية، وهناك يكثر وجود تلك البسطات ومرتاديها كما تغيب تماماً أي ملامح لإجراءات الوقاية من جائحة “كورونا”. سرنا بين زحام السوق المكتظة بالناس وهناك وجدنا بسطات كثيرة تُباع فيها الأدوية وأدوات الوقاية من الفايروس كالكمامات والقفازات، تُعاني الكوادر الطبية من صعوبة في الحصول عليها. أطفال وشباب يبيعون أصناف الدواء والمستلزمات الطبية من دون أي معرفة علمية. كررنا تجربة سؤال أحدهم عن علاج لأعراض شبيهة بأعراض “كورونا”، فتلقينا الإجابة التي جاءتنا عند زيارتنا بسطات الميدان، إذ وصف لنا البائع مسكنات لأعراض الوباء المنتشر. تحدث معنا وكأنه طبيب قائلاً، “بعد العشاء، خذ حبة (فلوآوت) وكبسول التهابات وإذا شعرت بارتفاع درجة الحرارة او صداع، تناول حبة (بندول)”.

بعد هذه الجولة على بسطات الدواء بين سوق الميدان وسوق مريدي، قام معد التحقيق بشراء كمية منها ليكتشف أن خمسين في المئة من الأدوية التي اقتناها منتهية الصلاحية.

استغلال ظرف “كورونا”

مع استمرار تفشي “كورونا” في العراق، وجد باعة بسطات الدواء في المناطق الشعبية والفقيرة وأصحاب الصيدليات الوهمية، أنفسهم أمام فرصة مثالية للحصول على مزيد من الأموال، بخاصة أن الاقبال عليهم زاد. في هذا الصدد، يُبيّن لـنا أسعد عبد العباس (41 سنة) وهو من سكان مدينة الصدر كيف لاحظ “اصطفاف الناس في طوابير على أبواب تلك الصيدليات مع بدء تفشي الوباء وازدياد الهلع والخوف من الإصابة به”. ويضيف أنه هو نفسه تردد على هذه المحلات طمعاً في الحصول على علاج يحميه ولكن ذلك لم يجد نفعاً وانتهى به الأمر بأن أصيب بدوره بالعدوى، يقول: “كنت أرتاد يومياً إحدى تلك الصيدليات الوهمية في منطقتي لشراء أدوية لحماية نفسي وعائلتي من الإصابة. وفي كل مرة، كان صاحب المحل يصف لي دواء مختلفاً، إضافة إلى فيتامينات ومقويات. وعلى رغم ذلك أصبت بالوباء ولم تنفعني تلك العلاجات التي كلفتني أموالاً طائلة”. 

شهادة أسعد جاءت لتُؤكّد ما صرّح به سيف البدر، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة الذي قال إن الوزارة عانت كثيراً من الصيدليات الوهمية التي ادعت امتلاك علاج “كورونا”، وهو ما دفعها للتحرك وغلق البعض منها. 

المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة | سيف البدر

تضارب في حجم الإنفاق الحكومي على الدواء وخسائر كبيرة تتكبدها الدولة

تُعاني المستشفيات الحكومية والبالغ عددها نحو 240 مستشفى، إلى جانب 2808 مراكز ضحية و314 عيادة شعبية في عموم البلاد، بحسب إحصاءات وزارة الصحة، من عدم وجود الدواء اللازم للعلاج. يحصل هذا في حين يتم تخصيص نحو المليارين ونصف المليار دولار من الموازنة الحكومية لوزارة الصحة سنوياً، وفقاً لديوان الرقابة الحكومية. ويُخصّص أكثر من 70 في المئة من هذا المبلغ، لاستيراد الدواء لفائدة المستشفيات الحكومية، بحسب المتحدث باسم وزارة الصحة. 

92%

نسبة الدواء المستورد للقطاعين الحكومي والخاص  

 ويقدر وزير الصناعة والمعادن العراقي الذي تعود تبعية شركات صناعة الدواء الحكومية لوزارته، حجم استيراد الدواء سنوياً للقطاع الخاص والحكومي بأكثر من ثلاثة مليارات دولار، تغطي مجتمعة ما تستورده وزارة الصحة وكذلك المذاخر والشركات الخاصة.

وتُشكّل نسبة الدواء المستورد للقطاعين الحكومي والخاص من الخارج أكثر من 92 في المئة من حاجة البلاد. 

على رغم ذلك، تجد وزارة الصحة أن هذه التخصيصات لا تمثل إلا نسبة قليلة من حاجياتها في هذا المجال، وهو ما يفسر النقص في الدواء بالنسبة إلى المراجعين في المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية. في هذا الصدد، يُوضح البدر أن الوزارة خصّصت ملياري دولار في العام الماضي لشراء الدواء، وهو مبلغ يتغير من سنة إلى أخرى، مبيناً أن “حاجات العراق تتجاوز أضعاف هذا المبلغ”، من دون أن يبين حجمها. و يضيف أن “الوضع يزداد تعقيداً بخاصة أن ميزانية 2020 لم تُقرّ بعد في مجلس النواب”.

لا يتفق خبراء في مجال الاقتصاد مع الأرقام الرسمية لحجم استيراد الدواء من قبل الدولة، موضحين أن العراق يُنفق سنوياً، بقطاعيه الحكومي والخاص، ما بين أربعة إلى ستة مليارات دولارات، في هذا المجال. عدا ذلك، هناك “ارتفاع سنوي في حجم استيراد الدواء، بـ15 في المئة”، وفق الخبير الاقتصادي، عبد الرحمن المشهداني. هذا الأخير أكّد أيضاً لمعد التحقيق أن الخسائر المالية التي تتكبدها الدولة في مجال الأدوية، ما بين التسرب الدوائي والفساد والإهمال والمناشئ الدوائية المقلدة، تُعادل أكثر من ملياري دولار سنوياً مجتمعة ما بين القطاع الحكومي والخاص.

تسجيل صوتي

“سمــوم قــاتــلــة”

تخشى الكوادر الطبية عموماً من الحديث عن ظاهرة الصيدليات الوهمية وبسطات بيع الأدوية خوفاً من الملاحقات العشائرية من ذوي أصحابها، إضافة إلى سطوة الجماعات المسلحة في تلك المناطق. لكن الدكتور علي عبد الرزاق (65 سنة)، وهو رئيس قسم الجلدية السابق في مستشفى الكرامة الحكومي في جانب الكرخ من العاصمة بغداد لا يخشى أن يُصرّح لمعد التحقيق يأن “بيع الأدوية في هذه الأماكن يعني بيع سموم قاتلة. وشخصياً اعتبره بمثابة عمل إرهابي في حق المجتمع“.

نقيب الصيادلة، الدكتور مصطفى الهيتي (62 سنة) يؤكد حتمية وجود تأثيرات مضرة بصحة المواطنين عند الحصول على أدوية من تلك البسطات التي لا يُراعى فيها أي شرط من الشروط الصحية، موضحاً أن

“الدواء الذي يباع في البسطات بلا فعالية، بسبب وجوده على الأرض وتعرضه لدرجة الحرارة التي تصل إلى 50 درجة مئوية في الصيف، بالتالي لا يمكن إلا أن يُمثّل خطراً على صحة المواطن”.

(صورة للصيدلية الوهمية التي تضع علامة بيع الحليب)

بحسب نقابة الصيادلة، هناك أكثر من 2000 صيدلية وهمية منتشرة في العراق ومن ضمنها إقليم كردستان العراق، وتتركز في الأحياء التي تقع في أطراف بغداد أو بالقرب من مركزها. زار معد التحقيق إحداها، وهي تقع بالقرب من مدينة الصدر. ولاحظ أنها تضع من الخارج لافتة تُوحي بأنها محل لبيع حليب الأطفال ومستلزماتهم، لكنها في الواقع تحتوي على رفوف ممتلئة بالأدوية ويشخص العاملون فيها العلاج لمرتاديها. 

طرق الحصول على الدواء وغياب الرقابة

لفهم أسباب انتشار الصيدليات الوهمية وكيفية حصولها على أدويتها، استطاع معد التحقيق إقناع أحد أصحابها بالحديث معه. يعمل هذا الأخير معاوناً طبياً في إحدى العيادات الحكومية في أطراف بغداد، إلى جانب امتلاكه سابقاً صيدلية وهمية، عمل فيها 7 سنوات، قبل أن يغلقها، جراء شعوره بتأنيب الضمير لوفاة أحد الأشخاص نتيجة تشخيص علاج له من قبل صيدلية وهمية أخرى بالقرب من محله. 

يُفسّر الرجل فتحه صيدلية وهمية بالحاجة المادية بسبب ضعف الراتب الحكومي للعاملين في المؤسسات الصحية، والذي لا يتجاوز 500 ألف دينار عراقي (ما يعادل 400 دولار). وعن هذه التجربة يقول: “بسبب حاجتي المادية، افتتحت صيدلية غير مرخصة قبل 7 سنوات، وكنت أمارس دور الطبيب والصيدلاني والممرض وأقوم بوصف العلاجات والتزود بالادوية من المذاخر الحكومية والخاصة من طريق معارف يوفّرون لي الدواء الذي أبيعه”.

وفي هذا الصدد، يُبيّن أنه كان يحصل على 70 في المئة من احتياجات محله من المذاخر الدوائية التابعة للقطاع الخاص والتي تبيع الدواء لكل شخص يمتلك المال وعلى صلة بأحد معارف أصحابها. أما الباقي، فيأتي من المستشفيات والعيادات الحكومية عن طريق بعض الأشخاص من المحتالين الذين يدعون المرض، للحصول على أدوية بسعر مدعوم من الحكومة وبيعها لاحقاً لأصحاب الصيدليات الوهمية والبسطات. ويعينهم في ذلك، العاملون في المستشفيات الذين غالباً ما يكونون منتمين لأحزاب وجماعات مسلحة، فيخشى الجميع من محاسبتهم. في هذا الصدد، يشرح متأسفاً: “هذه الصيدليات الوهمية تشتري الأدوية من الناس وتقوم ببيعها بأسعار أعلى من تلك المدعمة. وهو أمر خطير. كما أن الشخص الذي يدعي المرض ليستلم دواء من العيادة الحكومية يُصادر حق غيره في الحصول على علاج، ويُساهم في نفاد الأدوية من المستشفيات الحكومية”.

مالك صيدليّة وهميّة

ولتوضيح الفرق بين الاسعار في المذاخر الحكومية وخارجها، لا يدفع المُراجع سوى ألف دينار عراقي (80 سنتاً أميركياً) عن مراجعة المركز الصحي ويستلم الدواء مجاناً مهما كان نوعه. مثلاً يبلغ سعر شريط “الباراسيتامول” وهو الدواء الشائع المقدم في المذاخر الحكومية، 100 دينار عراقي (9 سنتات) بينما يُباع في الصيدليات بـ500 دينار (42 سنتاً) ، أي 5 مرات السعر المُدعّم. أما بالنسبة إلى دواء السعال للأطفال وشراب خافض الحرارة فهما يُباعان بـ5 آلاف دينار (4 دولارات) في الصيدليات الوهمية، بينما لا يتجاوز سعرهما الـ500 دينار (42 سنتاً) في المستشفيات الحكومية.

مسألة تسرب الأدوية من المذاخر الحكومية، يؤكدها رئيس قسم الجلدية السابق في مستشفى الكرامة الحكومي، الدكتور علي عبد الرزاق الذي يوضح أنه يتم إتلافها على أساس انتهاء صلاحيتها، لكنها تباع لاحقاً في الأسواق. “أدوية كثيرة تصل إلى قرب نهاية صلاحيتها وتُتلف على هذا الأساس، لكنها في الواقع، تُؤخذ وتُباع ويتم إبدال تواريخ إنتاجها وانتهاء وصلاحيتها. بالتالي، يمكن اعتبارها سموماً تُعطى الشعب العراقي“.

حديث صاحب الصيدلية الوهمية عن سهولة الحصول على الدواء من المذاخر الخاصة، على رغم أن القانون يشترط امتلاك أصحاب الصيدليات إجازة رسمية قبل شراء الدواء، جعل معد التحقيق يتواصل مع أحد أصحاب تلك المذاخر في شارع السعدون وسط مركز العاصمة بغداد، حيث يتركز معظمها. وقال ر. ح (تم ترميز الاسم بناء على طلبه) إن “الرقابة على المذاخر ضعيفة، إذ لا توجد جهة رقابية تراجع الوصولات أو تشترط الاحتفاظ بنسخة من إجازة البيع للمشتري”.

صاحب المذخر أعلمنا أيضاً بأن مذاخر كثيرة لا تمتلك إجازة لشراء الأدوية وبيعها، إنما ويستورد أصناف الدواء عبر الاتفاق مع مذاخر أخرى لديها إجازة مقابل مبلغ مادي، ناهيك باقتناء الدواء المهرب الذي يدخل بصورة غير رسمية إلى البلاد.

وفي هذا الصدد، يوضح وجود “نوعين من المذاخر، ما هو مرخص وما هو غير مرخص. والعاملون في هذا النوع، يستوردون الدواء أياً كان مصدره أو فاعليته أو تاريخ صلاحيته، مُستفيدين من غياب الرقابة والتدقيق في الأدوية التي يبيعونها لأي راغب في شرائها”.

جهاز الأمن الوطني  ألقى القبض في 28 حزيران/ يونيو 2020 على صاحب أحد المذاخر الخاصة وبحوزته 10 آلاف حبة من الفيتامين “سي” معبأ بالدقيق، كانت تُباع في الصيدليات للمواطنين. 

تبادل الاتهامات والتنصل عن المسؤولية 

ينص قانون مزاولة مهنة الصيدلي رقم 40 لسنة 1970 المعدل في المادة خمسين منه على أن “يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات أو بغرامة لا تزيد على ثلثمائة دينار أو بهما معاً: كل من زاول مهنة الصيدلة بدون إجازة أو حصل على إجازة بفتح محل بطريقة التحايل مع الحكم ببطلان الاجازة المذكورة”.

وعلى رغم سريان مفعول هذا القانون، لكنه لا يُطبّق و يبقى حبراً على ورق وسط انتشار الصيدليات الوهمية وبسطات بيع الأدوية في الكثير من مناطق وشوارع العاصمة بغداد.

وتقع مسؤولية متابعة عمل الصيدليات ومحاسبتها بالأساس على عاتق ثلاث جهات: اثنان منها تحددان المخالفين وهما نقابة الصيادلة التي تمنح إجازة ممارسة مهنة الصيدلة ولديها لجان تقوم بطلعات تفتيشية لمراقبة سير عمل الصيدليات واحترامها الشروط الصحية، والثانية هي وزارة الصحة العراقية المسؤولة عن مراقبة المرافق الصحية والدوائية والغذائية في البلاد وتحديد المخالفين. أما الجهة الثالثة فهي الجهة التنفيذية التي تستند إلى تقارير الجهتين السابقتين وتتمثل في مديرية الجريمة الاقتصادية التي تضطلع بمهمة إغلاق المحلات المخالفين واعتقال أصحابها.

 قام مُعدّ التحقيق بمواجهة تلك الجهات بما توصل إليه من حقائق. وكانت البداية من نقابة الصيادلة، التي أكدت أن محاسبة الصيدليات الوهمية لا تدخل ضمن نطاق سلطتها أو واجباتها التي تنص على مراقبة عمل الصيدليات المجازة رسمياً فقط. ويُذكر أن اللجان التفتيشية التابعة للنقابة قامت عام 2019 بأكثر من 2000 جولة تفتيشية في بغداد وحدها شملت الصيدليات المرخصة. 

بالتالي، فإن النقابة حمّلت مسؤولية انتشار ظاهرة الصيدليات الوهمية لوزارة الصحة، إذ يقول الدكتور مصطفى الهيتي، نقيب الصيادلة العراقيين، “هذه مسؤولية وزارة الصحة التي لديها ما يُعرف بموظفي الصحة العامة المُكلّفين بمراقبة الصيدليات ومحلات بيع الأدوية وكذلك المطاعم والمقاهي وكل ما يتعلق بالمجال الصحي”. 

الدكتور مصطفى الهيتي | نقيب الصيادلة

الدكتور علي عبد الرزاق

تبريرات النقابة، رفضها الدكتور علي عبد الرزاق، رئيس قسم الجلدية السابق في مستشفى الكرامة الحكومي الذي اعتبر أن “السبب الحقيقي لانتشار الظاهرة هو أن نقابة الصيادلة لم تقم بواجبها في متابعة الصيدليات والإشراف عليها والتأكد من حيازتها إجازة الفتح الرسمية“.

لم تنف وزارة الصحة انتشار ظاهرة الصيدليات الوهمية والبسطات، لكنها بيّنت أن المسؤولية مشتركة بينها وبين نقابة الصيادلة. وحمّلت المواطنين أنفسهم جزءاً من المسؤولية بسبب تعاملهم مع تلك المحلات الوهمية وعدم الإبلاغ عنها. في هذا الصدد، أشار المتحدث الرسمي لوزارة الصحة الدكتور سيف البدر أن “وزارة الصحة تقوم يومياً بغلق محلات مخالفة وسجن مخالفين ومحاسبتهم، لكن في الوقت نفسه يوجد أناس يعاودون نشاطهم بعد انتهاء فترة العقوبة أو يمارسون المهنة في مكان آخر، ولذلك أعتبر أن ردعهم مسؤولية مشتركة بين وزارة الصحة ونقابة الصيادلة، وكذلك المواطن الذي لا يقوم بدوره في الإبلاغ عن هذه المحلات ويواصل التعامل معها“.

لم يحدّد البدر العدد الكلي للمخالفات التي رصدتها الوزارة واكتفى برد غير دقيق على سؤالنا حول هذه النقطة. 

حاولنا الحصول على هذه المعلومة من دائرة التفتيش في وزارة الصحة التي أكّدت أنها أغلقت بين أيار/ مايو إلى آب، 60 صيدلية و24 مذخراً دوائياً، منها الحاصل على رخصة ومنها غير المرخص، من دون إعطاء تفاصيل إضافية.

 مدير دائرة التفتيش، عبد الامير الحلفي رفض تحميل وزارة الصحة، مسؤولية إيقاف الصيدليات الوهمية وبسطات بيع الدواء، معتبرا أن على الأجهزة الأمنية المختصة اتخاذ الإجراءات بحقها وتنفيذ قرارات إغلاق المحال، “لا التغاضي عن ذلك”.

حاول معد التحقيق على مدى شهر كامل، الاتصال بمديرية الجريمة الاقتصادية المسؤولة عن تنفيذ قرارات وزارة الصحة ضد المخالفين، لأخذ ردها على هذه الاتهامات، ولكنه لم يتمكن من الحصول على الموافقة للقاء أحد مسؤوليها.

 هكذا تبقى ظاهرة الأدوية المنفلتة مستشرية وتحصد في كل عام أرواح الفقراء الذين عجزوا عن مراجعة المستشفيات الحكومية لخلوها من العلاج المسكن لآلامهم، وسط ارتفاع مؤشرات الوفاة جراء الأمراض المختلفة في العراق، إذ تشير إحصائية منشورة من منظمة الصحة العالمية، أن ما بين 2015 و2018  توفي أكثر من 170 ألف عراقي جراء الإصابة بأمراض مختلفة.

وعام 2018، صرح مكتب المفتش العام لوزارة الصحة (الذي تم حله بقرار من البرلمان العراقي في ما بعد)، بأن العراقيين من المقتدرين “ينفقون بين 5 إلى 6 ملايين دولار شهرياً للعلاج خارج العراق، بينما لا يجد الفقراء من سبيل لتجاوز شحة الدواء الحكومي سوى اللجوء إلى باعة الأدوية على الرصيف وأصحاب الصيدليات الوهمية الذين يشخصون لهم الداء لا الدواء.

  • أنجز هذا التحقيق بالتعاون مع الوكالة الفرنسية لتطوير الإعلام (CFI) تحت إشراف حنان زبيس
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور – صحافي لبناني
على رغم أن حاكم مصرف لبنان تصدّر مشهد الإجهاز على التدقيق الجنائي وتفجيره في النهاية، يمكن القول إن في السلطة من فخخ مسار التدقيق منذ البداية، تمهيداً لإسقاطه لاحقاً حين تصل الكرة إلى ملعب الحاكم.
Play Video
استجاب مجلس شورى الدولة في لبنان لأصحاب مكاتب استقدام عاملات المنازل، بعد أسبوعين من إصدار وزارة العمل عقد عمل موحّد جديد للحدّ من الاستقطاعات التي يحقّ لصاحب العمل احتسابها من راتب العاملة، فكيف حصل ذلك؟

4:30

Play Video

2:03

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني