fbpx

جدل في تونس: هل يحدّ الإعدام من الجريمة؟

عاد الجدل مجدداً وبقوة حول تطبيق عقوبة الإعدام في تونس على خلفية جريمة قتل مروعة ذهبت ضحيتها فتاة عشرينية في أحد شوارع العاصمة، فهل تعود تونس الى تطبيق هذه العقوبة؟

السؤال طرح بعد أن قتلت الشابة رحمة لحمر بطريقة بشعة، إذ قام الجاني باغتصابها وتعنيفها وألقى جثتها على حافة الطريق. ثم قُبض على الجاني الذي اعترف بجريمته.

القضية هزت الرأي العام التونسي بقوة، لا سيما أنها تأتي بعد أيام قليلة من حادثة قتل خياطة في محل عملها في محافظة القيروان على يد صديقتها بطريقة عنيفة أيضاً. 

الضحية رحمة لحمر

وبعد الجريمتين ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالدعوات إلى تنفيذ عقوبة الإعدام، وأطلق رواد مواقع التواصل الاجتماعي في تونس حملة شعبية واسعة مرفقة بعريضة مفتوحة للتوقيع شارك فيها الآلاف. كما نظم أقارب الضحية مسيرة نحو قصر قرطاج مطالبين بإعدام القاتل.

وتشهد تونس في السنوات الأخيرة تزايداً في معدلات الجريمة بشكل لافت، الأمر الذي بات محل قلق الرأي العام، فقد أظهرت نتائج دراسات حديثة عن الجريمة في تونس أرقاماً مفزعة، إذ بلغ عدد الجرائم المنفذة منذ كانون الثاني يناير 2019، حتى شهر تموز/ يوليو من السنة ذاتها 150 ألف جريمة أي ما بين 20 و25 جريمة في كل ساعة. كما كشفت إحصاءات صادرة عن الطب الشرعي في مستشفى شارل نيكول في تونس العاصمة عن وقوع 800 حالة اغتصاب عام 2019.

أثارت تصريحات سعيد لغطاً واسعاً في الأوساط التونسية ولا سيما الحقوقية التي تطالب بإلغاء هذه العقوبة من القانون التونسي. وترى أن تنفيذ حكم الإعدام هو عنوان لتوحش الدول ويتعارض مع مبادئ الدولة المدنية، التي تسعى تونس إليه

من قتل نفساً

على وقع الغضب من الجريمة، وعوضاً عن وضع خطة عمل اقتصادي اجتماعي تحتوي الأزمات التي سببت ارتفاع معدلات الجريمة، اختار رئيس الجمهورية قيس سعيد الدخول على خط الاحتقان من باب شعبوي، مدفوعاً بمشاعر رأي عام يطالب بالمحاسبة، فلوح أثناء اجتماع عقده مع مجلس الأمن القومي بإمكان تنفيذ عقوبة الإعدام على القاتل. 

هذا الموقف فاقم الجدل واثار استياء داخلياً وخارجياً، لا سيما المنظمات الحقوقية التي ترى أن الإعدام ليس الحل الأنجع للحد من الجريمة في البلاد، وتعتبر أن هذا الموقف يسيء إلى صورة تونس كبلد يتحسس خطواته بثبات نحو نموذج الدولة المدنية التي تحترم مبادئ حقوق الإنسان التي من أبرز عناصرها الحق في الحياة.

موقف سعيد جاء خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي قال فيه، “النقاش يطول حول هذه المسألة والنص واضح… من قتل نفساً بغير حق جزاؤه الإعدام”.

وأضاف “لكل مجتمع اختياراته ولنا اختياراتنا ومبادئنا والنص موجود… إذا كان هناك عفو فهو لمن يستحق ولا لمن يُجرم مرتين”.

أثارت تصريحات سعيد لغطاً واسعاً في الأوساط التونسية ولا سيما الحقوقية التي تطالب بإلغاء هذه العقوبة من القانون التونسي. وترى أن تنفيذ حكم الإعدام هو عنوان لتوحش الدول ويتعارض مع مبادئ الدولة المدنية، التي تسعى تونس إليها، كما تخشى أن تهتز صورة البلاد جراء هذه العقوبة على مستوى العالم، بعدما أصبحت مصدر إشادة دائمة بعد نجاح الثورة وتأسيس نظام ديموقراطي رائد في المنطقة العربية. وعبر عدد كبير من الحقوقيين في تونس عن مواقفهم الرافضة وبشدة لما صدر عن سعيد عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وعبر بيانات.  

الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان قالت في بيان لها أن “عقوبة الإعدام لا تردع ولا تحد من تفشي الجريمة”، مؤكدة “التزامها بالنضال ضد العنف عامة والنضال ضد العنف المسلط على النساء باعتباره انتهاكاً لكرامتهن ومن أسباب موتهن”.

وشددت على مواصلة التزامها بإلغاء عقوبة الإعدام لأنها “لا تحد من انتشار الجريمة بل ما يحد منها هو التزام الدولة بضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لجميع فئات الشعب. الإعدام يمس بالحق في الحياة وهو في آخر المطاف جريمة قتل تقترف باسم الشعب والدولة”.

منظمة العفو الدولية أصدرت بياناً قالت فيه “حان الوقت للقطع مع عقوبة الإعدام في الجمهورية التونسية”. واعتبرت أن عقوبة الإعدام تعتبر انتهاكا لحقوق الإنسان، وأن عقوبة الإعدام لا تردع الجريمة وفقاً للبحوث، فلا أدلة موثوقة على أن الإعدام أكثر فعالية من السجن كعقوبة رادعة للجريمة.

اختار رئيس الجمهورية قيس سعيد الدخول على خط الاحتقان من باب شعبوي، مدفوعاً بمشاعر رأي عام يطالب بالمحاسبة، فلوح أثناء اجتماع عقده مع مجلس الأمن القومي بإمكان تنفيذ عقوبة الإعدام على القاتل. 

مسايرة عبثية

يؤيد هذا الموقف الكاتب العام للمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب منذر الشارني الذي يرى أنه من العبث مسايرة الرأي الشعبي في مثل هذه القضايا، لأنها ليست الحل الأنجع ولأن تطبيق الإعدام سيؤدي إلى انزلاق البلاد نحو سياسة وحشية من دون القضاء على الإجرام، مشدداً على أن هناك مسائل أخرى يجب إصلاحها ومراجعتها للقضاء على العنف والجريمة المستشريين في البلاد بدل هذا الحل الذي تحركه ردود فعل غرائزية.

ويقول الشارني لـ”درج” “يسود اعتقاد واسع اليوم في تونس مفاده أن الإعدام سيحد من الإجرام والحقيقة غير ذلك لاعتبارات عدة. أولاً إذا ما ألقينا نظرة على الدول الأكثر تنفيذاً للإعدام في العالم، سنجد أنها هي ذاتها التي تتصدر معدلات العنف والإرهاب على غرار إيران وأفغانستان وغيرهما. ثانياً والأهم هناك خلل كبير أمني وسياسي واجتماعي وقضائي أوصل البلاد إلى هذا الوضع، وعلينا مناقشة هذا وتشريحه والإسراع في إيجاد حلول لهذه العوامل التي تضافرت وأنتجت هذه المجموعات المارقة التي تمارس إجراماً أصبح شنيعاً ومروعاً. لن يثني إعدام قاتل ما مجرماً آخر على القيام بفعلته طالما أن العوامل الحقيقية، كالتهميش والفقر والبطالة وضعف المستوى الثقافي وسوء التعاطي الأمني والقضائي مع ملفات الإجرام، قائمة. سنعدم كثيرين بهذا التفكير من دون أن نعدم الجريمة لأننا نتجاهل أسباب تفشيها ولا نرغب في مواجهتها”.

ويشدد الشارني على ضرورة الانتباه أيضاً إلى معضلة المخدرات التي باتت منتشرة بشكل لافت في تونس واخترقت حتى المدارس، مشيراً إلى أن بشاعة الجرائم التي نراها مرد أغلبها تعاطي هذه المواد الخطيرة التي تتسرب إلى البلاد، من دون أن تشعر سلطات الإشراف بحجم خطرها ومن دون أن تنفذ خططاً حقيقية لملاحقة الأطراف التي تغرق البلاد بها، بدل البحث عن الحلول السهلة وغير الفاعلة كالإعدام. “لا بد أن تتحمل الدولة مسؤوليتها من المعيب أن نحمل شخصاً واحداً مسؤولية فشل منظومة كاملة في القيام بأدوارها”.

عملياً، هناك قناعة بأن سعيد ليس بالضرورة جدياً في إشاراته بشأن تطبيق الإعدام، وأن هذا مجرد امتصاص لغضب الشارع التونسي من الجريمة وتعالي الاصوات أكثر من أي وقت مضى للمطالبة بعقوبة الإعدام من دون السير حقاً نحو تفعيله. بمعنى أنه يحاول استيعاب هذا الغضب العارم بتمرير خطاب يتماهى مع نداءات الرأي العام الموجهة أساساً له في هذا الغرض حتى لا يجعلهم ينتفضون من حوله. ولا يعني هذا أنه سينسحب تماماً ويكتفي بالتصريحات الشعبوية كما وصفها البعض، بل من المتوقع أن يضغط من أجل أن تسلط عقوبات مشددة على الجاني وأن تكون هناك تحركات أمنية أكثر نجاعة للتصدي لحالات الاعتداء والجريمة في تونس.

بلغ عدد الجرائم المنفذة منذ كانون الثاني يناير 2019، حتى شهر تموز/ يوليو من السنة ذاتها 150 ألف جريمة أي ما بين 20 و25 جريمة في كل ساعة.

الإعدام في الدستور

ويقر الدستور التونسي لعام 2014 الحق في الحياة ولكنه لا يلغي جريمة الاعدام  التي نجدها في المجلة الجزائية ومجلة المرافعات والعقوبات العسكرية. فبالنسبة إلى جرائم الحق العام يحكم بالإعدام ضد مرتكبي جريمة القتل العمد، وفي حالات الاعتداء على أمن الدولة الداخلي والخارجي على غرار أعمال التجسس أو الاعتداء على حياة رئيس الدولة.

أما بالنسبة إلى الجرائم ذات الصبغة العسكرية فيعاقب بالإعدام العسكريون الفارون من “العدو” أو الذين لم ينفذوا الأمر بالهجوم عليه.

ونفذت تونس 135 حالة إعدام منذ الاستقلال، 129 منها نفذت في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة الذي وافق على تطبيق جل الأحكام الصادرة عن القضاء. وفي عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي تم تنفيذ 6 أحكام بالإعدام. ونُفّذ حكم الإعدام في تونس عام 1991 بسفاح نابل ناصر الدامرجي، الذي قتل 14 طفلاً إثر الاعتداء عليهم جنسياً، وتم إعدامه شنقاً يوم 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1991.

ويصدر القضاء التونسي أحكاماً بالإعدام خصوصاً بحق المتهمين بتنفيذ هجمات إرهابية لكن لا يتم تنفيذها منذ ثلاثين عاماً وتحديداً منذ عام 1991.

وتم إلغاء عقوبة الإعدام في جرائم الاغتصاب منذ بدء العمل بقانون القضاء على العنف ضد المرأة الذي صادق عليه مجلس نواب الشعب في صيف 2017. وكان ينص في الفصل 227 على عقوبة الإعدام ضد الجاني في جريمة الاغتصاب باستعمال العنف أو التهديد، أو تجاه الطفلة دون العشرة أعوام ولو من دون استعمال الوسائل المذكورة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
اشتباك العالم الإسلامي مع حرية التعبير طويل وشائك.ويبدو أن الحملة التي تتشكلُ حالياً تحت شعار “إلا رسول الله” هي إضافةٌ أخرى للاشتباك غير الضروري بين الإسلام وحرية التعبير.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني