fbpx

عن استحالة تسييل كلام نصرالله في غير بيئته

يريدنا نصرالله أن نقر بهزيمة المشروع الاميركي وإلا فنحن انهزاميون.هو يعرف غالباً أنَّ المشروع المهزوم هو عينه المشروع الذي تنتظر إيران، وحزبه ضمناً، معرفة سيده الجديد، وهي مفارقة لا تستقيم ومنطق الانتصار والهزيمة.
نصرالله في خطابه الاخير

يكاد أمين عام “حزب الله” يكون أكثر السياسيين الذين يتحدثون إلى جمهورهم أولاً وإلى اللبنانيين عموماً ثانياً، فالرجل لا يوفر مناسبة دينية أو “جهادية” إلا ويخرج فيها علينا، وهي مناسبات كثيرة بأهميات متفاوتة، لكن هذا ليس مهماً، المهم أنه يريد أن يتكلم .

  وهو أيضاً في ظهوره يتبوأ حضوراً لافتاً يتكئ فيه على حضور حزبه في الإقليم، وعلى بلادة حضور أغلب نظرائه من السياسيين، ما يجعله صاحب “كاريزما” مقدساً في عيون جمهوره، ويمنحه صورة لزعامة مشتهاة بخفر في عيون جماهير خصومه، هذا دون القفز فوق “نرجسية” في شخصيته مردها أن الرجل يعرف دون أن يعترف أنه الحاكم الفعلي للبنان .

  ليس ترفاً أن نصرالله حين يتحدث، ولو من وراء شاشة، يصير حديثه حديث البلد، وهو الأكثر جاذبيةً في صنع سياسة لبنان، ويؤثر بمثيلتها في الدول التي صارت جغرافيا لحضور حزبه في سوريا والعراق واليمن، أو لحدود تقيم تماساً محكوماً دائماً باحتمالات الحرب مع إسرائيل، وهذا كله بمعزل عن إذا وافقته أو لم توافقه، قدّسته أو أبلسته. وحديثه الأخير كان منتظراً في لبنان وفرنسا بما لا يقاس بحديث نظرائه، تحديداً في ما آلت اليه المبادرة الفرنسية، أو الرد على كلام رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو الذي سبق كلام نصرالله.

   النقاش في ما يقوله نصرالله إذاً أمر آخر، فكلامه المُنزل في بيئته، والذي يصنّف كحقيقة مطلقة، لا يمكن تسييله في بيئات طائفية أخرى تضع كلامه في النقيض المطلق، وهي للمفارقة بيئات تقترب من بيئة الحزب غالباً في وعيها المصاب بعلة القداسة، وأغلب الظن أن البيئتين تجافيان الواقع، وتقعان أسيرتي الغرائز الطائفية التي تردم تحتها أن الرجل حتى وهو الأكثر حضوراً وتحريكاً للسياسة في لبنان، هو بالضرورة يقيم بين حدي الصواب والخطأ.

المشروع المهزوم هو عينه المشروع الذي تنتظر إيران، وحزبه ضمناً، معرفة سيده الجديد، ليتسنى للمحور الممانع، والذي يشتبك مع الأميركي على مساحة الإقليم، التماس الأفق الذي ترسمه الانتخابات الأميركية. هكذا وفق مفارقة لا تستقيم ومنطق الانتصار والهزيمة حيث المهزوم منطقياً هو من ينتظر قدره، وهو على الأرجح ما أسس لفرملة المبادرة الفرنسية

   تحدث أمين عام “حزب الله،” وهو وإن بدا في جزء من متن كلامه يكرر ما دأب على قوله عن هزيمة المشروع الأميركي في المنطقة أمام جمهوره وأمامنا، وهو طبعاً يريدنا أن نقر بهذه الهزيمة وإلا فنحن انهزاميون، هذا وهو يعرف غالباً أنَّ المشروع المهزوم هو عينه المشروع الذي تنتظر إيران، وحزبه ضمناً، معرفة سيده الجديد، ليتسنى للمحور الممانع، والذي يشتبك مع الأميركي على مساحة الإقليم، التماس الأفق الذي ترسمه الانتخابات الأميركية. هكذا وفق مفارقة لا تستقيم ومنطق الانتصار والهزيمة حيث المهزوم منطقياً هو من ينتظر قدره، وهو على الأرجح ما أسس لفرملة المبادرة الفرنسية التي وشت منذ لقاء قصر الصنوبر بين الرئيس الفرنسي والنائب محمد رعد، ثم كلام ماكرون الإيجابي عن “حزب الله” وموقعه في السياسة اللبنانية، بأنَّ المبادرة المذكورة هي في العمق تسوية فرنسية- إيرانية. وما رد فعل الرئيس الفرنسي في كلامه الأخير عن “حزب الله” وأدواره الإقليمية سوى تعبير صارخ عن الخيبة الفرنسية من انقلاب “حزب الله” ومعه “حركة أمل” على أسس المبادرة، التي كانت تفترض مرونة كبيرة منهما، مقابل الموقف الفرنسي الإيجابي من الحزب والذي يتناقض مع الموقفين الأميركي والأوروبي. وبدا أن الأمر أكبر من وزارة المالية التي أصر الثنائي الشيعي أن تبقى من حصته، بخاصة بعد مبادرة الرئيس الحريري بالموافقة على “تشيُّع” الوزارة .

في كلامه رمى نصرالله تعثر المبادرة الفرنسية على “نادي” رؤساء الحكومات السابقين، والذين لا شك استمدوا من قوة الحضور الفرنسي ما يخفي وهناً سنياً ضاعف من فرض “حزب الله” وحلفائه تحكمهم بمفاصل السلطة. وبدت لهم المبادرة الفرنسية فرصة لإحداث توازن ولو بحدوده الدنيا في مواجهة الحزب ومنظومة حلفائه، وهي فرصة لم تكن لتتوفر لولا المعطى الفرنسي. لكن تقدير الاستثمار في ذلك المعطى شيء وحتميته شيء آخر، “فالنادي” المذكور لا يملك غالباً ترف نسف المبادرة أو عرقلتها، لو أخذت المبادرة الفرنسية بشروط “حزب الله”، الذي بدا أنه الوحيد القادر على فعل ذلك، وقد فعل، ورمى تعثر مسارها على رؤساء الحكومات السابقين. لكنه كان ضنيناً بحليفه رئيس الجمهورية ميشال عون الذي سجل افتراقاً عن “حزب الله” برفضه “الميثاقية” الشيعية المفترضة، ومسجلاً تبايناً واضحاً مع الحزب منذ تفاهم مار مخايل 2006.

  لكن نصرالله، وفي سياق كلامه بدا مسايراً ولو بالشكل للمبادرة الفرنسية التي يقوم متنها في الشق الاقتصادي غالباً، وهو أمر لا يبدو أولوية عند “حزب الله” الذي يعرف أن بيئته اللصيقة هي أكثر البيئات التي تنتسب طرداً مع مفاعيل الأزمة المعيشية، التي جعلت غالبية اللبنانيين تحت وطأتها، لذلك لم ينع نصرالله المبادرة، لكنه في المضمون ألمح لما يريده للسير بها إذا ما بُعثت من جديد، مع أنَّ شرط إنجازها صار معلوماً وقد ألقى ماكرون تبعات تعثره على الثنائي الشيعي أكثر من الآخرين .

والحال، أنَّ أي تسوية منتظرة يفترضها الإيرانيون ومعهم “حزب الله”، يبدو أنها مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، وهي تسوية لو صحت شروطها تبدو أكثر قابلية للصرف مع الأميركي تحديداً، والتي يفترض أنَّ مردودها أكثر إغراءً، من تسوية حدودها عند موقف فرنسي إيجابي يقيم فصلاً بين جناحي الحزب السياسي والعسكري أو في ملف العقوبات على إيران، فيما “حزب الله” نفسه لا يقر أصلاً بأجنحة كهذه داخله على ما قاله أمينه العام في المرحلة التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والحديث عن عناصر غير منضبطين نفذوا عملية الاغتيال .

  سبق الحديث عن مبادرة ماكرون رد مقتضب من السيد نصرالله على الخرائط التي نشرها بنيامين نتانياهو والتي تحدّث فيها عن أسلحة ومصانع سلاح بين المدنيين. الرد النظري لنصرالله أراد من خلاله طمأنة بيئته التي على الأرجح ستصدقه وهي صدقته على ما وشت به الكثير من التعليقات والتغريدات على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي ذهبت أحياناً إلى حد تقديم المنازل كمخازن لسلاحه، وهي عروض تنطوي غالباً على قدر كبير من المغالاة التي يراد من خلالها إظهار الولاء المطلق للحزب. كما تولت وحدة الحزب الإعلامية الجانب العملي من خلال جولة نظمتها لوسائل الإعلام على الموقع الذي أشار إليه نتانياهو، وهي في المحصلة جولة تفترض أيضاً قابلية تصديقها عند غير بيئته التي على الأرجح لن تقر للحزب بروايته، طالما أنَّ متن عملية الكشف تبقى على عاتق الحزب، لا سيما أنَّ ما حصل في مرفأ بيروت لا يزال شاهداً على ذلك التناقض الشاسع بين ما قاله نصرالله يومها عن عدم وجود أسلحة للحزب في العنبر رقم 12، وبين شرائح لبنانية وازنة تنسب ما حصل في المرفأ إلى ضربة إسرائيلية نفاها “حزب الله”. لكن كلام نتانياهو الأخير جاء ليرجح تلك الفرضية على اللبنانيين الذين عليهم الانتظار بقلق لمعرفة أي الروايتين هي الأصدق .

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
اشتباك العالم الإسلامي مع حرية التعبير طويل وشائك.ويبدو أن الحملة التي تتشكلُ حالياً تحت شعار “إلا رسول الله” هي إضافةٌ أخرى للاشتباك غير الضروري بين الإسلام وحرية التعبير.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني