fbpx

خاشقجي… الذكرى الثانية وللحكاية بداية

أشاهدُ الفيلم الوثائقي "مملكة الصمت" الذي تبثه شبكة "شوتايم"، تزامناً مع ذكرى قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي الثانية، وأفكر في أفراد أسرته، كيف يا ترى يتابعونه، بأي حزنٍ وبأي ألم؟

فمهما أصفحوا عن قتلة أبيهم ومهما عوضتهم الحكومة السعودية عن فعلتها، ستبقى روح جمال تحلق فوق رؤوسهم إلى أن تتبين الحقيقة التي لا يكف أصدقاؤه عن البحث عنها.

في “مملكة الصمت” وهو من إخراج “ريك رولي” ومن إنتاج “أليكس جيبني” بالتعاون مع “لورانس رايت”، تشاهدون جمال خاشقجي وسط أفكاره وأعماله التي كونت شخصيته وقدراته حتى آخر لحظة في حياته، تستمعون إلى شهادات من عملوا معه ومن عاشوا معه عن قرب في اللحظات الأخيرة من حياته. وقد تتوصلون إلى إجابات عدة بشأن تساؤلاتكم حول علاقته بتنظيم “القاعدة” ومؤسسها أسامة بن لادن! ولعل ما يثير الغرابة في فيلم “مملكة الصمت” هو تركيز القائمين على أصوات شهادات لم تُعرف حقيقة قربها من الصحافي جمال خاشقجي، مثل طليقته المصرية التي عرف عنها المقربون منه بعد وفاته، السيدة حنان العتر، فضلاً عن الناشطة الحقوقية اليمنية توكل كرمان.

“إن الوقت بات مهماً وحساساً، فقد مر عامان وما زالت قضية خاشقجي تنتظر العدالة، بخاصة أن هذا العام يعد مفصلياً في الولايات المتحدة التي تشهد عرساً انتخابياً حافلاً، وعلى الرئيس الأميركي وإدارته إعادة النظر في هذا الملف، فقضايا الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور الأميركي لا يمكن أن تتبدل مع وجود رئيس أو غيابه”. 

فيلم آخر يُترقب عرضه في صالات السينما وشبكات القنوات المدفوعة، يتناول ملف قتل خاشقجي تحت عنوان “المنشق” The Dissident، ذلك الوصف الذي كان يبعده جمال من نفسه، إذ كان دائماً ما يكرر أنه ليس معارضاً ولا منشقاً. الفيلم  للمخرج الأميركي بريان فوغل ومن إنتاج شركة “برياركليف إنترتينمنت” Briarcliff Entertainment، وتم عرضه في مهرجان “صن دانس” السينمائي في ولاية اوتاوه مطلع العام الجاري وسط حضور كبير من بينه هيلاري كلينتون وخطيبته خديجة جنكيز.

هذه الأفلام وغيرها من التغطيات الإعلامية المتوقعة عالمياً وبخاصة في وسائل الإعلام الأميركية، تأتي إلى جانب نشاط ملحوظ في صفوف أصدقاء جمال خاشقجي من المبعدين من أوطانهم وبخاصة السعوديون الذين بات عددهم في تزايد واضح، خوفاً على سلامتهم من تعرضهم لأي شكل من أشكال الاعتقال، وهو السبب الذي أبعد جمال خاشقجي من وطنه طوعاً منتصف عام 2017.

بداية الحكاية… 

حكاية جمال بدأت باتصال هاتفي في حزيران/ يونيو 2017 تلقاه من الصحافي السعودي قينان الغامدي، يخشى سعوديون أن يكون معتقلاً، إذ لم يغرد في حسابه الموثق منذ 2018، وهو صحافي منافس لجمال ولم يكن يوماً على وفاق مهني أو حتى شخصي معه. طلب السيد الغامدي في اتصاله مع جمال بُعيد انطلاق الأزمة الخليجية آنذاك أن يكتب مقال رأيٍ ضد قطر، وهو يعلم أن جمال لم يكن ليُسمح له حتى تلك اللحظة بكتابة مقالات في صحيفة “الحياة” بنسختها الخليجية في زاويته التي أعتاد الكتابة فيها. الاتصال أثار استغراب خاشقجي ومخاوفه، ما دفعه للتفكير بجدية في الأمر، وخلال 24 ساعة غادر البلاد وفقاً لما رواه لأصدقائه الذين التقاهم في منفاه الاختياري. حتى تلك اللحظة لم تكن بوادر الاعتقالات قد ظهرت في السعودية، لكن يبدو أن معرفة جمال وفهمه عقلية أشخاص عمل معهم لسنوات، دفعته للابتعاد من وطنه وأهله واختيار منفاه إلى أن تتضح الصورة. كان جمال يبحث في الفرص المهنية حوله منذ وصوله إلى منزله بالولايات المتحدة، بل كان في حيرة من أمره إن كانت عليه الإقامة في لندن أم واشنطن، وهكذا توالت الأحداث الصاخبة خلال النصف الثاني من عام 2017 في السعودية. فقد عاد جمال خاشقجي للكتابة في صحيفة “الحياة”، ثم أعيد منعه، بعد انتقادات وتحفظات أعلنها حول سياسات الرئيس الأميركي المقبل دونالد ترامب وعلاقة السياسة السعودية به، ليدخل بذلك المنعطف المظلم، إذ اقتادت الظروف جمال آنذاك للتعبير عن رأيه من خلال صحيفة “واشنطن بوست” بمقالات لاقت رواجاً عالمياً واسعاً وشجباً سعودياً كبيراً، أدى إلى ما حدث في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر 2018. 

لم تكن مقالات الرأي في “الواشنطن بوست” والظهور في وسائل الاعلام نشاط خاشقجي الوحيد في المنفى، بل كان يعمل على خلق منظمة من أجل ديموقراطية الشعوب العربية ومواطني بلده خصوصاً، وعلى رغم من رحيله قبل رؤية حلمه يتحقق، إلا أن مؤمنين بمبادئه وطموحاته من أصدقائه تمكنوا من تحقيق الهدف ولو بعد حين. 

ففي الذكرى الثانية من مقتل جمال خاشقجي، أعلنت مجموعة من أصدقائه من النشطاء والمهتمين بحقوق الإنسان عن انطلاق “مؤسسة الديموقراطية من أجل العالم العربي الآن”، “دون”، تجسيداً لحلمه وسعياً إلى تحقيق المزيد من الحريات في المنطقة، بخاصة في ظل تفشي الحكم اليميني حول العالم.

ويقول رئيس البحث حول شؤون الخليج في المؤسسة وعضو مؤسس في حزب التجمع الوطني د.عبدالله العودة، إن أعمال “دون” تتميز بكونها مزيجاً بين أنشطة التجمعات الفكرية “ثينك تانكس” المعروفة في العاصمة واشنطن بأهميتها في إحداث التغيير السياسي، وبين مقالات بحثية وتحليلية لمتخصصين من جنسيات عربية متنوعة يقيمون خارج حدود أوطانهم. فضلاً عن خبراء ومتخصصين بشؤون حقوق الإنسان يعملون على رصد الانتهاكات والاعتقالات القمعية في المنطقة، إذ تعمل المؤسسة على قدم وساق من خلال ما أطلقت عليه “ستوديو المنتهكين” لملاحقة المسؤولين من رجال الأمن والقضاة وأعضاء النيابة ومديري السجون وغيرهم، ممن ينتهكون الأنظمة المدونة رسمياً في البلاد لمصلحة الحاكم الحالي أو المستفيد الحالي، وكشف انتهاكاتهم بعد التواصل معهم برسائل شخصية للاستماع إلى ردودهم قبل النشر. وعن أهمية المنظمة في هذا التوقيت يقول العودة: “إن الوقت بات مهماً وحساساً، فقد مر عامان وما زالت قضية خاشقجي تنتظر العدالة، بخاصة أن هذا العام يعد مفصلياً في الولايات المتحدة التي تشهد عرساً انتخابياً حافلاً، وعلى الرئيس الأميركي وإدارته إعادة النظر في هذا الملف، فقضايا الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور الأميركي لا يمكن أن تتبدل مع وجود رئيس أو غيابه”. 

ويأتي الإعلان عن مؤسسة “دون”، التي تم تسجيلها في الولايات المتحدة مطلع عام 2018، أي قبل مقتل خاشقجي، ولم يتم الإعلان عنها آنذاك، بُعيد انبثاق “حزب التجمع الوطني السياسي المعارض” في المنفى، والذي أعلنت عنه مجموعة من المعارضين السعوديين المقيمين في أوروبا وكندا وأميركا تزامناً مع اليوم الوطني السعودي في 23 أيلول/ سبتمبر من العام الحالي، ما يشكل مزيداً من الضغوط على الحكومة السعودية التي ما زالت تعتقل نشطاء وأسماء سعودية بارزة في سجونها تعسفياً، وتمارس الانتهاكات القمعية بحق مواطنيها. وذلك وسط بهرجة إعلامية عالمية تسلط أضواءها على ما تسميه “الإصلاحات”، وهكذا يمكن القول لعالم طغت عليه السياسات اليمينية المحافظة إن الديموقراطية لا تموت وقتل جمال بات يُحيي ألف جمال كل يوم في هذا العالم.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني