fbpx

لبنان: القضاء لا يحب الضعفاء

بعد صرفي بأسبوع رفعت دعوى قضائية، لتحصيل حقوقي التي أهدرت بسبب مزحة لا علاقة لعملي بها، لكن القضاء لم يتحرّك... بل تحرّك بقضايا أخرى مسّت مشاعر سياسيين وأصحاب نفوذ!

“لا بلد من دون قضاء عادل”، جملة تتكرر دوماً. نسمعها على لسان السياسيين وتتردد في الشارع في التظاهرات. الكل يجمع وعن حق على “دور” القضاء، وضرورة استقلاليته. 

في مقابلة تلفزيونية أجراها الإعلامي مارسيل غانم، منذ سنوات، قال الزعيم الدرزي وليد جنبلاط إنه دعا مجموعة من القضاة الدروز في منزله إلى اختيار واحد منهم للترشح في التشكيلات القضائية. 

لن أشبه ذلك الفعل بحال الراعي الذي يختار قطيعه، احتراماً “لاستقلالية” القضاء. إلا أن ما قاله جنبلاط كان صريحاً في استخفافه بمسألة “الاستقلالية”. ولا شكّ في أن شركاءه من زعماء الطوائف يحذون حذوه حيال “قضاتهم”.

أذكر حادثتين مرتبطتين بالقضاء وأولوياته:

الأولى هي القضية التي رفعتها على إدارة عملي السابق، حين تم صرفي تعسفياً، من دون أي تعويض، بسبب مزحة  قلتها عن مار شربل، في 1 آب/ أغسطس 2018 على وسائل التواصل الاجتماعي. 

بعد صرفي بأسبوع رفعت دعوى قضائية، لتحصيل حقوقي التي أهدرت بسبب مزحة لا علاقة لعملي بها.

بعد عامين من رفعي الدعوى عينت أول جلسة في 28/1/2020، ولم تصل إلى نتيجة بسبب نقص في التبليغات، أما الجلسة التالية فحددت في 24/11/2020. إذاً، بعد سنتين وأشهر عدة ما زالت قضيتي في جلساتها الأولى وما زال تعويضي عالقاً وربما لن يصلني. 

ما يفاقم المشكلة أن أموراً كثيرة تغيّرت منذ عامين، فقد انهارت العملة اللبنانية وخسرت أضعاف قيمتها إلى الآن، ما يعني خسارتي أضعاف تعويضي بسبب تباطؤ القضاء المعروف بمساره “السلحفي” في قضايا العمل والطرد التعسفي.    

الحادثة الثانية حصلت، مع صديقي إيلي كلداني، في أيلول/ سبتمبر 2018، بسبب جدال على “فايسبوك”، بينه وبين أحد المنتسبين إلى “التيار الوطني الحر” (عين لاحقاً عضواً في لجنة التيار الإعلامية)، على موضوع شركة “سيمنز” حينها والعرض الذي قيل إنها قدمته إلى الدولة اللبنانية كي تعالج مشكلة الكهرباء. وتطور الجدال قليلاً ليقول ملحم كرم الناشط العوني لكلداني إنه “هبيلة”، فرد قائلاً، “انفخوا”. 

سجال يكاد يكون أقل من عادي بين شخصين في لبنان وهو حوار يتكرر سواء بالمباشر أو عبر السوشيال ميديا.

بعد ثلاثة أشهر من الحادثة، اتصل مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية بإيلي كلداني، للتحقيق معه. 

المضحك أنه عند وصوله، التعليق الوحيد الذي أقام عليه ذلك العوني الدعوى كان كلمة “انفخوا”، ما أثار فضول المحققين لمعرفة مدى خطورة هذه الكلمة التي هزت شعور الشاب العوني الحساس، وحركت ضمير القضاء المستتر.   

هنا تبدو مقولة نبيه بري عن أن الضعيف يذهب إلى القضاء بلا معنى، إذ يبدو أن قضاءنا لا يحب الضعفاء. 

تقول المحامية ديالا شحادة لدرج “إن الدعاوى الجزائية يمكن دوماً تسريع السير بها بقدر همّة ومثابرة الشخص المتضرر المتخذ لصفة الادعاء الشخصي، وإن إجراءاتها على مستوى النيابة العامة (المخافر) وقضاء التحقيق (مبدئياً) تكون سريعة نسبياً قبل أن تتباطأ لاحقاً أمام قاضي الأساس. أما النمط السائد في التعامل مع الدعاوى المدنية مثل نزاعات العمل فيجنح إلى التراخي والبيروقراطية ولا يظهر القضاة الحساسية المطلوبة لتسريع البت بحقوق عمالية مثلاً تمثل مصدر رزق أسر كثيرة. من ذلك أن قانون العمل نصّ على وجوب أن تفصل مجالس العمل التحكيمية بشكاوى العمل في غضون ثلاثة أشهر من تقديمها، فيما المعدل الوسطي لمدد هذه المحاكمات يناهز ثلاث سنوات! أما حين يقدم مواطن على ارتكاب جرم جزائي سخيف من نوع شتم سياسي فاسد مثلاً، وحتى في أوجّ قرار التعبئة العامة لمكافحة تفشي جائحة كورونا، فنجد النيابات العامة ومخافرها تستعجل استدعاء المشتبه فيه من دون تأخير يُذكر جبراً ل”كرامة” شخصٍ محظي، فيما تعلّق المحاكم المدنية جميعها جلساتها في الدعاوى الناظرة في حقوق مدنية ملحة للمواطنين.

المشكلة الأصلية هنا ليست في القوانين المتوفرة برغم حاجتها إلى التحسين، بل هي خصوصاً في كيفية تطبيق هذه القوانين وفي النهج القضائي البيروقراطي الذي ضيّعت بوصلته وجهة العدالة الحقيقية للأسف، تقول شحادة.

“الضعيف يذهب إلى القضاء”، هكذا قال نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني لرئيس الجمهورية ميشال عون عام 2017، عندما حصل خلاف على مرسوم ترقية ضباط دورة 1994، إلا أن نبيه بري وزوجته لجآ إلى القضاء “الضعيف” نفسه بعد انتفاضة 17 تشرين، لإسكات الذين شتموهما، أو من يصفون بري وحرس مجلسه بـ”البلطجية”. وكان القضاء حاضراً للتحرّك بسرعة ومقاصصة الشتامين.

كما تعرّض الناشط ربيع الأمين والصحافي محمد زبيب للضرب في الشارع، في حادثتين منفصلتين، وذلك على خلفية مواقف سياسية. وثبت أن المعتدين يعملون لحساب مروان خير الدين صاحب مصرف بنك الموارد. حينها أوقف القضاء المعتدين بعد أيام من دون أن يطاول صاحب المصرف أي إجراء قضائي. 

هنا تبدو مقولة نبيه بري عن أن الضعيف يذهب إلى القضاء بلا معنى، إذ يبدو أن قضاءنا لا يحب الضعفاء. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد فارس – صحافي سوري
كان يُمنع على أحد أن يقترب من غرفته باستثناء الحراس والمحققين وطبيب يعاينه لعشر دقائق صباحاً. أما الحراس الآتون من “الخطيب” ومن إدارة المخابرات الجوية، فكان “صفعهم إياي أمراً طبيعياً لهم”.
Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني